"كرواسون... كرواسون"
مَنْ يتربصون بالدقة التاريخية، يسخر منهم مبكرا ريدلي سكوت. منذ الافتتاحية، تصدح المطربة الفرنسية إيديث بياف: "كرواسون... كرواسون"، بينما تُقاد ماري أنطوانيت للإعدام على المقصلة، وسط صيحات العامة الحماسية. ولدت بياف بعد إعدام الملكة بأكثر من قرن، لكن لعلّ صوتها يسبغ على الفيلم شيئا من الروح الفرنسية، التي لم يكن ريدلي سكوت يرغب في الإكثار منها على كلّ حال.
مشهد من فيلم "نابليون".
في الميدان، كان هناك عسكري شاب يُتابع تفاصيل عملية الإعدام الوحشية. يشي وجه واكين فينيكس، عندما تتنقل الكاميرا بينه وبين الملكة المغدورة، بعلامات اشمئزاز مُمتزجة بالرهبة. شاهد نابليون في هذه اللحظة، ما هو أبعد من حادثة فصل رأس السيدة عن جسدها، إنها مشاعر الجمهور المُلتهبة في أعقاب الثورة الفرنسية، وعَرف أن أي معادلة ستُصاغ، لا يُمكن استبعاد الرأي العام منها.
من قلب هذه الأجواء يتحرك فينيكس، الذي ما زال بمشيته الثقيلة أسفل القبعة التاريخية، ونظرة عينيه الفارغة يُذكِّرنا بدوره في فيلم "جوكر" الشهير. ألم ينتهِ جوكر الفيلم أيضا بالدماء والفوضى في كل مكان؟ ها هو نابليون يبدأ رحلته التراجيدية منها، كأنما في سير عكسي للتاريخ.
وإن كان لصوت بياف مفعول السحر في التذكير بالثقافة الفرنسية، فإنه يُمكن رؤية هذا الدخول السينمائي بمثابة عَتبَة للرؤية الجمالية التي يتبناها سكوت في فيلمه. إن الأشخاص في "نابليون" أقرب ما يكونون إلى صور كاريكاتورية، في سُخرية من التاريخ نفسه ربما، من الجِدة المُفرِطة لأحداثه القديمة، ومن تعطّش الثورة للدماء وللانتقام، وبالأخص من الطموح الذي يلتف حول عنق صاحبه، ويسقطه في النهاية ببساطة، مثله مثل سائر الناس.
مشهد من فيلم "نابليون".
بعد قليل نُشاهد نابليون وهو يُخطط لمعركة "تولون"، عليه أن يُحرز نصرا ما لفرنسا، وترقية لنفسه. إلى هذا الحد، كان يبدو الرجل طموحا واثقا من نفسه: "عنصر المفاجأة هو ميزتي الكبرى لكني سأنتصر بالنار"، يقول لطاهر رحيم الذي يؤدّي دور السياسي بول باراس. على أرض المعركة نفسها، حين تبدأ ليلا، يتخبّط نابليون في ما يشبه نوبة الذعر قبل انطلاق المدافع وبدء المعركة التي سيخرج منها مُنتصرا، ويحصل على رُتبة عميد، غير أنه سيقدم حصانه أضحية، ولوالدته الرصاصة التي اخترقت هذا الحصان، تحية ووعدا بأمجاد مقبلة.
ليس من السهل تصديق صورة نابليون الخائف المُرتعِش، يلهج بما يشبه الصلوات قبل المعركة، لكنها رؤية المخرج الهازئة من جانب، والمؤنسنة إن جاز التعبير من جانب آخر للقائد الشهير. هذا الطابع الهزلي يمتد إلى اللغة الجسدية للكومبارس في الفيلم. مثلا الطريقة التي تُفجع بها ثائرة مُناصرة للملكيين، بعد أن وجَّه جنود نابليون النار عليها وأردوها، مع آخرين، الفزع المُمتزج بعدم التصديق لرؤيتها قدمها وهي منفصلة عنها. الطريقة التي تلوّح بها زوجة أحد أعضاء المجلس الحاكم، كأنها ستطير، حين يُلقى القبض عليه في عملية الانقلاب التي قادها نابليون مع آخرين. أما الشكل الكاريكاتوري الأوضح، فيتحقق بالطبع مع نابليون، لهاثه المُستمر وهو يجري وسط المعارك خائفا، أو وهو يهرب من النواب في المجلس، ويُسلمهم للجنود، أو وهو يبكي مثل طفل صغير فقد أمه.
رسائل العاشقين
من بين العشرة آلاف كتاب تاريخي عن نابليون التي تحدث عنها ريدلي سكوت في حواره التلفزيوني مع صحفية شبكة France Inter، انتقى سكوت رسائل نابليون مع عشيقته ثم زوجته لفترة من الزمن جوزفين بونيه، وعهد بها إلى كاتب السيناريو دافيد سكاربا، الذي مَرَكز بدوره حكاية فيلمه حول قصة عشق نابليون وجوزفين، وهي أقوى ما يُقدمه الفيلم وأرقه وأبلغه في التعبير عن حياة الكورسيكي المسكين الذي صار ذات يوم إمبراطورا على فرنسا.
المخرج السينمائي البريطانيالأمريكي ريدلي سكوت وزوجته الممثلة الكوستاريكية جيانينا فاسيو خلال عرض فيلم "نابليون"
تلعب دور جوزفين الممثلة البريطانية فانيسا كيربي، وتمنحها من حسيتها وقدراتها التعبيرية ما يؤهلها لتكون بطلة هذا الفيلم الحقيقية، إن لم تكن على الأقل ندا لواكين فينيكس. مع تقدم أحداث الفيلم، الطويل نسبيا إذ يمتد زمنه إلى ما يزيد عن الساعتين والنصف، نتأكد أن قصة الحُب هذه هي العمود الفقري الوحيد للفيلم، وتبدو معها بقية أحداث الفيلم حوادث فرعية وجانبية، عارضت قصة الحُب الكبيرة هذه، واستهدفت تدميرها.
يمرّ الفيلم سريعا على حملة مرور نابليون على مصر، ثمة محاولاته التخريبية لتدمير الهرم الأكبر. لكن ثمة أيضا مشهده وهو خاشع أمام مومياء في تابوتها، يُعتقد أنها مومياء الملكة كليوباترا. يخلع نابليون قُبعته، ويضعها أعلى تابوت الملكة، ثم يلجأ إلى صخرة ترفعه ليواجه وجه الملكة، ويُقرّب أذنه منها، مُعتقدا أنها ستخبره سرا ما، ربما عن الخلود، ربما عن الانتصار، ربما عن الحضارة، لا أحد يدري، لكنه لا يلقى إجابة سوى الغبار.
وبينما يكتب لجوزفين من مصر، حيث الحرّ خانق، بكل ولع الدنيا: "حبي لك أشبه بالموت"، يعرف مِن أحد معاونيه أن جوزفين تخونه في فرنسا. ألم تقل له في أول لقاء صريح بينهما: "هل يزعجك ما تعرضت له في الماضي؟ هل ينبغي أن أحذرك من علاقاتي السابقة؟". فيعود نابليون إلى باريس، تاركا الحملة لكليبير. وهناك تدور جولة أخرى من قصة الحُب الاستثنائية، بساديتها ومازوخيتها. وإن اضطررنا لاستخراج قلب هذا الفيلم من مشهد واحد، فلا مشهد آخر يصلح أكثر من مشهد تبادل الاعترافات الذليل بين العاشقين. يقول نابليون: "أريدك أن تقولي إنني أهم شيء في العالم، وإنك لا شيء من دوني". وتُردد له جوزفين كما يشتهي، لكنها أيضا تشترط عليه: "أنت أيضا قُل إنك لا شيء من دوني"، ويقول نابليون صادقا.