منذ اندلاع الحرب الأخيرة في السودان بين قوات الدعم السريع وقوات الجيش السوداني، ظل أمر توحيد القوى السياسية المدنية في جبهة موحدة مطروحا بشدة في النقاشات السياسية المرتبطة بالشأن السوداني. على وجه أكثر دقة، ظل هذا النقاش محتدما منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
وفي الحقيقة فإن تشرذم القوى السياسية كان واحدا من أسباب عدم استقرار الفترة الانتقالية التي سبقت الانقلاب، وكانت له أسباب مختلفة أبرزها الصراع للسيطرة على السلطة الانتقالية. وهو ما نتج عنه ابتداع مفهوم الحاضنة السياسية والتحالف الحاكم الذي سعى إلى فرض توجهات سياسية وإدارية مختلفة على الحكومة الانتقالية، ولم يتورع عن إيقاف وتعطيل برامج الإصلاح أو قرارات الحكومة أو الاستعانة بنفوذ المكون العسكري أو استخدام الخطاب الشعبوي في الإعلام للضغط جماهيريا على الجهاز التنفيذي، في قضايا وأمور كان بعضها أبعد ما يكون عن مضامين ذاك الخطاب.
وفي بعض الأحيان، لم يتجاوز الغرض الحقيقي من إثارة الشارع أو تسيير موكب جماهيري حاشد يرفع شعارات استعجال العدالة والقصاص للشهداء، لم يتجاوز الضغط على الجهاز التنفيذي من أجل تعيين مرشح معين لإدارة ولائية لهيئة التأمين الصحي! خلطت قوى الحرية والتغيير (أو الحاضنة السياسية والتحالف الحاكم كما سمّت نفسها في ذاك الحين) بين المهام الإصلاحية الانتقالية الموكلة لحكومة الفترة الانتقالية، ونزعتها إلى الهيمنة السياسية والآيديولوجية على جهاز الدولة لتنفيذ خطوطها وبرامجها السياسية.
بطبيعة الحال أدى احتدام هذا الصراع غير المبدئي إلى تعطيل كثير من برامج الحكومة، كما أدى إلى جشع العسكر للانقضاض على السلطة وهم يرون المدنيين يستعينون بهم على بعضهم البعض، وأيضا أدى هذا التشاحن والمنافسة إلى تقسيم المدنيين وتفرقهم، وتحديدا انقسام تجمع المهنيين السودانيين والتحالف الأوسع منه قوى الحرية والتغيير بعد أن خرجت عنه كثير من مكوناته، حتى لم يبق منه الآن سوى هياكل وراية واسم منقطعي الصلة بالتحالف الأصلي الذي تكون في مطلع 2019، لقيادة مسار الثورة وتوجيهه.