فلسطين وممثلوها

فلسطين وممثلوها

قرر الرئيس جو بايدن ان حركة "حماس" "لا تمثل حق الفلسطينيين في الكرامة وتقرير المصير" وانها "لا تقدم شيئا غير الارهاب وسفك الدماء ولا تبالي بمن سيدفع الثمن". تضاف هذه العبارات الى اخرى باتت من الثوابت في كل مرة يدور فيها الحديث عن الشرق الاوسط: "لا شيء يبرر الارهاب" و"العنف ليس حلا".

صحة الكلمات هذه ينبغي الا تُخرج الموقف الحالي في غزة من السياق الذي اوصله الى هنا، من جهة. وألا يسمح بوسم القضية بسمات "من لا يمثلها" من جهة ثانية. ليس من شيء يبرر الارهاب والعنف. وهذا كلام سليم، لكن سلامته ترتبط بوجود سبل غير الارهاب للعنف والارهاب لتحقيق الاهداف السياسية، سواء على مستوى تداول السلطة او من ناحية التحرر الوطني.

لذا،يجب التوقف عند من دمر العملية السياسية منذ التوقيع على اتفاق اوسلو الذي مرت الشهر الماضي الذكرى الثلاثين على توقيعه. وعند من اعتبر استيلاء "حماس" على قطاع غزة في 2007 وطرد السلطة الفلسطينية منه، خطوة ايجابية على مسار إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني.

ولأن القضايا العميقة الارتباط بمصالح وحياة ملايين البشر، كالقضية الفلسطينية، لا تعترف بالفراغ ولا تتوقف عن إنتاج ممثلين، جيدين او سيئين، يؤيدون العنف ويلجأون الى استخدامه او يفضلون التسويات والحلول السلمية، فإن التدمير المتعمد لمنظمة التحرير الفلسطينية من الخارج، وسوء ادارتها وفسادها وسلوكها القمعي في الداخل، ساهما بتصدر "حماس" المشهد الفلسطيني، على الاقل في غزة.

كانت مسيرة طويلة جدا قبل هبوط مظلات مسلحي "حماس" وسط الحفل الموسيقي في الصحراء. مسيرة حفلت بتجاهل مديد وقاهر "لحق الفلسطينيين بالكرامة وتقرير المصير" الذي اشار اليه الرئيس الاميركي. وبسلسلة جهنمية من الافعال والردود عليها ومن دوران في دائرة مفرغة من القتل والقتل المضاد وتهميش الفلسطينيين والتفنن في اختراع الوسائل الكافية للقضاء عليهم، سياسيا وماديا وثقافيا، وتدمير مجتمعهم وثقافتهم وتاريخهم.

يجب التوقف عند من دمر العملية السياسية منذ التوقيع على اتفاق اوسلو الذي مرت الشهر الماضي الذكرى الثلاثين على توقيعه. وعند من اعتبر استيلاء "حماس" على قطاع غزة في 2007 وطرد السلطة الفلسطينية منه، خطوة ايجابية على مسار إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني

بعد وصول غلاة اليمين المتطرف وقادة المستوطنين مثل ايتمار بن غيفير وبيزليل سموتريتش الى المقاعد الأهم في الحكومة الاسرائيلية، صار اليوم الذي لا يعتدي فيه المستوطنون على فلسطينيين في الضفة الغربية، يوم استثنائي. الارقام التي تقدمها المؤسسات الاسرائيلية (قبل غيرها) عن عدد القتلى الفلسطينيين برصاص المستوطنين والجنود الاسرائيليين، يدعو الى الدهشة. وإذا اضيفت هذه الاعتداءات على التغيير الذي ادخله بنيامين نتنياهو على مستوى السيطرة الحكومية على القضاء، لبدا ذلك كوصفة ناجعة لافلات كل من تخول نفسه انتهاك حقوق الفلسطينيين، من ابسط انواع المساءلة والعقاب. 
هناك من استولى على القضية الفلسطينية ووظفها في جدول اعماله الذي لا يتلاقى مع مصالح الشعب الفلسطيني. وهناك من دفع في اتجاه الخيار العدمي الذي يؤدي الى سفك دماء الفلسطينيين وتدمير مدنهم. وهناك من يضع حساباته فوق تفاقم المأساة الفلسطينية واستمرار تكرارها الى ما لا نهاية له. كل هذا معروف وواضح ولا يحتاج الى المزيد من الاثباتات.  
لكن الأهم من كل ذلك، هو الاصرار على الجوهر الاخلاقي للقضية الفلسطينية لأسباب تتعلق بالضبط بمستقبل المنطقة التي يجب ان تصل ذات يوم الى السلام. يتعين تغيير الممثل السيء للقضية العادلة على ما تقول العبارة الشهيرة، وليس التخلي عن القضية. فهذه لا تني تجد طرقا للعودة الى الظهور ولو من خلال احتلال الشاشات التلفزيونية وازعاج المشاهدين. 
قتل المدنيين والمخاوف المتعلقة بتمدد ساحات القتال لتشمل لبنان وسوريا وهوية الطرف المحارب والايديولوجيا التي يعتنقها والدوافع المباشرة للجولة الحالية من الحرب، تطغى على يوميات المشاهدين والقراء. بيد أنها لا يجب ان تحجب الصورة الاوسع والاكبر للقضية وان لا يصبح المزج بين القضية وبين ممثلها الآني هو الثابت الوحيد في صورة الشرق الاوسط المعقدة والمركبة.
 

font change