في هذا المنحى من دراسة اللغة بدأت تمظهرات جديدة لصناعة المعنى تتشكل حول فرضية جديدة لتوزّع المعاني وتجمّعها. هذا التوجه انطلق من نظرة مفادها أن درجة التشابه الدلالي بين تعبيرين لغويين تحمل في طيّاتها دلالة على تشابه السياقات اللغوية التي يمكنها أن تولد تَلقفا آليا استدراكيا، تتظهّر فيه العبارات والجمل كمقترحات منطقية، أو بمعنى آخر بزغ نوع رياضي جديد لصناعة أنالوغية روبوتية، يتولد المعنى فيها عبر مطابقة رياضية لتركيب الجمل في سياقات متشابهة.
باختصار شديد، منذ سبعينات القرن المنصرم بدأت صناعة الخوارزميات المنطقية-اللغوية العمل في هذه النقطة، متخلّية عن المنحى الفلسفي العقلاني المثالي، الذي حكم الفلسفة لعقود، وشرعت هذه الصناعة في صياغة منطق جديد لبناء الكلام عبر توجّهات جديدة متّخذة من الواقع حيزا متعدّد الأبعاد مدعوما بأساليب إحصائية تهتم بمراقبة الوجود المشترك للكلمات مع كلمات أخرى أو تمثيلات أخرى للسياقات داخل مجموعة جمل محدّدة.
التوجهات الجملية التي أنتجت بهذه الطريقة لها خصائص جديدة استثمرت في العديد من التطبيقات، لا سيما في سياق استرجاع المعلومات التي تشكّل العمود الفقري لأنظمة محرّكات البحث المبنية على نموذج الفضاء البحثي(Vector Space) إلى يومنا هذا. لنا أن ننظر كيف يمكن لـ"غوغل" أن يقترح علينا تتمة للجمل عندما نكتب رسالة إلكترونية أو حين نشرع في كتابة جملتنا البحثية في محرّكه، أو كيف يقترح علينا "فيسبوك" أصدقاء جددا من دائرة معارفنا وتفاعلاتنا.
تستطيع الخوارزميات الجديدة إيجاد اقتراح جواب منطقي عن أي سؤال نطرحه عليها، مستنبطا من تاريخ وجود الكلمات في مرصوفة عبارات وضعتها البشرية في معرض تطور اللغة والنتاج البشري الفكري والتفاعلي ممثلا بها. وهذا تطوّر بالغ الأهمية. فما يبقى منا نحن البشر في التطوّر الرياضي عبر التمتين الأنالوغي هذا هو المواءمة بين ما نعرف وبين احتمال الممكن. هذه التقنية الجديدة ليست مشغولة بالتفكير بل بالتشغيل. وهنا تكمن أهمية هذه المرحلة. إذ أن تاريخ التقنية الحديث وخطابها الإيجابي قد بنيا على نقطة أساسية وهي الانعتاق، انعتاقنا من السلطات التي تشكلت وشكلت أفكارنا تباعا.
مع هذه التقنيات الجديدة يبدو أننا أمام انعطاف لامع في تطوّرها، فبعد الانعطافة المعرفية التي أرساها ديكارت جاءت انعطافة اللغة، فبات التوجه إليها كأداة محرّكة لتعريف الوجود، ويبدو أننا اليوم أمام انعطافة أخرى، تأخد اللغة من مدار السؤال كموضوع فلسفي لتضعها في مكان جديد، وهو التشغيل، وهذا ما يبدو تضاعفا لتصور جديد للانعتاق.
هذه مرحلة متقدمة للغاية، إذ أن قيمة العمل كانت قد تشكلت بوصفها خاصية فيزيائية اقتصادية يصرفها التفكير ومحاولاته عبر اللغة لترجمة إرادة الانعتاق، جاءت هذه التقانة في العقود المنصرمة وأخذت هذه القيمة إلى المدار السيستامي الأدائي. الآن بدأ هذا الفرع المتطور من هذه التقانة يأخذ اللغة المولَّدة رياضيا إلى مرحلة متقدمة بعد هذا المدار، حيث تُزاوج هذه التقنية بين التوليد التشغيلي للمعاني وطاقة الكسل كمحرّك للانعتاق.
عمل فني رقمي لرفيق أناضول، عبارة عن تركيب وسائط الذكاء الاصطناعي في متحف الفن الحديث، نيويورك 2023.
خلاصنا من براثن الأفكار الكبرى كما من سلطة المشرع المتهالكة هي ما غذّى تطلعات المقاولين التقنيين الذين حولوا الكسل من قوة سالبة في عُرف الأفكار والسرديات الكبرى إلى قوة إيجابية، أرادوا له أن ينقلب على طبيعته غير الإيجابية ليصير وقود إنتاج للتجارب الرقمية، وهنا تكمن أبرز التغيرات الكبرى في طبائعنا.
بهذا تبدو هذه التقنية الجديدة واعدة لناحية تمكنها من التجاوب مع أوامر وتعليمات كانت تتطلب عمليات عدة ووقتا وجهدا لإتمامها. نحن الآن أمام مشهد جديد، إذ أنه بمستطاع هذه الخوارزميات الجديدة أن تلعب دور الخادم الإلكتروني الضليع في شتى اهتماماتنا، ابتداء من تحصيل المعرفة التساؤلية مرورا بإرضاء متعنا الفردية وقتل الملل عبر تعبئة أوقات التأمل في صناعة الألعاب الرقمية والاستيهامات الجنسية، كما المعرفة العلمية، وصولا إلى تفحص اجسامنا وعمل الأعضاء أو قصورها، والاضطلاع بمهام وقائية ودفاعية وحربية. وفي هذا قفزة كبيرة في مستويات المعرفة وبناء طرق الإدراك وصناعة ذواتنا وتغذية مداركها.
ما يميز هذه التقنيات الجديدة سرعة إتاحتها التطبيقات العملية. فثورة الإنترنت ومن بعدها الهاتف الذكي قد أنتجا قاعدة مستخدمين متمرسين هائلة موزّعة في الدول كافة، كما أن رخص الأجهزة الذكية وتوفر تقنيات الاتصال والبرمجيات الأساسية المشغلة جعلا من تمدد وتغلغل هذه التقنيات أمرا سهلا، وهذا بدوره يؤمن وجود البيانات التي يخلّفها المستخدمون خلال مسيرتهم التفاعلية والتي تشكل ركنا أساسيا في صناعة الذكاء الاصطناعي التوليدي وتطوّرها.
في هذا السياق يبدو لافتا حجم الاستثمارات التي تضعها دول الخليج العربي في هذه القطاعات. فالسعودية مثلا بدأت عبر صناديقها السيادية بالاستثمار الكثيف في هذه التقنيات في مجالات شتى بدءا من ترشيد أنظمة الفعالية السيستامية، مرورا بقطاع الصناعات المالية والمصارف إلى قطاع التعليم والتركيز الشديد على بناء مركز عالمي برمجي يعنى بصناعة الألعاب الرقمية في المملكة.
ما يؤشر إلى جدية هذا التوجه، هو افتتاح مركز رئيسي في المملكة لـ"إنفيديا" الرائدة في صناعة رقائق التشغيل المتطوّرة، التي تجعل هواتفنا الصغيرة آلات فائقة السرعة والذكاء. وأحسب أن في هذا المنحى ما هو ثوري في عالمنا العربي، فهو يؤشر إلى رغبة تتعدّى اللحاق بروح العصر إلى صناعتها. رغبة قد تعيد تعريف تاريخنا على نحو مغاير لما خبرناه في أنفسنا وفي تصوراتنا الجمعية والفردية. شيء جديد يلوح في الأفق.
بلال خبيز: عزلة الفن وتفريخ الانحيازات
طوال عقود الزمن الرقمي الماضية لم تنجح معظم الفنون في حجز مقاعد ثابتة لها في اقتصاد التواطؤ الذي يدير خيالاتنا وآمالنا وأمانينا ومشاعرنا. تكاثر الشعراء، لأن إجادة اللغة باتت شائعة أكثر مما كانت من قبل، لكن الشعر نفسه انحدر إلى محنة بتنا نتساءل مع تفشي أعراضها إن كان قابلا للاستمرار أم لا.
الرواية جنحت في بعض أبرز اتجاهاتها إلى ما يمكن تشبيهه أو دعوته بالسوبرمانية، حيث باتت شخصياتها قادرة على تغيير الفصول واستثارة العواصف، وهذا مما يشيع في روايات الواقعية السحرية على نحو لا رادّ له. الفنون التشكيلية تواجه محنة مماثلة، إذ ما الذي يريد الفنان أن يقوله ولم يُقَل من قبل، وما الذي يستطيع أن يظهره ولم تظهره ريش الرسامين الذين سبقوه أو كاميرات التصوير. الموسيقى: ما يقرر في شأنها ليس مهارات الفنانين الموسيقية، بل مهاراتهم التسويقية. باختصار إذا كانت تايلور سويفت قادرة على تحريك الاقتصاد من الركود إلى الانتعاش، فليس لأن الأرض لم تنجب مثيلة لها من قبل، بل لأن أعمالها شائعة إلى الحد الذي يسمح لها بأن تتحول إلى ما يشبه فنجان قهوة في "ستارباكس". فنجان قهوة كلنا بلا استثناء نعرف طعمه عن ظهر قلب.
لكن سطوة الذكاء الاصطناعي المرجحة لن تقف عند هذا الحد. سيبقى ثمة مشاهير طبعا، وسيبقى ثمة أثرياء. المسألة تكمن في أن انتشار هذه الموجة سيجعلنا جميعا متساوين. في العصر الرقمي الذي سبق عصر الذكاء الاصطناعي، كان في وسع مؤثر أو مؤثرة، إذا ما أوتي قليلا من الحظ وكثيرا من السذاجة أن يحقق شهرة واسعة، تدر عليه أموالا طائلة، تسمح له، أي الأموال، بأن يحافظ على شهرته التي تدر عليه أموالا طائلة. إنها دائرة مغلقة، لكنها كانت متاحة للتجربة وقد يواتي الحظ البعض، مثلما يواتي الحظ البعض الآخر ويربح جوائز اليانصيب.