حميدتي في حالة إنكار كامل لحقيقة أن منظومة قوات الدعم السريع، كانت ولا تزال مؤسسة مرتبطة في الكامل بأطراف خارجية في إطار خدمة وتحقيق طموحات مالكها.
تحدث حميدتي بشكل متقطع عدة مرات عن أنهم يدافعون عن أنفسهم ويسعون للدفاع عن الوطن واستعادة الديمقراطية وعن شجبهم للعنصرية، ولكنه لم يوضح كيف يدافعون عن أنفسهم باحتلال بيوت المواطنين وطردهم منها. ولم يوضح كيف يتسق سعيهم للديمقراطية مع ارتكاب جرائم القتل الجماعي واغتصاب النساء أو نهب الممتلكات.
لم يقل حميدتي كيف يتسق شجبهم للعنصرية مع تهجير المساليت أو جريمة اغتيال المرحوم خميس أبكر والي ولاية غرب دارفور والتمثيل بشكل وحشي بجثته، وحالة العنف الواسع على أساس إثني التي اجتاحت الولاية والإقليم بعد ذلك. حميدتي يعيش في حالة إنكار كامل للواقع، ويعيش في السردية البديلة التي يحاول هو وبقية الناطقين باسم قوات الدعم السريع إيهام الناس بها وإنكار ما يرونه بأعينهم ويعيشونه كل اليوم.
نقضَ خطاب حميدتي المسجل، كل الغزل الذي حاول طه عثمان إسحق- ممثل قوى الحرية والتغيير- نسجه في لقاء آخر على قناة "الجزيرة" في اليوم الذي سبقه. حاول الضيف جاهدا في ذلك الخطاب، تدعيم سردية قوات الدعم السريع عن الاتفاق الإطاري وعن اندلاع الحرب وعن الاتفاق الإطاري، بل رأى سودانيون ممن شاهدوا المقابلة أنها كانت تبرر بشكل خجول انتهاكات الدعم السريع بذكر أن هذه الانتهاكات هي ما ظلت قوات الجيش السوداني تمارسه في حروب الجنوب ودارفور.
لم تتعلم قوى الحرية والتغيير- المجلس المركزي، من هذا الدرس، ومما حدث في تأسيس الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية. وأعلنت قوى الحرية والتغيير عبر واجهاتها المختلفة تأسيس هذه الجبهة ببيانها الصادر يوم الخميس 27 أبريل/نيسان. وبالفعل وقع عليه عدد كبير من المنظمات المدنية السودانية، تصدرتها تنظيمات قوى الحرية والتغيير- المجلس المركزي، بالإضافة إلى عدد من لجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات السودانية.
ولكن لم تلبث أن تفرقت مكونات هذه الجبهة بين أيدي سبأ، بعد أن شهدت استقالات متعددة من مكونيها وانسحابات أخرى من بعض مكوناتها، تعللت كلها باعتراضهم على منهج إدارتها واتخاذ القرار باسمهم فيها. ثم جاءت الطامة الكبرى بعد البيان الذي أصدرته الجبهة في مطلع مايو/أيار وهو الذي تضمن اختلاق واقعة حوادث اغتصاب ونسبتها إلى الجيش السوداني، وذلك من أجل المساواة في ذكرها وإدانتها مع حوادث الاغتصاب الموثقة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والتي أثارت ضجة واسعة في حينها.
وقد أثار هذا الاختلاق فضيحة كبرى أدت لاحقا إلى سحب البيان واعتذار الجبهة المعنية عنه في 15 مايو/أيار 2023، ولكنه أدى إلى انكشاف انحيازها السياسي وإلى مزيد من الانسحابات للمكونات والشخصيات المكونة لها، حتى لم يتبق فيها إلا تنظيمات قوى الحرية والتغيير.
إذا ما كان حميدتي قد صدق في خطابه المسجل في أمر واحد، فهو الرسالة التي وجهها حميدتي إلى البرهان بالقول (دولة 56 انتهت يا صاحبي!). وبالفعل فإن هذه الدولة قد انتهت بكل مؤسساتها وهياكلها ومنتجاتها القديمة وعلى رأسها قوات الدعم السريع والتي هي أحد أفظع منتجات دولة التمييز والقمع الذي صنعته هذه الدولة خلال عهد البشير لممارسة العنف البنيوي ضد الشعب السوداني. وأن إيقاف الحرب سيحدث فقط عبر العودة للأساسيات المبدئية في بناء جهاز الدولة والتي على رأسها حياده السياسي وضرورة احتكار العنف الشرعي لجهة واحدة في أي بلد.
قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في زيارة لقاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان في 28 أغسطس 2023
إن أي اتفاق أو تفاوض على إعادة تقسيم السلطة السياسية أو العسكرية بين مكونات شاركت في إشعال هذه الحرب، والتعامل مع السودان وكأن 15 أبريل/نيسان لم يكن، سيكون مكتوبا عليه الفشل وعودة الحرب بشكل أفظع في القريب العاجل.
إن نزع التسييس عن المؤسسة العسكرية وبقية أجهزة الدولة لن يكون بإضافة جيوب مسيسة جديدة إلى هذه الهياكل، بل بنزع الجيوب المسيسة الموجودة فيها أصلا. ناهيك عن أن حميدتي كشف في خطابه الانفعالي لقناة "الجزيرة" عن أن موافقته على الدمج الذي تضمنه الاتفاق الإطاري- على سوأته- كانت مجرد مناورة تكتيكية بينما هو يسعى في اجتماعاته مع البرهان حتى مطلع أبريل/نيسان إلى ضمان استقلالية قواته عبر توأمتها مع قوات الجيش السوداني وليس دمجها.
كل الحديث والروايات عن التفاوض على فترات الدمج ومدده الزمنية وخططه التنفيذية لم يكن سوى مزايدات للمناورة كما كشف حميدتي، وإن كان ذلك واضحا حتى من قبل خطاب حميدتي المذكور، من الفترات الزمنية المطولة غير المعقولة والتي تراوحت بين 22 عاما في طرح الميليشيات
و10 أعوام في طرح قوى الحرية والتغيير- المجلس المركزي؛ فجهاز الدولة بكافة مؤسساته لا يجب أن يكون غنيمة يتم تقاسمها بين أمراء الحرب.
"جئتكم بالسلام في عصرنا"، كانت هذه هي العبارة التي قالها رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين بعد توقيعه على اتفاقية ميونيخ مع أدولف هتلر في سبتمبر/أيلول 1938. وهدفت تلك الاتفاقية بشكل أساسي إلى استرضاء هتلر عبر تسوية تتضمن القبول بضمه لمنطقة السودييت التابعة لتشيكوسلوفاكيا للحفاظ على ما بدا أنه استقرار في القارة الأوروبية حينها. ولكن "اتفاقية عنا، ومن دوننا" (About us, without us) كما سماها التشيك، انتهت بعد ستة أشهر فقط من توقيعها باحتلال هتلر لكافة أراضي تشيكوسلوفاكيا ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر/أيلول 1939 وملايين القتلى في مجازر الإبادة الجماعية ومحارق الغاز والمعارك الحربية على امتداد العالم.
ما حدث في السودان منذ توقيع الاتفاق الإطاري في 5 ديسمبر/كانون الأول 2022 وحتى اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023 يعيد شبح ميونيخ إلى الأذهان. وإذا لم يتعلم السودانيون من التاريخ العالمي، فالأجدر بهم أن يتعلموا الآن من تاريخهم القريب قبل إعادة تكرار الأخطاء.