طاولة الخال ميلاد... الخبز طعم الحياة
من ليبيا تأتينا رواية "خبز على طاولة الخال ميلاد" (دار رشم، 2021) لمحمد النعاس، التي حازت "بوكر" العربية 2022، وأثارت الكثير من الجدل وردود الأفعال الغاضبة، كونها تتعرّض لحكاية بطلها الرجل الذي يغاير مكانه في نظام المجتمع، فيرضى أن يبقى في المطبخ ويمنح زوجته حقها كاملا في أن تبقى هي التي تخرج للعمل، لكن علاقة ميلاد بالمطبخ لم تكن وليدة ظرف زواجه الخاص تلك، بل يعود بنا الكاتب إلى سنوات تشكّل ذلك الشاب وعلاقته بأخواته البنات، وكيف كان الخبز وتشكيله وسيلته أيضا للتغلب على مشقات الحياة:
"إنّ مزاجي مرتبط بالخبز على الدوام. لم أرتبط بأيّ شيءٍ آخر في حیاتي بأكملھا كما فعلت معه. في أیّام المعسكر كنتُ أتعذّب لابتعادي عن أرغفتي في الكوشة. كنتُ سيء المزاج بعد ذلك، لفقداني الرغبة في التواصل معه مجددا. حتّى الأیّام التي تلحق محاولاتي الفاشلة في صنع رغیفٍ جدیدٍ، كانت سیّئة وسخیفة وغیر محتملة. إذا دخلت المطبخ لأبدأ العجن، أصبغ مخاوفي، سعادتي، طموحاتي، مطامعي، رغباتي، حزني، كآبتي، شھوتي، دموعي، شكوكي، لھفتي، اطمئناني، سكینتي، روعي، قلقي وجفافي في رغیفي الذي یتأثّر شكله بتلك المشاعر".
لم يكن الخبز وصناعته بالنسبة إلى ميلاد إلا معادلا موضوعيا للحياة وطريقة تعامله معها، ونحن إذ نتعرف إلى نشأته وتربيته نتلمّس فيه منذ البداية تلك الحساسية الخاصة في التعامل مع النساء ومع الحياة بشكل عام، فهو يرفض عددا من الممارسات الذكورية التي يتفاخر بها أقرانه، ويبقى في عزلته الخاصة وعالمه حتى يجد زوجته ويبدأ معها حياة جديدة، لكنه في الوقت نفسه لا يسلم من أذى المجتمع ومراقبته له!
هكذا يؤسّس النعاس لعالم بطله وروايته من خلال العلاقة بالطعام، وذلك المكوّن الأساسي فيها وهو الخبز ويجمع ببراعة بين مهارة الوصف الدقيق لعالم الخباز وعرضه لتفاصيل حياته، وكيف بدأت تتشكل على هذا النحو مثل عجين على نارٍ هادئة.
تشكيلة من التوابل الملونة في سوق تقليدي في مراكش، المغرب.
مطبخ نعمة... أدوات تؤسس الحياة
وإذا كان عالم ميلاد يتشكل في مخبزه، فإن مطبخ نعمة وما فيه من أدوات، يكشف لنا أسرار ذلك البيت والعلاقات بين أفراده، في روايتها "الحياة السرية لسكان مطبخ نعمة" (دار المعرفة، 2023) تقدّم شيماء هشام سعد وصفة مختلفة للرواية والطبخ والحياة والعلاقات بينها، انطلاقا من أجهزة المطبخ وأدواته التي تكشف أسرار ساكنات البيت، بداية من زيجاتهن مرورا بالمشكلات التي يمررن بها وصولا إلى تلك النهاية التي تحمل مفاجأة خاصة.
نتعرّف في البداية الى أجهزة المطبخ وأدواته، من الثلاجة إلى الغسالة والبوتغاز وحتى المعالق والصحون والفناجين، يبدأ كل منها في تحديد وظيفته للآخرين، وسرعان ما تتسابق لتأدية الوظائف المهمة المطلوبة منها. بالتوازي مع ذلك تستعرض الكاتبة أطرافا من حياة ومواقف سكان هذا البيت، تحكيها "رائحة المطبخ" التي تقوم بدور السارد العليم:
"هناك دائما فترة يستغرقها كل زواجٍ حتى يستقر، وقت يلزم الرجل والمرأة كي يتشرّب كلٌ منهما الآخر وينسجم معه، ومن خبرتي كرائحة مطبخ تابعت عن كثب وبتركيز زواج نعمة وحالات مزاجها من خلال طبخها، بوسعي أن أقول إن هذه الفترة لا ينبغي أن تطول فيحترق الزواج في انتظار انسجامٍ لا يحدث، كما لا ينبغي أن تقصر فيكون الزواج نيئا والعلاقة هشّة تتداعى مع أول هبة ريح. الوقت يلزم الزوجين حتى يتعرضا معا لأنواع المشاكل وتنضج علاقتهما على نار التحديات، التي يمكن أن تكون خلافات مع الأهل، أو مشاكل لاختلاف الطباع وصعوبة التعود، أو ضيق العيش".
ومن صيادية السمك ومحشو الملفوف/الكرنب الذي يبدأ الزوجان بهما حياتهما إلى كعكة القرع بالتوابل والملوخية الخضراء الجيدة القوام، ننتقل مع العائلة إلى وصفات المطبخ الشهية التي تعبّر عن حالات العائلة الصغيرة، ففي وقت الولادة يظهر مشروب "المغات" ويظهر الخبز الطري، كما يأتي حساء العدس المثالي لأيام المتعبة والمطيرة.
هكذا تنقلنا الكاتبة ببراعة بين وصفات الطعام والمأكولات التي تعد في البيت وبين حالة سكان البيت، كما تضع مع كل وصفة طريقة العمل وتقيس عليها علاقة الأفراد بعضهم ببعض وكيف تتأثر تلك العلاقة بينهم، تماما كما يحدث في إعداد الطعام، وهي بين هذا وذاك تمزج باقتدار بين عالم الرواية وأبطالها من البشر والأدوات، وتقدم سبيكة متماسكة لا تفتقر للمتعة والإدهاش.