نماذج غربية
الواقع أن تاريخ ما قبل حدث معيّن يرتبط عضويا بتاريخ ما بعده. في هذا السياق فإن الوجود الفلسطيني (الذي طالما وصفه سياسيون وزعماء إسرائيليون بأنه لم يكن أكثر من حضور لقبائل صحراوية بلا حضارة) واضح في ما التقط من أفلام وثائقية، بالإضافة إلى تلك الأفلام التي دعت إلى إنشاء دولة إسرائيل.
الفارق، هو سوء استغلال الفلسطينيين السابق للسينما وقدراتها البلاغية في الوقت الذي عمدت فيه تلك الإسرائيلية (قبل النكبة وبعدها) إلى السينما في نوعها الإعلامي والترويجي مستخدمةً الفيلم الوثائقي أولا.
لم يخل عقد من وجود أفلام حول القضية الفلسطينية والإحتلال الإسرائيلي، إلا أن نقل هذه القضية العادلة إلى إعلام سياسي أو ثقافي كبير بقي محدود الأثر، في حين استندت الآلة الإعلامية الإسرائيلية إلى عنصرين أساسيين في عملية نقل "شهاداتها" و"روايتها" ونوع تاريخها إلى العالم.
العنصر الأول: وجود سينمائيين يهود منتشرين في الغرب قادرين على تحقيق أفلام تخدم اسرائيل، سواء بحثت في الهولوكوست وتبعاته أو في حق العودة إلى أرض التوراة وتأسيس الكيان اليهودي.
العنصر الثاني، أن هوليوود، في الأساس، كانت بدورها مستعدة لإنجاز أفلام تعرض ذلك "الحق" الإسرائيلي في فلسطين كما الحال في فيلم "شتات" (Exodus 1960) لأوتو برمنغر، و"سيف في الصحراء" لجورج شرمان (1949). الدوافع السياسية ليست خافية في تلك الأفلام التي تحدّثت عن أوضاع فترة ما بعد النكبة تأكيدا لنوع أو آخر من أنواع الحق في امتلاك الأرض واستعادة التاريخ من وجهة نظر دينية (تتداخل فيها أيضا النوازع والأغراض السياسية البحتة).
إلى ذلك، فإن قدرة العنصر الأول المكوّن من أفراد على توظيف الشركات الغربية (عموما) لتحقيق تلك الأفلام هي بمثابة التقاء نموذجي بين جانبين على هدف واحد. وفي الكثير من الأحيان سنجد، في هذا الاستعراض، كيف أن الدراما قد تبدو بعيدة عن الغاية السياسية، قبل أن تكشف عن كونها أداة أخرى في جذب المُشاهد (الغربي أساسا) إلى اعتماد وجود إسرائيل كحقيقة لا يمكن تجاهلها.
هذه هي حال "البهلواني" The Juggler الذي حققه إدوارد ديمتريك سنة 1953. فبطله (كيرك دوغلاس) خرج من معتقل النازيين ووصل إلى فلسطين حيث يريد أن ينتمي لكنه لا يزال يحمل مشاكل نفسية على الرغم من استعداد المؤسسة هناك لمنحه حق اللجوء ورعايته وتوفير فرصة حياة جديدة وآمنة له.
فيلم آخر لكيرك دوغلاس، الذي توفي سنة 2010 وكان معروفا بتأييده الدولة الإسرائيلية، يبدو فيه كأنه وصل إلى فلسطين لغاية نبيلة. الفيلم هو "ألق ظلا عملاقا" Cast a Giant Shadow أخرجه ملڤيل شاڤلسون سنة 1966. هنا هو ضابط أميركي سابق يصل إلى فلسطين قبل سنة واحدة من النكبة لرعاية مشروع إنشاء "الهاغاناه" التي ستدافع عن يهود فلسطين من "اعتداء" الفلسطينيين عليهم بعدما قررت بريطانيا تقسيم البلاد بين عرب ويهود.
فيلم "الفلسطيني الثائر"
أفلام الشعارات
يجب عدم الاعتقاد أن السينما العربية لم تتفهم الدور المنوط بها، لكنها عالجت الموضوع الفلسطيني في العديد من الأحيان، وخصوصا في الستينات ومطلع السبعينات، بسلسلة من الأفلام الركيكة فنيا وإنتاجيا وإعلاميا. أفلام ذات نيات حسنة لكنها لا تتمتع بالإجادة الفنية لكي ترفع صوت القضية عالميا. الوجهات الوحيدة لمثل تلك الأفلام (التي انتجتها "فتح" و"الجبهة الشعبية" وجهات فلسطينية وأحيانا لبنانية) كانت الجمهور العربي (ليس جميعه بالطبع) والمهرجانات الشرق أوروبية (لايبزيغ، موسكو...).
خلال تلك الفترة كان هناك زخم كبير من الأفلام التسجيلية والوثائقية الإحتجاجية التي ترفع شعار المقاومة والفداء. الجمهور الذي وُلد قبل النكبة أو خلال السنوات اللاحقة لها، كان لا بد له من أن يؤيد هذه الدعوات التي تحمل في جوهرها حقوقا مهضومة لعدالة واستعادة وطن وسلام. لكن النبرة العسكرية في هذا الصدد لم تكن نافعة ولا تصوير المخيّمات الفلسطينية وحياة البؤس فيها على نحو يطلب التعاطف.
عندما انبرى الراحل كريستيان غازي لتحقيق فيلم "الفدائيون" سنة 1967 حمل في صدره رسالة ايجابية، لكن الفيلم لم يؤد إلا إلى خروج أفلام روائية تستغل العواطف الفطرية للجمهور لتحقق عائدات مادية كبيرة إذا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وقبل أن يكتشف الجمهور أنها أعمال تستغل القضية للكسب وتكرر نفسها خلال ذلك.
من هذه الأفلام "كلنا فدائيون" لغاري غارباتيان (1969) و"الفلسطيني الثائر" لرضا ميسر (1969) و"فداك يا فلسطين" لأنطوان ريمي (1969) و"أجراس العودة" لتيسير عبّود (1970) وصولا إلى "الاختراق" لكنعان كنعان (1974).
يكشف فيلم "خارج الإطار: ثورة حتى النصر" لمهند يعقوب (2017) عما وقف وراء عدد كبير من أفلام تلك المرحلة وما آلت إليه. فيلمه جامع لما شهدته القضية الفلسطينية آنذاك من أفلام دعائية حققها بإيمان لا يعرف سبيلا آخر مخرجون تسجيليون مثل العراقي سمير والفلسطينيين مصطفى أبو علي وهاني جوهرية واللبناني رفيق حجار والأردني عدنان مدانات (رغم أن أفلامه لم تكن صرخات مولولة أو استغلالا ظرفيا بل وثائقيات معتنى بها أكثر من سواها).
وسيلة المخرج مهند يعقوب، التذكير بالتاريخ عبر وثائق من صحف وملفات وصور أرشيفية، لكن دوره خلال ذلك لا يبتعد عما أحاط تلك الأفلام من قبول بالشكل المتواضع المتاح.