طبعا ثمة مشكلة أخرى هنا، وهي أن الفصائل الفلسطينية أضفت قدسية على الكفاح المسلح، أولا، لتغطية واقع سيادة العفوية والتجريبية في تجربتها.
وثانيا، لأن الكفاح المسلح، بالشكل الذي تديره، يتطلب التضحيات، من دون الخضوع لأي اعتبارات في شأن قدسية حياة البشر. وثالثا، لأنها نأت في تجربتها السياسية عن تقاليد النقد والمساءلة والمحاسبة. ورابعا، لأن هذا الشكل من الكفاح هو الذي مكّن الفصائل الفلسطينية المعاصرة من استقطاب الفلسطينيين، بعد النكبة (1948)، وتاليا فرض ذاتها كأمر واقع باعتبارها ممثلا لهم.
في غضون ذلك، حجبت التقاليد الفصائلية السائدة، أو أغفلت، عدة جوانب مؤسّسة لأي تجربة كفاحية، سيما إذا كانت تعتمد الكفاح المسلح كشكل رئيس أو حصري لها. أولها، الاعتماد على الإمكانيات الذاتية للشعب، ما يعني بداهة عدم تحميله مستويات نضالية أو تبعات فوق قدرته على التحمّل، إذ إن الاعتماد على الخارج يشجع على اللامبالاة إزاء هذا المعيار. ثانيها، ديمومة الشكل الكفاحي، بغضّ النظر عن مستوياته، إذ إن ذلك هو الذي يضمن استمرار طاقة الشعب الكفاحية، والاقتصاد بها. وثالثها، تمكنه من استنزاف مجتمع العدو، لا تمكين العدو، أو التسهيل له، استنزاف المجتمع الذي يفترض أن المقاومة تتمثل أهدافه أو تدافع عنه؛ وهو ما حصل غالبا في التجربة الفلسطينية في كل المراحل، في الخارج وفي الداخل.
هكذا، في ظل هيمنة الفصائل على المشهد السياسي الفلسطيني، من كونها تمتلك الموارد ووسائل القوة والهيمنة، وفي ظل توق الشعب الفلسطيني للرد على اعتداءات إسرائيل وغطرستها، وسيادة قيم التضحية والكرامة لديه، يسهل تغييب الدروس المستفادة من التجربة الفلسطينية الطويلة والمريرة والمضنية، عند كل عملية، أو عند إطلاق أي صاروخ، كأن العمل الوطني الفلسطيني، أو الكفاح المسلح الفلسطيني، بدأ للتو، وليس قبل قرابة ستة عقود.
لنلاحظ، مثلا، أن أكثر مرحلة احتدم فيها الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي كانت في مرحلة الانتفاضة الثانية (2000- 2004)، ففي تلك الفترة قتل 1060 إسرائيليا (مقابل حوالي 5000 فلسطيني)، وهو أعلى عدد في الخسائر البشرية تكبدته إسرائيل منذ قيامها (باستثناء فترة الحروب الإسرائيلية العربية)، وأكثر فترة قلّ فيها الفارق في الخسائر البشرية بينها وبين الفلسطينيين، إذ النسبة كانت 1- 4. بيد أن النتيجة كانت أن إسرائيل شنّت حربين مدمرتين على الفلسطينيين (2002-2003) استعادت فيهما السيطرة على الضفة، ودمرت بناها التحتية، وقطّعت أوصالها بالنقاط الاستيطانية والحواجز والجدار الفاصل، أما غزة فانسحبت منها إسرائيل (2005) للتخلص من عبئها، بفرض الحصار عليها، وتحويلها إلى سجن كبير، وكحقل رماية لصواريخها، وتحويلها إلى مشكلة للفلسطينيين، كما قدمنا.
أيضا، ثمة ثمن باهظ للحروب الإسرائيلية ضد غزة، والتي انتهجت فيها الفصائل الحرب الصاروخية، إذ كانت الخسائر البشرية الفلسطينية عالية جدا، فثمة 1436 في الحرب الأولى (أواخر 2008) مقابل 13 إسرائيليا. و155 في الحرب الثانية (أواخر 2012) مقابل 3 إسرائيليين. و2174 في الحرب الثالثة (صيف 2014) مقابل 70 إسرائيليا. و243 في الحرب الرابعة (صيف 2021) مقابل 12 إسرائيليا. و44 في الحرب الخامسة (صيف 2022) دون أي خسارة إسرائيلية، ما يوضح الفارق الكبير لصالح إسرائيل، ففي الحرب الأولى حوالي 1/100، والثانية 1/50، والثالثة كانت 1/30، والرابعة 1/20، والخامسة 0 مقابل 44.
بيد أن الملاحظة الأساسية تفيد بأن عدد الإسرائيليين الذين قتلوا في القطاع منذ احتلاله إلى الانسحاب منه (1967-2005)، طوال 38 عاماً، بلغ 230 إسرائيليا ("هآرتس"، 23/8/2005)، أي ستة أشخاص في العام الواحد، وأكثر من نصف هؤلاء قتل إبان الانتفاضة الثانية، (من أصل 1060 إسرائيليا قتلوا في الضفة وفي مناطق 48).
ما تقدم يفيد، أولا، أن كلفة الكفاح المسلح في التجربة الفلسطينية باهظة جدا، وليس لها استمرارية، ولم تمكّن من استثمار التضحيات والبطولات فيها. ثانيا، أن إسرائيل تكّبدت خسائر بشرية، ومعنوية، من عمليات فدائية متفرقة، نفذها شباب أفراد، غير تابعين لفصائل، فاقت خسائرها من عمليات القصف الصاروخي، وهو ما يذكّر بعملية "وادي الحرامية" (بين نابلس ورام الله- مارس/آذار 2002)، التي نفذها ثائر حماد، ببندقية بدائية واستطاع وقتها قتل 11 إسرائيلياً، وبعملية خيري علقم في مستوطنة النبي يعقوب قرب القدس، ونجم عنها مصرع 7 إسرائيليين (26/1/2023)، وفوق كل ذلك يمكن ملاحظة أن ذلك النوع من العمليات لم يتح لإسرائيل إطلاق آلتها العسكرية للبطش بالفلسطينيين.
فلسطينيون في تشييع القيادي علي غالي وشقيقه محمود في خان يونس في 11 مايو
المغزى من ذلك أن إسرائيل تتفوق على الفلسطينيين، ليس فقط في المجال العسكري، وإنما أيضا في قدرتها على امتصاص الأشكال الكفاحية التي ينتهجونها في كل مرحلة، واستيعابها، وتحويلها إلى عبء عليهم، وأيضا من خلال قدرتها على عدم تمكينهم من استثمارها، أو تحويلها إلى إنجازات سياسية، بالتساوق مع الواقعين العربي والدولي، في حين يواصل الفلسطينيون طريقهم، كالمعتاد.