شعبية بوتين في روسيا
وفي غضون ذلك كله، لا يزال الرئيس بوتين يتمتع بشعبية كبيرة في روسيا. ويبدو أن الحكومة الروسية قد نجحت إلى حد كبير في حماية سكان المدن الرئيسة على الأقل من تأثير العقوبات. فلا تزال الضروريات الأساسية للحياة متوفرة، بما في ذلك واردات الأغذية الطازجة التي تأتي من مصادر متعددة بما في ذلك تركيا وإيران وآسيا الوسطى. وحتى أن البضائع الأوروبية التي يُفترض أنها محظورة هي في واقع الأمر متوفرة في السوق الروسية، إذ تشق طريقها عبر وسطاء في بلدان القوقاز وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
ويتصف الوضع الاقتصادي في روسيا بالصمود أيضا، على عكس التوقعات التي تنبأت في بداية الحرب بانهيار الاقتصاد الروسي. إذ توقعت التقديرات انكماش الاقتصاد الروسي بنحو 15 بالمئة في عام 2022. وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن الناتج المحلي الإجمالي الروسي انخفض بنسبة 2.2 بالمئة فقط في عام 2022 ويتوقع أن يكون الأداء أفضل في عام 2023، حيث سيعاني من انخفاض بنسبة 0.3بالمئة فقط. وبينما ينهار الوضع، فقد شهدت التجارة مع الاقتصادات الرئيسة خارج العالم الغربي زيادة كبيرة، خاصة التجارة التي تجري مع دول البريكس.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستمع إلى حاكم منطقة نيجني نوفغورود، غليب نيكيتين، خلال اجتماعهما في مقر الرئاسة، يوم 3 مايو 2023.
لقد عوضت التجارة مع البريكس عن انخفاض طلب الأوروبيين على النفط والغاز الروسي عن طريق بيع المزيد منه إلى الصين والهند. وعندما تبدأ أثار العقوبات في الظهور، خاصة عندما يتعلق الأمر بتوافر الرقائق الدقيقة الضرورية لإنتاج الأسلحة الروسية، سيكون من الصعب التنبؤ بتأثير تلك العقوبات على الاقتصاد الروسي.
وأثبتت أوكرانيا بالدليل القاطع قدرتها على الصمود. وبدعم حاسم من الغرب، فاق أداء الجيش الأوكراني كل التوقعات وتمكن من صد الهجمات الروسية. ولقد تمكن الأوكرانيون في الواقع من استعادة جزء من الأراضي التي خسروها في المرحلة الأولى من الحرب. وعلاوة على ذلك، فإن الجبهة الداخلية قد صمدت بحزم، وهو الأمر الذي يثبت أن القومية الأوكرانية ما زالت تنبض بالحياة.
أما الولايات المتحدة، فقد أوضحت بجلاء أن هدفها يتمثل في إضعاف روسيا إلى حد كبير كيلا تشكل تهديدا على جيرانها من الغرب. ولكن، غايتها الحقيقية ليست واضحة في حقيقة الأمر. إذ أوضح رئيس الأركان الأميركي كيلي أنه لا يعتقد أن بوسع أوكرانيا كسب الحرب، بمعنى استعادة الأراضي التي خسرتها لصالح روسيا.
وفي هذه الأثناء، لا يزال النظام الدولي متقلبا في وقت تتنافس فيه كل من الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى لضمان مكانة مميزة لهما. وتشعر بقية دول العالم بالقلق إزاء ما يبدو أنه مواجهة طويلة الأمد تذكرنا بالحرب الباردة، على الرغم من أنه جرى خوض الحرب هذه المرّة بأسلحة مختلفة، جُلّها أسلحة اقتصادية، وبالتالي حملت معها تأثيرا مباشرا أكبر على دول الجنوب.
لم يبذل أحد حتى الآن أي جهد جاد للوساطة بين الموقفين المتشددين لكل من روسيا وأوكرانيا. وبينما أبدت عدة دول استعدادها للوساطة، وكان آخرها البرازيل، فإن الدولة الوحيدة التي لديها نفوذ كاف لأداء مثل هذا الدور هي الصين، ولا يزال يتعين عليها أن تبدي موقفا أقوى في هذا الصدد. ما فعلته الصين حتى الآن هو الإشارة فقط إلى استعدادها للقيام بالوساطة، لكنها ربما تنتظر اللحظة المناسبة والحلفاء المناسبين للشروع في هذا المسار المعقد المحفوف بالعديد من المخاطر.
هل وصلت الأزمة إلى طريق مسدود؟
ويبدو الوضع السائد أنه وصل إلى طريق مسدود، ومع ذلك ثمّة مؤشّرات أيضا على أن ذلك يتغير، فهناك تلميحات إلى أن الدعم الغربي لأوكرانيا قد يتآكل، وهناك بالمقابل شكوك باقية حول المدة التي يمكن لروسيا أن تستمر فيها الحرب.
ويبدو أن التعب يزحف في الولايات المتحدة، وقد يتضاءل التأييد الشعبي للحرب في ظل عدم تحديد مآل هذه اللعبة في النهاية حقا. أضف إلى ذلك تعاظم الشكوك حول القدرة على توفير الأسلحة بالحجم المطلوب لمواصلة الحرب. لقد رأينا بالفعل علامات على ذلك عبر الطيف السياسي، وخاصة بين الجمهوريين.
أغلقت السلطات الروسية الميدان الأحمر بجانب الكرملين استعداد لمسيرة "يوم النصر"، يوم 3 مايو 2023.
بالإضافة إلى ذلك، مع اقتراب دورة الانتخابات من نهايتها بالسرعة القصوى، سيكون هناك ضغط متزايد على الرئيس بايدن لتوضيح معنى كل ما يجري في أوكرانيا وكيف سينتهي. وقد يضطر بايدن إلى القيام بذلك بحلول الخريف المقبل، لأن فشله في القيام بذلك بحلول ذلك الوقت سيحدّ بشدة من قدرته على المناورة بعد ذلك، مما سيجبره على التشدّد في موقفه بدلا من البحث عن حل. بعد كل شيء، لا يود أي رئيس حالي أن يُنتَقَد لخسارته (أوكرانيا) أمام روسيا.