يستكمل الأديب السوداني بموقفه هذا مشروعا أدبيا وفكريا كان قد اشتغل عليه منذ بداياته ويرتبط بالبحث في جذورالاستعمار . ينظر في أحوال بلده فيجد فيه إرثاً استعماريا ثقيلا فكك مؤسسات البلاد، وعزز معالم الصراع القبلي وأقفل أبواب التحديث والتطوير، وعزل البلاد عن خصوصيتها.
الروائي الطيب صالح
يدافع في مقاله الذي عرف ذيوعا كبيرا والذي يستعاد مع تجدد الأزمات والانقلابات عن فكرة العلاقة التأسيسية التي تربط بين الاستعمار وطغاة الداخل الذين يعتبرهم امتدادا لغريب وطارئ يقدم نفسه بوصفه أصلا، وكأن البلاد قد ظهرت إلى حيز الوجود في اللحظة التي استلم فيها مقاليد الأمور.
السلطات المنبثقة من خراب البلد لا تعرف تاريخه ولا ثقافته فكيف يمكنها تمثيله والنطق باسمه. ولعل الطيب صالح في مقاله هذا كان يطرح مفهوم الانتماء الثقافي والاجتماعي إلى البلاد في مقابل الانتماءات القبلية والعقائدية.
نسج تعريفا للكائن السوداني بوصفه ذلك الشخص الذي يتصل بكل كيانه بروح البلاد وشعرها وثقافتها ومناخها وخصوصيتها، وليس ذلك الذي يأتي من خارج كل تلك العناصر ليحكمها، ويفرض عليها سياقات عقائدية قمعية تغلق في وجهها كل أبواب المستقبل.
بسؤاله "من هؤلاء"؟ الذي يتجدّد الآن ويبدو ملحا أكثر من أي وقت مضى، يطالب صاحب "موسم الهجرة إلى الشمال" و"عرس الزين" المتنطحين لحكم البلاد بإثبات انتمائهم إليها، وتحويل هذا الانتساب إلى ممارسة في السياسة والثقافة والأخلاق أو الخروج النهائي منها.
لم تتوقف الصراعات والنزاعات والانقلابات العسكرية في السودان منذ أن نال استقلاله في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي، ولعل ما نشهده حاليا من اشتباكات دموية بين الجيش وقوات التدخل السريع ليس سوى امتداد مأساوي لتاريخ من الصراعات الدائمة.
مشهد اليوم جاء بعد ثورة عارمة أنهت حكم البشير، وطغى عليها الجانب المدني وبرز فيها مشهد "الكنداكات"، وهو لقب كان يطلق على النساء السودانيات الملكات الحاكمات، إعلاء من مكانة المرأة ودورها في الحراك الشعبي الذي كان المأمول منه نقل البلاد إلى الديمقراطية والمدنية والمشاركة، واحتلّ المشهد العام في إطار رسم تناقضا حادا مع ذكورية العسكر وفظاظته.
بدا لوهلة أن السودان قد التقط لحظته، ظهرت المرأة السودانية في صورة قيادية ومثلت قوة دافعة احتلت الصدارة، وأطلقت وعودا بإنجاز تحولات عميقة في بنية المجتمع السوداني، تبشر بعبور مستنقع التاريخ الدموي وأزمان الإنقلابات، إلى دولة مدنية ديمقراطية وحديثة.
ذلك الاتفاق الذي عقد مع العسكر وتسليمهم زمام السلطة فعليا لم يلبث أن فجر الأمور. يحيا السودان حاليا موجة مستعادة من صراعات العسكر، تعمل على نسف منجزات الثورة وأحلام قيام الدولة المدنية الحديثة.
البحث في خطورة تسليم البلاد للعسكر كان أحد الهموم الفكرية للروائي السوداني الذي كان قد حذر من هذا الأمر قائلا في إحدى مقابلاته "من ناحية المبدأ وبحكم تكويني الفكري لا أرى خيرا كثيرا في العسكر. هم ناس فضلاء وجيدون، لا مشكلة، ولكن كيف ترسل شخصا إلى موسكو لتعلم شغل الجيش، ثم يعود ويريد أن يعمل حاكما، ويروح يجرب بالبلد ويُتعب البلد ويتعب كما فعل النميري".
يضيف في المقابلة نفسها: "لا أعلم ما الذي يجعل شخصا يقول أنا قادر على حكم البلد. الحكم مسألة صعبة، وكان الناس يخافون منها. العسكر يعتقدون أن من يستطيع قيادة الدبابة إنما يستطيع قيادة البلد، وقد جلبوا علينا شرا كثيرا".
يرسم الصالح قي تصريحه هذا ملامح فكرية للأزمة التي طالما كان السودان يعاني منها وهي تسليم شؤون الحكم والإدارة لغير أصحاب الاختصاص، ما خلق مشكلة جوهرية تمنع أي عملية تأسيس أوانتقال إلى طور الدولة المدنية الحديثة كما تمنع مجال السياسة.
مقال للروائي السوداني الطيب صالح من أرشيف "المجلة"
وكذلك كان الطيب صالح يكرر مقولة تتخذ هيئة النذير يقول فيها "إن استعمال العنف يترك أثرا في الوجه لا تخطئه العين". يصف أثر العنف في تشكيل الملامح والعواطف، وكيف يستطيع أن يحفر ما لا يمكن نسيانه من ألم ومن غضب ورغبات مدفونة في الرد والانتقام، لن تنتج سوى المزيد من الأحقاد والدماء.
صاحب الرواية السودانية الأشهر "موسم الهجرة الى الشمال" والذي كان قد كرّس قسما مهما من نتاجه الروائي لبحث موضوع إرث الاستعمار، وما يخلفه من سلوكات متأزمة لا يمكن لجمها إلا بالتمسك بالخصوصية وتوسيعها وإعادة إنتاجها، يستعاد الآن بوصفه أحد أهم صناع خطاب العقل في المشهد السوداني.
الفيتوري: صوت التاريخ الغاضب
وفي موازاة لغة التعقل التي تشتغل على سبر الأمور وبحث تفاصيلها وتشريحها عرف السودان عبر شاعره الأبرز محمد الفيتوري (1936-2015) لغة الرفض والغضب التي تستعاد في الساحات، والتي تشكل حاليا، كما شكلت في مفاصل عديدة من مشهدية انتفاضات السودانيين وثوراتهم، الإطار اللغوي المرافق للحدث.
الشاعر محمد الفيتوري
قصائد الفيتوري التي تلمع في الميادين العامة مع كل حدث سوداني تبدو ناجية من سطوة الزمان. الثوار في عام 2018 استعادوا قصائد مضى على كتابتها أكثر من نصف قرن، وحاليا تحفل وسائل التواصل الاجتماعي باستعادات غزيرة للفيتوري الذي يظهر بوصفه من وهب السودانيين كلامهم المقاتل ولغتهم المتحدية قبل أن يغادر العالم عام 2015.
يقول الفيتوري في ديوانه الأول "أغاني إفريقيا" الصادر عام 1955 في قصيدة تحمل عنوان "البعث الإفريقي" :
"لتنتفض جثة تاريخنا
ولينتصب تمثال أحقادنا
آن لهذا الأسود المنزوي
المتواري عن عيون السنا
آن له أن يتحدى الورى
آن له أن يتحدى الفنا
فلتنحن الشمس لهاماتنا
ولتخشع الأرض لأصواتنا
إنا سنكسوها بأفراحنا
كما كسوناها بأحزاننا
أجل ... فإنا قد جاء دورنا
إفريقيا
إنا أتى دورنا"
يحفل هذا المقطع بالغضب وبالدعوة إلى الخروج من أسر التاريخ. الصيغة الآمرة التي تسيطر على نسيجه تجعله خطابا يتوجه إلى المستقبل ويطمح إلى أن يحل فيه، كما يوحي بحتمية تحقق الانتصار كنتيجة للإرادة التي تأمر نفسها، فالخطاب يتوجه إلى جماعة يستحضرها الضمير المتصل "نا"، وكأنه يصل بين الشاعر كمحرك للثورة وبين الناس ويوحد بينهما، فيصبح الكلام متكاملا مع معناه وأهدافه.
وبعد أن أنجز الزرع يعد الشاعر باقتراب موسم الحصاد في قصيدة "الحصاد الأفريقي" المنشورة في ديوان "عاشق من إفريقيا" الصادر عام 1964:
"أصبح الصبح ... وها نحن على البعد التقينا
التقى جيل البطولات .... بجيل التضحيات
التقى كل شهيد قهر الظلم ... ومات
بشهيد لم يزل يسقي بذور الذكريات
-أصبح الصبح.... لنا خلفك يا صبح الحصاد
ألف صبح قد نسجناه بأضواء العيون
أيها القادم محمولا على سمر الأيادي
يا حصاد العرق الدامي... وميراث الجهاد
أيها التاج على جبهة شعبي وبلادي
آه ما أروعك اليوم على هذا الجبين"