on : الخميس, 6 Nov, 2014
Comments Off on اتفاقية الجزائر.. والنَّجف صرخت: “يحسين شوف الخريطة”!

اتفاقية الجزائر.. والنَّجف صرخت: “يحسين شوف الخريطة”!

كان العراق أكثر بلدان المنطقة مواجهة للنَّوازل، وما أكثر الأحاديث التي قيلت عنه في الملاحم والفتن. ليس الذَّنب ذنب هذه الأرض التي عُرفت قديماً “بين النهرين” أو “بلاد الرافدين”، دجلة والفرات، إنما ذنب مَن اختارها عاصمةً، وقاعدة لحُكم الشرق كافة. لذا إذا تحدث إيرانيون من أن بلادنا تابعة تاريخياً لهم، بحكم أن المدائن كنت عاصمة آل ساسان، فنحن نرد عليهم أن العراق حكم بلاد فارس وماوراء النهر والهند والسند نحو ستمائة عام ويزيد (14- 656 هـ)، فلماذا لا ندعي بتلك البلدان، والفترة إذا لم تكن أطول مِن الهيمنة الساسانية على العراق فهي ليست أقل، وللأمانة قرأنا في التاريخ أنهم، أي الساسانيين القدماء، كانوا أقل تعصباً مِن المحدثين. فالقدماء، وكانوا حُكاماً، لم يفرضوا لغتهم ولا ديانتهم الزرادشتية أو المجوسية، فالأخيرة ليست تبشيرية مِن الأساس، أما اللغة فلم يجعلوا الفارسية اللغة الأولى إنما ظلت الآراميَّة هي الأولى بالعراق.

نقف أمام أمرٍ خطير في الهيمنة الإيرانيَّة، بأعذار المذهب، لكن شيئاً مِن الحقيقة أن هناك دوافع أُخر، وهي أن هذا العراق مجرد امتداد لإيران، ولا يتأخر الإخوة الإيرانيون مِن الإصرار على أن اسم العراق لفظ فارسي، وكأن ليس هناك “أوروك” ولا في هذه البلاد عروق حتى يشتق الاسم منه، وكنت قد كتبتُ مدونة بهذا الخصوص.

أما هذه المدونة فهي للفت أنظار البرلمان والحكومة القادمين، والتي لا نعلم متى ستعلن وقد لا تُعلن حتى تأتي دورة الانتخابات (2018)؛ إلى قضية في ذروة الخطورة على سيادة العراق، ألا وهي اتفاقية آذار (مارس) 1975 الاستحواذية بين شاه إيران (ت 1980) ونائب رئيس العراق صدام حسين (اعدم 2006)، والتي أخذت بموجبها إيران شط العرب، أي هيمنة على مجراه الوسطي، ومنه تتوسع تدريجياً إلى الشاطئ العراقي على مرَّ السنين، ناهيك عن اتفاقات أُخر ومنها أمنية مخلة بسيادة العِراق، والأهم أنها كانت موجهة ضد شريحة رئيسية مِن الشَّعب العراقي وهم الكُرد.

يومها كانت النَّجف، قطب الشِّيعة والتشيع غير المنسجمة لا سابقاً ولا لاحقاً مع فكرة ولاية الفقيه، تنظر إلى تلك المعاهدة أو الاتفاقية، نظرة أخرى، وقد تحدى جمهورها القيود الشديد آنذاك وتظاهر وهتفت ضدها، مستغلاً مواكب عاشوراء: “شط العرب إلنا مية بالمية يحسين شوف الخريطة”. المعنى لغير العراقيين: أن شط العرب عراقي مئة بالمئة، أيها الإمام الحسين انظر في الخريطة وحُكم بيننا! هذه الصَّرخة التي ضاعت في صخب الحدث تؤكد أن الصِّلات المذهبية مهما كانت عميقة لا تُعلى على الحقوق الوطنية، وهو دليل دامغ ضد مَن يعتقد أنه باسم المذهب يمنه بلع العراق بأتباع مِن الإسلاميين، ويوضح لك مَن الذي باع العراق ومَن الذي نبه لسلبه في ظل ظرف سياسي عصيب، واستقوى بالغريب ضد ابن البلاد.

كانت اتفاقية الجزائر ومازالت عورة في تاريخ النظام السابق، وقيل أن الحرب العراقية الإيرانية في الجزء الخفي منها هو إلغاء هذه الاتفاقية، وبالفعل ألغيت، لكن ورطة الحرب كانت أكبر منها، ومِن أجل حل أزمة أُخرى أعاد النِّظام السَّابق العمل بها، وذلك في حرب الخليج الثانية (1990- 1991).

صحيح أن إيران حالياً تهيمن ليس على شط العرب، وساحليه، إنما وجودها في عقر الدار ببغداد، وكنا ناشدنا “والي العراق قاسم سليماني” في مقال سابق، فالأمر لم يعد خفياً، مع ذلك يبقى الموقف المبدئي مطلوباً، فمهما تجد نفسك منحيناً لهذه الدولة أو تلك، في السياسات، يبقى التراب والماء لا يقبلان المراهنات.

لابد من مراجعة كلِّ الاتفاقيات التي وقعها النظام السابق، وظُلم بها العراق، وفي مقدمتها تأتي اتفاقية الجزائر، وتلك لم يقدم عليها أي نظام مِن أنظمة العراق المتعددة، بما فيها النظام العثماني.

لقد زال شاه إيران، ومع سوء الذين أتوا بعده لكنه لم يكن أقل سوءاً، ويكفي أن “السَّافاك” أبرز أدواته، وكان يتحين أي فرصة للولوج إلى العراق لتسريب أزماته، فأعطيت له تلك الفرصة على طبق مِن ذهب، فلم يخسر شيئاً، فالثمن كان أن يكف يده عن دعم الحركة الكرديَّة، ومقابلها يشرف على البصرة تدريجياً مع جريان الماء في شط العرب.

كذلك مضى صدام حسين ونظامه، ولم يكن أقل سوءاً، ويكاد الوضعان يتقاربان، فمَن كانت المخابرات والقوى الأمنية تفترسه الآن القاعدة وداعش وميليشيات الأحزاب الدينية تقوم بالمهمة أحسن قيام. لكن العجب أنه بالنسبة للثورة الإيرانية كلّ شيء سيء في نظام الشاه إلا “اتفاقية الجزائر”، فلا يفرط فيها خليفته المرشد الأعلى. كذلك بالنسبة للعراق أن كلَّ شيء سيء في صدام حسين إلا “اتفاقية الجزائر” وقوانين الحملة الإيمانية، والقصور التي تركها السلف للخلف.

صحيح، أن الحالة الطائفية قد لا تدعو أهل النَّجف إلى التظاهر اليوم، والقول بوجه مَن يريد المصادقة والاعتراف بالاتفاقية كوثيقة أبدية، مع ما ثُلم مِن العراق ما ثُلم، زيادة على ما أخذته إيران العام 1924 ونقلت ملكية الأهواز إليها في ليلة ظلماء، لكنَّ اتفاقية الجزائر، التي شهد عليها واستضافها هواري بو مدين (ت 1978) بطلب وترتيب مِن النِّظام العراقي السَّابق، أمر لا يحتمل التأجيل، فعلى البرلمان القادم أن يطرحها كقضية عراقية، وحتى وإن كانت إيران تترأس البرلمان نفسه، فلابد مِن وجود نائب أو نائبين في حلٍّ مِن تلك الهيمنة.

تخطأ إيران إذا فكرت أنها ملكت العراق وما به، وأن اتفاقية الجزائر ثبت حبرها، ولا مراجعة لها! وأنها ستنتقم ممَن تُسول له نفسه في طرح عدم مبررات وجودها، تخطأ كثيراً إذا فكرت بهذا التفكير. فالعراق مُقبل على تغييرات حاسمة، لا يدوم معها الإسلام السياسي الذي صنعته وقذفت به داخل العراق، إنما ستبقى هذه الاتفاقية مولدة للكراهية، ومثيرة لتحين الفرصة في الانقضاض عليها. لا نطلب مِن إيران أن تتنازل عنها بنفسها، فأية دولة ستتنازل طواعيَّة عن مثل هذه الغنيمة؟!

إنما الأمر يخص العراقيين، لمراجعة كلِّ الاتفاقيات التي وقعها النظام السابق، وظُلم بها العراق، وفي مقدمتها تأتي اتفاقية الجزائر، وتلك لم يقدم عليها أي نظام مِن أنظمة العراق المتعددة، بما فيها النظام العثماني. لهذا لا بد مِن المراجعة وإثارة قضية الحق العراقي، وعلى الكُرد، قبل غيرهم، أن يتصدرون ذلك، لأنها موجهة للقضاء عليهم قبل غيرهم.

نعم، هناك غرور إيراني غير مسبوق لابد مِن كبحه، ومِن العيب أن تتوافد الوفود لتشكيل حكومة وعقد اتفاقات داخل طهران، وشط العرب مستلب باتفاقية جائرة… جائرة. نقول ما قاله النجفيون، يوم لم تكن إيران قابضة بزمام الدين والمذهب علينا: “يحسين شوف الخريطة”! كانت شكوى ضد الذين يتوهمون أن الحسين كان إيرانياً أيضاً. لا تتوهمون أنني أتوقع إلغاءها خلال الأربع سنوات القادمات، إنما أدعوا إلى عدم نسيانها، وعدم تصديقها بتجديد، فإيران تُطالب بذلك، المفروض أن تبقى من تركة النِّظام السَّابق غير مُلزمة.

Share: