on : الإثنين, 16 Jun, 2014
Comments Off on تعبئة أميركية لترشيح هيلاري كلينتون للرئاسة 2016

تعبئة أميركية لترشيح هيلاري كلينتون للرئاسة 2016

ديمقراطية ناعمة

لم يجد كارل روف، أحد أبرز قياديي «الحزب الجمهوري» والرجل الذي كان الرئيس السابق جورج بوش يطلق عليه اسم عقلي، منفذا للهجوم ضد وزيرة الخارجية السابقة والمرشحة الرئاسية المتوقعة هيلاري كلينتون إلا عبر التشكيك في وضعها الصحي، والقول إن دماغها ما زال يعاني على أثر حادثة ارتطام رأسها بالأرض قبل أعوام.

فور شيوع تصريحات روف، تنطح الجمهوريون قبل الديمقراطيين في التصدي له ولأسلوبه، الذي عده كثيرون رخيصا، وكان في طليعتهم قيادي جمهوري آخر هو رئيس الكونغرس السابق نيوت غينغرتش، الذي قال إنه «أمر رهيب أن يفعل كارل ذلك»، عادا تعليقات روف «تافهة، وشخصية، وسلبية، وتستهلك الوقت في أمور لا تحدث أي فارق». وختم غينغرتش: «لن نهزمها أبدا بهذا النوع من الهجمات».

تصريحات روف حول صحة كلينتون قد تشي بيأس الجمهوريين واعتقادهم أن ليس بأيديهم الكفاية من الحيل لوقف صعود نجمها في طريقها إلى البيت الأبيض، هذه المرة ليس كسيدة أولى، بل كأول امرأة في منصب رئيس للولايات المتحدة.

«كل ما أراد أن يفعله (روف) هو أن يقحم هذا الموضوع (حول صحة كلينتون) في غرفة الصدى، وهو ينجح في ذلك»، حسب مسؤول كلينتون الإعلامي نك ميريل. و«غرفة الصدى» تعبير يرمز إلى عالم النخبة السياسية الأميركية من سياسيين ومثقفين وإعلاميين، من دون عامة الأميركيين، للدلالة على أن جزءا كبيرا من النقاشات السياسية عبارة عن «ردح» متبادل لا يتعدى حدود واشنطن ووسائل الإعلام، ولا يؤثر في المزاج الشعبي أو في نتائج الانتخابات.
«(الجمهوريون) يخافون من إنجازاتها ومما يمكن لها تقديمه، وما يفعله (روف) هو المرض بعينه»، يقول ميريل، الذي يضيف: «(صحتها) مائة في المائة، وحان الوقت لهم للانتقال إلى هجومهم التالي اليائس».
صحيح أن كلينتون، في حال انتخابها رئيسة، ستكون ثاني أكبر رئيسة سنا في التاريخ الأميركي وهي تبلغ عمر الـ69. إلا أنه يصعب على الجمهوريين توجيه أسهم انتقادهم إليها، إذ إن رئيس الجمهوريين الأسطوري رونالد ريغان تبوأ منصبه وهو في سن السبعين.

الصحة والسن

وبعيدا عن شؤون الصحة والسن، كان من المفترض أن يكون إلحاق الهزيمة بكلينتون من الأمور السهلة، إذ إن إيقاع الهزيمة بالحزب الحاكم هي عادةً أسهل من احتفاظ أي حزب بالبيت الأبيض لولاية ثالثة، فضلا عن أن «الحزب الديمقراطي» يمر بأزمة معقدة بسبب الانحدار الكبير في شعبية الرئيس باراك أوباما، وهو ما يبدو جليا في استطلاعات الرأي التي تتوقع هزيمة نكراء للديمقراطيين في انتخابات الكونغرس، المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وإذا ما حافظت استطلاعات الرأي على وتيرتها، فمن المتوقع أن يخسر الديمقراطيون غالبية مجلس الشيوخ التي يسيطرون عليها حاليا، ليسيطر خصومهم الجمهوريون على غالبية الكونغرس في مجلسيه الممثلين والشيوخ، وهو ما سيسمح لـ«الحزب الجمهوري» بالقيام بالمزيد من العرقلة لأوباما ولمبادراته وسياساته، مما سيحوله فعليا إلى «بطة عرجاء»، حسب التعبير المحلي، وسيؤدي إلى المزيد من التقويض لشعبيته.

وعادة، يرشح الحزب الحاكم نائب الرئيس تلقائيا لخلافة الرئيس، لكن مع تدهور شعبية أوباما، تبدو فرص نائبه جو بايدن شبه منعدمة، خصوصا أن الأخير سيبلغ عمر الـ73 في عام 2016.
ضعضعة الديمقراطيين هذه، ومحاولة مرشحيهم للكونغرس الابتعاد عن أوباما وسياساته للنجاة من الهزيمة التي تواجه حزبهم في نوفمبر، واليأس الذي يبدو أنه استتب في نفوس الديمقراطيين، يجعل من كلينتون خلاص الديمقراطيين، فوزيرة الخارجية السابقة خرجت من سفينة حكم أوباما قبل أن تبدأ الأخيرة بالغرق، والسنوات الأربع الفاصلة بين خروجها وعودتها للسباق الرئاسي كفيلة بتحسين صورتها، وهو ما تظهره استطلاعات الرأي.

وما يزيد من فرص كلينتون في الوصول إلى البيت الأبيض واقع أن المرشحين من الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري» هم في معظمهم من الأوزان الخفيفة، فيما عدا الجمهوري جب بوش، شقيق وابن الرئيسين السابقين جورج بوش الأب والابن. إلا أن بوش قد يواجه معضلة التعامل مع تركة أخيه الثقيلة، التي يبدو أن الأميركيين بدأوا بالصفح عنها مع إظهار استطلاعات الرأي تقدما كبيرا في شعبية الرئيس السابق.

جيب بوش

جيب بوش


المرشحون من الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري» هم في معظمهم من «الأوزان الخفيفة» فيما عدا الجمهوري جب بوش

وما يزيد من فرص كلينتون أيضا هو أنها تتمتع بماكينة آل كلينتون الجبارة، فزوجها الرئيس الأسبق بيل هو أحد أكثر الرؤساء السابقين شعبية في التاريخ الأميركي المعاصر، وهو يتمتع بكاريزما يعتقد البعض أنها أنقذت أوباما ومنحته ولاية ثانية، وساهمت في إبقاء جيوب متبرعي «الحزب الديمقراطي» مفتوحة في الدورات الانتخابية القليلة الماضية.
وعلى عكس انتخابات عام 2008، عندما نجح الصعود الأسطوري لأوباما في تعطيل ماكينة كلينتون الجبارة ووقفها، بل دفعها نحو الاستدانة التي أجبرت كلينتون فيما بعد على الخروج من السباق في اتفاق قضى بتسديد حملة أوباما كل ديون حملة كلينتون، هذه المرة لا تواجه كلينتون منافسين من نوع أوباما، بل إن معظم من عملوا في حملتي الرئيس الأميركي الرئاسيتين أعلنوا تأييدهم للوزيرة السابقة في حال ترشحها.

حملة «مستعدين من أجل هيلاري»

والزخم الذي تتمتع به كلينتون أدى حتى الآن إلى إنشاء مناصريها حملة «مستعدين من أجل هيلاري»، وجمعوا خلالها مبلغ ستة ملايين دولار حتى الآن. كل ذلك وكلينتون ما زالت لم تعلن صراحة نيتها الترشح للرئاسة.
لكن رغم عدم إعلانها ترشيح نفسها للرئاسة، تشير معظم المؤشرات إلى أن الوزيرة السابقة تستعد لدخول السباق، فهي من المتوقع أن تطلق هذا الشهر كتاب مذكراتها في وزارة الخارجية بعنوان «خيارات صعبة»، مع ما سيترافق ذلك من حملة إعلامية، وخطابات، وحفلات توقيع، وهذه ستكون جميعها مناسبات لهيلاري لتعيد إطلاق مواقفها السياسية المعروفة، وللانخراط مع مؤيديها، كما معارضيها.

معارضو كلينتون خصوصا سيعمدون إلى انتقاء الجزء المتعلق بهجوم 11 سبتمبر (أيلول) 2012 في مدينة بنغازي الليبية ضد القنصلية الأميركية، الذي أدى إلى مقتل أربعة أميركيين منهم السفير كريس ستيفنز. ويزعم الجمهوريون أن الإدارة الأميركية كانت تعرف أن الهجوم ضد القنصلية عمل إرهابي مدبر، وأنها حاولت فيما بعد التعمية على ما حدث وربط الهجوم بمظاهرات ضد فيلم، أنتجه أميركي من أصل مصري مسيء إلى المسلمين، للتغطية على التقاعس الذي حدث وراح ضحيته الأميركيون الأربعة.
لكن «فضيحة بنغازي»، كما يسميها الجمهوريون، تعيبها أمور كثيرة، أولها أن الموضوع صار مستهلكا ويجري تداوله منذ وقوعه، وأن الكثير من الأعمال الإعلامية التي ادعت كشف حقيقة ما حصل ثبت عدم دقتها. وفي السياق نفسه، يمكن للوزيرة الأميركية التنصل من أي إخفاقات لحقت بإدارة أوباما بالقول إن الكلمة الفصل كانت بيد الرئيس الأميركي، وإنه حتى لو اعتقدت كلينتون غير ذلك وقالته، فإن المواضيع لم تكن بيدها.
وإلى ضعف أقرانها الديمقراطيين ومنافسيها الجمهوريين، وإلى تمتعها بماكينة وعلاقات آل كلينتون، تتمتع كلينتون بورقة أخرى كونها امرأة، وكون انتخابها سيصنع التاريخ بدخول أول امرأة إلى البيت الأبيض كرئيسة لا كسيدة أولى، وهو منصب سبق أن شغلته كلينتون أثناء ولايتي زوجها بين الأعوام 1993 و2001.

والمعلوم أن واحدة من الاستراتيجيات الأساسية التي يتكئ إليها «الحزب الديمقراطي» في تحفيز قاعدته هي تأييده شؤون المرأة وحقوقها، بينما يتعثر بعض مرشحي «الحزب الجمهوري»، الأكثر يمينية ومحافظة، عند حديثهم عن شؤون المرأة. وكان «الحزب الديمقراطي» دفع بمواضيع المرأة إلى الأضواء أثناء الانتخابات الأخيرة في عام 2012 لتكبيد الجمهوريين بعض الخسائر والحفاظ على الرئاسة وبعض المقاعد في الكونغرس.
ويعتقد بعض الخبراء أن قاعدة «الحزب الديمقراطي» تتشكل في غالبها من النساء، والأقليات العرقية، ومن هم بسن الشباب، بينما تسيطر على قاعدة الجمهوريين غالبية من الرجال البيض من متوسطي العمر والشيوخ، وهذه الفئة الأخيرة هي الأكثر مثابرة على التصويت، الأمر الذي يحرج «الحزب الديمقراطي» في كل انتخابات نصفية، ويجعل من الصعب على الديمقراطيين تحفيز قاعدتهم، بينما لا يواجه الجمهوريون مشكلة مشابهة.

ومع ترشيح كلينتون، من المتوقع أن يحفز ذلك القاعدة الديمقراطية بشكل غير مسبوق، إذ سيسعى الناخبون إلى المشاركة في صنع التاريخ بانتخاب أول امرأة رئيسة، فيما من المؤكد أن غالبية النساء ستؤيد كلينتون، وهو ما يجعل من مهمة الجمهوريين في استعادة البيت الأبيض عملية أصعب.

استطلاعات الرأي الأميركية تتوقع هزيمة نكراء للديمقراطيين في انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل

أما آخر نقاط الأفضلية التي تتمتع بها وزيرة الخارجية السابقة، في حال ترشحها، فتكمن في أنها لن تواجه أمورا مصيرية كالتي واجهها الرئيس الحالي باراك أوباما، إذ تكون أميركا قد أتمت انسحابها من أفغانستان وأنهت حربها هناك، ويكون قانون الرعاية الصحية قد أصبح واقعا يصعب التخلص منه، ويكون الاقتصاد في موقع أفضل مقارنة بمطلع عام 2009 عندما تسلمه أوباما من سلفه بوش وهو في وضع انهيار تام.

هكذا، إن قيض لكلينتون الوصول إلى سدة الرئاسة، فهي قد تجد نفسها في موقع مميز يسمح لها التمتع بإنجازات سلفها أوباما من دون أي تكلفة سياسية تذكر.
في السياسة الخارجية، صار جليا أن الوزيرة السابقة لا توافق الرئيس الحالي في عدد من الأمور، في طليعتها الأزمة في سوريا، إذ سبق أن قال مسؤولون سابقون، في تصريحاتهم بعد خروجهم من الحكم كما في كتب مذكراتهم، إنه لطالما أيدت كلينتون تسليح الثوار هناك، وحتى توجيه ضربة عسكرية أميركية محدودة ضد قوات بشار الأسد، في وقت يعزو البعض المشاركة الأميركية المحدودة في الحرب الليبية للإطاحة بمعمر القذافي إلى الضغوطات التي مارستها كلينتون على أوباما.
وفي حال استمرت الأزمة في سوريا حتى عام 2016، فمن المرجح أن تتحول إلى أحد أبرز المواضيع التي سيتمحور حولها النقاش الرئاسي في السياسة الخارجية. كذلك إيران، في حال عدم التوصل إلى اتفاقية نووية معها تفضي إلى تحسين العلاقة بين طهران وعواصم العالم بما في ذلك واشنطن، فإن كلينتون قد تجد نفسها في موقع يجبرها على قيادة مواجهة مع إيران قد تصل إلى حد المواجهة العسكرية.

هل تترشح هيلاري كلينتون؟

الدلائل حتى الآن تشير إلى أنها ستترشح، من إصدارها لكتاب مذكراتها في وزارة الخارجية، إلى إطلالاتها مدفوعة الأجر في مناسبات مختلفة، وحفاظها على شبكة علاقاتها، بل توسيعها. صحيح أن الجمهوريين قد يقولون «كفى آل كلينتون في السلطة»، إلا أن ترشيح بوش قد يكون السبيل الوحيد لوقف الزحف الكلينتوني نحو الرئاسة، مما قد يجبر الجمهوريين على عدم إثارة هذا الموضوع على غرار ما فعلت السيدة الأولى السابقة، زوجة جورج بوش الأب ووالدة جورج بوش الابن، التي قالت أثناء حفل افتتاح المكتبة الرئاسية التي تحمل اسم ابنها، إن الشعب الأميركي قد اكتفى من سماع كلمتي «بوش وكلينتون»، العائلتين اللتين توالتا على العيش في البيت الأبيض منذ عام 1988، باستثناء السنوات الست الماضية التي انتزعها أوباما منهما. أما في حال عودة هيلاري أو جب إلى الرئاسة، فسيجد الأميركيون أنفسهم يعودون إلى جولة مقبلة من المواجهات بين العائلتين العتيدتين.

Share: