on : الثلاثاء, 3 Jun, 2014
Comments Off on قيادة المرأة للسيارة مطلب وطني

قيادة المرأة للسيارة مطلب وطني

في كل مرة تطالب بها المرأة السعودية -أو أحيانًا الرجل- بأن يتم السماح للنساء السعوديات بقيادة السيارة، تظهر أصوات كثيرة تشجب وتندِّد وتعارض وتسوق مبررات كثيرة لؤاد هذا المطلب وكأنه سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ولو استعرضنا هذه الأصوات ومنبعها فإننا نلخصها كالتالي:

أولاً: أصوات تتحدث باسم الإسلام، وهذه -مع احترامي- هي الأسوأ.. لماذا؟ لأن الإسلام لم يتعامل مع المرأة على أنها من طبقة ثانية، ولم يمنعها من التحدث مع الرجال عند الحاجة، ولم يمنعها من ركوب الخيل والجهاد أحيانًا، وهو ما يعتبر متقدمًا إذا قارنته بقيادة المرأة للسيارة الآن، ومقياسًا أكثر من واضح لتحليلها. تحفظات رجال الدين تنطلق من مبررات هي أن المرأة ليست بحاجة للقيادة؛ فهناك الأب والأخ والابن والزوج أو القريب المحرم لها، وحتى لو لم يتوفروا فهنالك السائقون من جميع دول العالم. جزء آخر منهم يرى أن من يدعو من الرجال إلى القيادة إنما هو إنسان لا يهتم ولا يراعي، ويمتد هذا الاتهام إلى إلصاق تهمة الانحلال والفجور، كما قد يلصقون به تهمة التحريض على الانفلات لأنه سيستفيد منه على حد زعمهم.

ثانيًا: أصوات محافظة، وهي التي ترى أن الإسلام لا يحرم قيادة المرأة للسيارة، إلا أنها ترى أن المجتمع السعودي له وضعيته الخاصة، وأن الوقت غير مناسب، وأن الشباب السعودي لا زال غير ناضج، وهنالك خطورة من أن يتم مضايقة الفتاة ومحاصرتها، بل وخطفها. هؤلاء أيضًا لهم تحفُّظ تجاه المرأة نفسها من حيث أن القيادة ستطلق لها الحرية، وتجعلها تتساهل الأمر، ولربما تتجرأ وتقابل رجالاً من خلف أهلها، فالسيارة مفتاح للمصائب هنا. هؤلاء أيضا يتساءلون عن كيفية معالجة مشاكل المرأة لو قادت، من كيفية تصرفها إذا تعطَّلت السيارة بها، أو انفجرت العجلات، أو انتهى وقود السيارة وخاصة في الطرق النائية.

ثالثاً: هناك أصوات حائرة، وهي التي تظهر لها آراء مخالفة أو موافقة حسب الطرح، وحسب مبررات كل طرف ممانع أو معارض، إلا أن الطابع العام لقيادة المرأة -وكما يتضح بردود الفعل- تتجه إلى التقبل من كثير من شرائح المجتمع، خاصة أن بعضهم أصبح فعلاً بحاجة لأن تقود زوجته أو ابنته أو قريبته.

وبصراحة كل ما تقدم من موانع ثبتت هشاشته، فلا يوجد أي مبرر للرفض، بل العكس قيادة المرأة للسيارة ستقضي على مشاكل كبيرة جدًا أمنية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية. وأتصور أن داخل كثير من الرجال الممانعين شعورًا بعدم الثقة تجاه المرأة، وهو إشكال مرضي نفسي يخصه ولا يجب أن يعممه أو يفرضه على الآخرين. ولو أرادت المرأة أن تتصرف بسلوكيات خاطئة فمن أين له أن يعرف وهي تذهب مع السائق؟ ولا يحتاج أن نكون متخصصين في علم النفس لنعرف أن الثقة هي رادع ووقاية لمن تمنح له سواء أكان ابنًا أو ابنة أو زوجة، مع الأخذ بالاعتبار أن الرجال يتجاهلون أن المخاوف التي تنتابهم تجاه النساء قد تحدث للأبناء، بل هي تحدث، ومع ذلك هو لا يهتم، فالمهم لديه أن تظل المرأة في زجاجة يملك هو سدادتها.

لدى بعض الممانعين حجة يستخدمونها هي أن للمرأة حقوقًا كثيرة أهم من قيادة المرأة، فلماذا تتجاهلونها وتركزون على القيادة؟!. طبعًا ما يقوله هؤلاء إنما هو هراء وكذب فاضح؛ فكل المطالبات التي تريدها المرأة من قيادة أو عمل أو حضانة أطفال للمنفصلين أو نفقة، أو حق التصرف بأملاكها، أو حق الولاية، أو حقوقها البسيطة بتربية أبنائها، أو التعامل معها باحترام يليق بإنسانيتها وكينونتها، أقول: كل هذه المطالبات يحول دون تنفيذها نفس ذلك الرجل الذي يحتج بأن هنالك حقوقًا للمرأة أهم من القيادة فلِمَ لا تطالب بها.

قبل أيام انتقد أحد الكتَّاب في مقال له الليبراليين السعوديين، واتهمهم بأنهم يركزون على القضايا الاجتماعية، ويتجاهلون قضايا الشعوب والقضايا الإنسانية، وكتب: “وهكذا تحوَّلت قضايا مثل قيادة المرأة السيارة، أو ممارسة الفتيات الرياضة، أو عدم إغلاق المحلات التجارية في أوقات الصلاة إلى معارك ينظر التيار الليبرالي إلى الظفر بها باعتبارها إحدى أهم الغايات التي يسعى إلى تحقيقها”. وأنا أسأل كاتبنا ولِمَ لا؟ نعم هي غاية يسعى كل ذي منطق إلى تحقيقها.

أعرف أن الكاتب إياه يؤيد قيادة المرأة السيارة، إنما أستنكر هذا التهميش للقضايا الاجتماعية المحلية وكأن الاهتمام بها سينسيهم إنسانيتهم تجاه مآسي الشعوب الأخرى، النقطة الأخرى أنه أغفل أن جزءًا ممن يتهمهم نساء يتطلعن إلى نيل بعض الحقوق التي نالها الرجل، ومن الصعوبة على هؤلاء تجاهل حقوقهن الأولية والانخراط في قضايا قومية وهن محرومات من هذه الحقوق البسيطة. نعم قيادة المرأة حق بسيط لها، إنما عليها -للأسف الشديد- خوض معركة لتناله.

Share: