on : الثلاثاء, 3 Jun, 2014
Comments Off on سوريا ولبنان.. الأرقام تتكلم!

سوريا ولبنان.. الأرقام تتكلم!

يستضيف لبنان نحو مليون و150 ألف لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة

يستضيف لبنان نحو مليون و150 ألف لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة

كان مشهد الانتخابات الرئاسية السورية في السفارة السورية في لبنان نافرًا بنظر اللبنانيين. عشرات الآلاف السوريين المؤيدين – نظريًّا – للرئيس السوري بشار الأسد، احتكروا المشهد اللبناني على مدار يومين، تحولت فيهما مناطق عديدة من لبنان -من بينها محيط وزارة الدفاع- إلى أراض سورية، مورست عليها الدعاية الانتخابية، ومورس فيها “الاستعراض السياسي” في أوضح صوره.

وبغض النظر عن التفسيرات الموضعية لهذا الحشد، فإن هذه الواقعة تقدم مؤشرات لا بد من التوقف عندها. وأبرز هذه المؤشرات أن عدد السوريين المقيمين في لبنان تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة للبنان الذي لا تتجاوز مساحته مساحة محافظة سورية، ولا يقترب عدد سكانه من عدد سكان أصغر المحافظات السورية.

لقد تحمل لبنان منذ اندلاع الأزمة السورية ثقل هذه الأزمة أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا. وإذا كان لبنان شكَّل خلال التسعينيات متنفسًا اقتصاديًّا لمئات آلاف العمال السوريين الذين يعتاشون من العمل في لبنان، حيث وصلت إحدى تقديراته إلى نحو مليون عامل في الشتاء، إلا أن تداعيات موجات النزوح فاقت كل التداعيات المماثلة في الدول المحيطة بسوريا.

يستضيف لبنان نحو مليون و150 ألف لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة، حتى نهاية مايو (أيار) الماضي. وتشير التقديرات الأخرى إلى أن عددًا كبيرًا من العمال السوريين، والمواطنين الميسورين غير المضطرين للمساعدات هم من خارج هذه الأرقام، ما يرفع العدد المفترض إلى نحو مليونين، أي ما يقارب نصف عدد سكان لبنان، الذي يعد الجار الأصغر لسورية التي يبلغ عدد سكانها نحو 24 مليون نسمة.

لكن مؤشرات أخرى تدل على أن أعداد السوريين قد تكون أكبر بكثير. فوفق توقعات من وزارة الصحة اللبنانية، يتوقع أن يزيد عدد الولادات السورية في لبنان عن عدد الولادات اللبنانية (72 ألف مولود لبناني مقابل نحو 100 ألف سوري)، فيما يقول وزير التربية اللبناني -إلياس أبو صعب- إن عدد التلاميذ السوريين في المدارس اللبنانية هو تقريبًا نصف عدد التلاميذ اللبنانيين، علمًا أن الرقم يرتفع لصالح السوريين في المدارس الرسمية. أما وزارة الطاقة فتقول إن النازحين يستهلكون نحو 200 ميغاوات من الكهرباء يوميًّا، غير مدفوعة الثمن، ما أدى إلى زيادة الدعم على الكهرباء بنحو 200 مليون دولار سنويًّا تضاف إلى عجز مؤسسة كهرباء لبنان.

ويقول الخبير الاقتصادي لدى البنك الدولي في لبنان -إبراهيم جمالي- إن الأزمة السورية انعكست انخفاضًا قدره 2,9 في المئة سنويًّا في نمو الناتج المحلي اللبناني، وأن الكلفة المتراكمة لهذه الأزمة على لبنان بلغت 7,5 مليارات دولار، وأن الحرب السورية دفعت 170 ألف لبناني إضافي إلى ما دون خط الفقر، ورفعت نسبة البطالة إلى 20 في المئة.

أما مدير شركة “ستاتستكس ليبانون” -ربيع الهبر- فكشف عن أن النازحين يستهلكون 87 مليون لتر من المياه، و5 ملايين و400 ألف رغيف خبز يوميًّا؛ مما أدّى بالحكومة إلى رفع الدعم عن الرغيف.

أما المؤشر الثاني، فهو يتمثل في وجود شريحة كبيرة من السوريين المؤيدين للنظام في لبنان، وهؤلاء فاجأوا على ما يبدو السفارة السورية، التي بدا مسؤولوها في غاية السعادة والفخر لرؤية طوابير من الناخبين تمتد كيلومترات عديدة أمام مقر سفارتهم؛ فمددوا العملية يومًا إضافيًّا أدى إلى مزيد من التعطيل للحياة العامة في لبنان بعد إقفال أهم معبر بين الجبل والبقاع مع بيروت.

وبغض النظر عما يقال من أن النظام – وحلفاءه في لبنان – أجبروا الكثير من هؤلاء على الحضور للتصويت، إلا أن الواقعية تدفعنا للاعتراف بأن النظام ما يزال يمتلك تأثيرًا على شريحة كبيرة من السوريين المقيمين في لبنان، وهو ما يثير مخاوف معارضي النظام من اللبنانيين من استعمال هذا التأثير أمنيًّا عندما يحتاج النظام إلى ذلك.

خلاصة الأمر، أن لبنان يدفع ثمنًا أعلى بكثير من الأثمان التي تدفعها الدول الأخرى المحيطة بسوريا، فهو أصغرها (يبلغ عدد سكانه نحو 4 ملايين نسمة فقط) مقابل 72 مليون لتركيا التي تستضيف نحو مليون سوري أي بنسبة 0.7 في المئة، و6 ملايين ونصف في الأردن الذي يستضيف 600 ألف لاجئ، أي بنسبة 10 في المئة، فيما تكاد تبلغ النسبة في لبنان 50 في المئة، وهو رقم هائل بكل المقاييس، خصوصًا إذا ما أضيف إليه عامل الانقسام الداخلي اللبناني حول الأزمة في سورية، وعامل ضعف الدولة اللبنانية، ما يشكّل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة.. والأهم، والأخطر، أن لبنان غير مؤهل – بفعل العوامل التي ذكرناها- للقيام بأي إجراء فعلي يمنع التداعيات السلبية للأزمة السورية على أمنه واقتصاده وتركيبته الاجتماعية..

لقد كان لبنان منذ زمن طويل متنفسًا سوريًّا، خففت من خلاله دمشق عن نفسها عناء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فعمالها في لبنان ونفوذها اللبناني جعلها تلعب دورًا محوريًّا في المنطقة يفوق قدرتها الفعلية، وها هي الآن تصدر أزمتها إليه مجددًا.. إنه ثمن الجيرة، ولا بد للبنان من دفعه، لكن إلى متى؟!

Share: