on : الإثنين, 2 Jun, 2014
Comments Off on هلموت كول.. حياة صاخبة بالنجاحات والفضائح!

هلموت كول.. حياة صاخبة بالنجاحات والفضائح!

ديكتاتور اليورو

هلموت كول هو الشخصية السياسية الوحيدة التي حققت لأوروبا ولألمانيا أكبر الإنجازات. مع ذلك، وبعد مرور عقود على ما جرى تحقيقه يعترف بارتكابه أخطاء كبيرة كان من الممكن تفاديها، منها سرعة اعتماد النقد الأوروبي الموحد اليورو. هذه الشخصية اللافتة للنظر تربعت على السلطة أطول مدة بين السياسيين الأوروبيين والغربيين، وفي الكثير من الأحيان وصفه خصومه بالداهية لأنه يخفي وراء وجهه الهادئ مواقف ديكتاتورية غير عادية، لكن هذه الديكتاتورية كما صرح بعد تقاعده كانت ضرورية، إذ يجب أن يكون هناك من يقرر ويحسم.

القضية التي أربكت كول ، فضح الصحافة مرتين أمر تبرعات قبلها مرة عندما كان رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي ومرة أخرى عندما كان مستشارا؛ حيث تلقى ما بين عامي 1993 و1998 ما مجموعه 2.1 مليون مارك من مصدر يرفض حتى الآن البوح باسمه، وهذه الملايين وضعت في صندوق الحزب فكانت أول تهديد لإنهاء حياته السياسية، مع ذلك تخطاها.
ولقد واجه تناقضات كثيرة، فمثلا بعد عزمه تسفير الآلاف من الأتراك من ألمانيا يبلغه ابنه بيتر بعد سنوات قليلة بنيته الزواج من فتاة تركية من عائلة غنية، مما أدخل كول في صراع بين ما يظهره من مواقف سياسية وممارسة أولاده. ويقال إن ابنه بعد أن تزوج التركية اعتنق الإسلام لأنه لا يجوز لمسلمة الزواج من غير مسلم.

بدء حياته السياسية

أكثر من أمر يميز المستشار الألماني هلموت كول عن غيره من مستشاري ألمانيا، فهو أول سياسي يتولى السلطة نتيجة حجب الثقة عن حكومة سلفه المستشار هلموت شميدت الاشتراكي الديمقراطي، يضاف إلى ذلك أنه ظل في الحكم أطول مدة قضاها مستشار في ألمانيا، حيث حكم من 1982 إلى 1998 حيث شهدت ألمانيا والعالم وأوروبا أحداثا غير عادية، منها الوحدة الألمانية، لذا يسمى مستشار الوحدة أو أبو الوحدة والوحدة النقدية الأوروبية ويعتبر عراب هذا النقد. ولقد عمل مع عدد من القيادات الأوروبية على إلغاء الحدود الداخلية بين كثير من بلدان الاتحاد الأوروبي ضمن اتفاقية شينغن. وكان وراء تقارب الغرب مع الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف الذي زاره في مسقط رأسه مع ربع أعضاء حكومته يومها، وكل هذه الإنجازات لم يقم بها أي سياسي ألماني أو أوروبي.
بالطبع ظروف كثيرة ساعدته في ذلك خاصة توليه منصب المستشارية الذي كسبه من دون عناء، لأن الحزب الاشتراكي الحاكم يومها كان يواجه مشكلات صعبة لذا فقد ثقة البرلمان، وحصوله على نسبة كبيرة من أصوات البرلمانيين كان بفضل الحزب الليبرالي الذي شكل معه الحكومة تلو الأخرى حتى عام 1998 وحصل على حقائب وزارية مهمة منها الخارجية، وكانت من نصيب هانس ديتريش غينشر. لكن الشعب الألماني لم يسامحه عندما كشف أمر تورطه في فضيحة تلقيه الملايين كتبرعات من مؤسسات مالية كبيرة وضعت في خزينة حزبه.
ترعرع كول الذي ولد في مدينة لودفيكسهافن في الثالث من شهر أبريل (نيسان) عام 1930 في أجواء كاثوليكية محافظة، وتعلم من والده، وكان خبيرا ماليا في وزارة المالية، الكثير من الأمور المالية. أنهى تعليمه المدرسي وبسبب صغر سنه لم يلتحق بشبيبة هتلر وظل بعيدا عن أجواء النازية وتمكن من دراسة الحقوق والتاريخ في جامعة فرانكفورت وتابعها في جامعة هايدلبرغ وحصل على درجة الدكتوراه.

سرعة ترقيه في الحزب

انخرط كول منذ أن كان تلميذا في الحياة السياسية بعد أن انضم عام 1947 إلى الحزب المسيحي الديمقراطي ولم يتركه حتى اليوم. عام 1954 انتخب في دائرته لودفيكسهافن نائبا لرئيس فرع الحزب بعدها تسلق السلم الحزبي بسرعة إلى أن أصبح عام 1960 رئيس الحزب في إقليم راين فالس مما جعله يصل إلى المراكز الحساسة فتسلم رئاسة حكومة الولاية ثم توجه إلى بون العاصمة يومها لمواجهة تحد كبير وهو الوصول إلى المستشارية.
في سبعينات القرن الماضي كان كول أصغر الأعضاء في قيادة الحزب وأكثر من أدخل تحديثات كرئيس، مما جعله يتشجع لترشيح نفسه للمستشارية عام 1976 فحصل على أعلى نسبة وهي 48.6 في المائة من أصوات الحزبيين وكان عليه التصدي لمنافسه العنيد من الحزب الشقيق المسيحي البافاري فرانس يوزف شتراوس الذي أراد أن يصبح مستشارا أيضا. إلا أن الحظ لم يحالف الاثنين فما كان من كول إلا أن تخلى عن منصبه من أجل البدء في بناء مستقبله السياسي الحقيقي، فكان معارضا عنيدا بوجه الحزب الاشتراكي الديمقراطي في مجلس النواب.

حفل تكريم لكول  عقد عام 2011 في الأكاديمية الأميركية بالعاصمة الالمانية برلين، بمناسبة منحه جائزة هنري كسينجر

حفل تكريم لكول عقد عام 2011 في الأكاديمية الأميركية بالعاصمة الالمانية برلين، بمناسبة منحه جائزة هنري كسينجر

ورغم أنه تمكن من تثبيث قدميه في العاصمة الصغيرة بون وفي الحزب وفي قيادته فإنه تخلى عن الترشيح للمستشارية عام 1980، وهذه الخطوة كانت حسب وصف بعض المطلعين ذكية جدا واتخذها لكي يوصد الأبواب في وجه شتراوس خصمه الشرس للترشح، عدا عن ذلك، كان على يقين بأن شتراوس لن يحصل على الأغلبية أيضا في الاتحاد الوطني المشكل من الحزبين المسيحي الديمقراطي والمسيحي البافاري للترشح للمستشارية. وأدخل في حساباته أن شتراوس بعد خسارته سوف ينشغل كرئيس لحكومة ولاية بافاريا بالأمور الداخلية فلا يعد يشكل له عنصر إزعاج أو مضايقة وبالتالي ينزع من رأسه تماما مسألة الترشح للمستشارية مستقبلا، عندها لن يكون أمام الاتحاد الوطني المسيحي إلا شخص واحد هو هلموت كول، وهذا ما حدث بالفعل. لذا فقد قالت عنه صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية في أحد مقالاتها: «ليس هناك أحد حتى أسوأ الأعداء يمكن اتهام كول بأنه عديم الرؤية، قد لا يكون خطيبا بارعا لكن لديه بالتأكيد أفكار لامعة وتحليل حاد للأمور المستقبلية».
في الأسابيع الأولى بعد انتخابه مستشارا عام 1982 وعد بالقيام بثورة روحية وأخلاقية، وأول أمر بدأ به هو التشديد على مسألة سحب الثقة من أية حكومة عند اقترافها أخطاء لا تغتفر وانتخاب مجلس نواب جديد، فهذه خطوة تثبت الديمقراطية.
وكان حلمه أن تكون هناك أوروبا من دون حواجز، لذا وضع نصب عينيه سرعة إدخال اتفاقية شينغن حيز التطبيق والحلم الآخر كان النقد الأوروبي الموحد اليورو. مع ذلك كان هدفه الرئيس كما يقول المقربون إليه توحيد الألمانيتين وإزالة جدار برلين. وما يجب ذكره أيضا أنه اعتبر الاتحاد السوفياتي عنصرا مهما للوحدة الألمانية، لذا لم يرد تحويله إلى عدو بل سعى إلى تقريبه من حلف الناتو.
ورغم تحقيقه لرؤيته فإنه دفع ثمن بعضها غاليا جدا، منها تراجع شعبيته بشكل حاد بعد الوحدة الألمانية بعد أن أصبحت نسبة البطالة العمالية في الأقاليم الشرقية تشكل أزمة حقيقية لألمانيا، فلم ينتخب مرة أخرى مستشارا عام 1998.

كول والشرق الأوسط

لم تغب أزمة الشرق الأوسط عن سياسة كول الخارجية، وكان واحدا من أكثر السياسيين الألمان سعيا إلى حل القضية الفلسطينية الإسرائيلية سلميا، وكان وراء افتتاح ممثلية ألمانية في أريحا تولى إدارتها يومها مارتين كوبلر، وفي كل مرة كان يزور فيها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ألمانيا كان له لقاء مع المستشار، حتى أنه عام 1995 قطع إجازة عيد الفصح وتوجه إلى أريحا بسبب الأزمة التي سببتها قلة الأموال لتمويل مشاريع حيوية مهمة في الأراضي الفلسطينية مثل الري وتوسيع المساحات الزراعية وزيادة الإنتاج، فالأموال من الصناديق الخاصة والمتبرعين لم تكن كافية لإنجاز المشاريع فأراد التشاور مع عرفات حول الوسيلة التي يمكن لألمانيا الغنية أن تساعد الفلسطينيين الفقراء رغم أن الممثلية في أريحا ليس لها تمثيل دبلوماسي. فكول كان يرى في النمو الاقتصادي لدى الفلسطينيين عنصرا يدعم السلام الإسرائيلي الفلسطيني وتمكن بعدها من رفع المساعدات الألمانية للحكم الذاتي الفلسطيني وزيادة الاتحاد الأوروبي دعمه المالي أيضا، فهو كمستشار أكبر بلد أوروبي له سلطة أيضا في الاتحاد.

من الصور المؤثرة والتي دخلت التاريخ هي التي التقطت في 22 سبتمبر عام 1984 للمستشار كول وهو يمسك بيد الرئيس الفرنسي ميتران في ساحة المعركة فردان ويعتبر المكان الأكثر رمزية من أي مكان آخر خاصة للفرنسيين لأنه مشحون بالذكريات التاريخية، فهناك جرى تقسيم إمبراطورية شارلمان عام 843، الحدث الذي اعتبره المؤرخون بداية نهاية قرون من العداء الفرنسي الألماني وهناك أيضا وقعت في عام 1916 إبان الحرب العالمية الأولى واحدة من أشرس المعارك بين الطرفين قتل خلالها ما يقارب نصف مليون شخص.
وكان إحداث خسائر مروعة في فردان جزءا من استراتيجية الجنرالات الألمان، فهم أرادوا إمطار الجيش الفرنسي بملايين القذائف والمتفجرات على مساحة لا تتعدى بضعة كيلومترات، لذا قال أحد الجنود الفرنسيين يومها: «من لم يكن في فردان لم يكن في حرب». لذا كان اختيار كول لهذا الموقع متعمدا لكي يطلب من دون استعمال عبارات أو كلمات السماح على ما وقع، ولقد اعتبر لقاء فردان لفتة مذهلة لتحويل مشاعر العداء إلى مشاعر الصداقة والمحبة.
إلا أن الفرنسيين أرادوا تحقير المستشار الألماني بشكل غير مباشر، إذ عرف بعد ذلك من تقارير سرية أن لقاء كول ميتران لم يكن مخططا له في البداية في فردان بل في النورماندي بمناسبة مرور 40 سنة على إنزال قوات الحلفاء على شواطئه (عام 1944) وكانت بداية نهاية النازية، لكن ميتران رفض أن يكون لألماني مهما كانت مرتبته حضور في هذه المناسبة فتم اختيار فردان التي رفضها ميتران في البداية أيضا. ليس هذا فقط بل إن مد يده أمام النصب إلى يد كول كانت مبادرة من المستشار لم يتوقعها ميتران.

علاقة كول المتوترة بمارغريت تاتشر

لم تكن علاقة كول برئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر سهلة، فهو اعترف في مقابلة له مع صحيفة «التايمز» البريطانية بأن العلاقة كانت مزيجا من المشاعر المختلفة، فالأمور معها كانت دائما مختلفة مقارنة مع بقية رؤساء دول أوروبا والعالم. ولقد بذل كما هي الجهد لكن لم تكن هناك إمكانية لبناء علاقة ثقة وعلاقة حميمة، وهذا ليس تشهيرا حسبما قال، فالكثير من السياسيين في العالم لا تجمعهم علاقة طيبة بآخرين وهذا طبيعي. وردا على السؤال بأن تاتشر كانت دائما تريد تحقيق مشروع أوروبا ولكن ليست أوروبا التي يريدها أغلب زملائها الأوروبيين قال: «البريطانيون هم لأوروبا دائما لكن ليس بالتخلي عن السيادة البريطانية».
ولا يتردد كول في كل مناسبة في التلميح إلى أن العلاقة أصبحت أكثر توترا بينه وبين تاتشر بسبب مواقف الأخيرة من الوحدة الألمانية التي كانت لا تريدها وكانت تتعمد أن تبطئ مسارها لخشيتها حسب اعتقاد البعض من عودة ألمانيا القوية وهذا بحد ذاته خطر.

واللافت أنه كلما اقترب موعد إنجاز الوحدة الألمانية كانت تصاب العلاقة بين الاثنين بالمزيد من التوتر رغم تأكيد كول الدائم بأن الألمان تعلموا من تاريخهم.
والتهم التي كان يتبادلها الاثنان خلف الكواليس شديدة فهي كانت تقول: «هذا السياسي الآتي من القرية» أما هو فيقول: «ما زالت تعتقد أن قيادة أوروبا في لندن». ولم يتردد عن القول في كتابه «أردت الوحدة الألمانية» عن القول «إنها تتكلم بسرعة غير عادية ولا تتركني أنطق بكلمة، وعندما تكون الكلمة لي في الاجتماعات كانت تتعمد تكرار عبارة «لا تقاطعني، كانت لا تتوقف عن الكلام».
والعبارة التي كانت ترددها تاتشر ولا تؤجج غضب الألمان فقط بل العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي قولها: «I want my money back»؛ أي «أريد استرجاع أموالي». فكما هي الأعراف في الاتحاد الأوروبي يسترجع الأعضاء بعض الأموال من الاشتراكات التي يدفعونها، لكن تاتشر كانت تعتبر أن ما كانت تسترجعه كان قليلا جدا لذا قررت منذ قمة بلدان الاتحاد الأوروبي عام 1984 خوض معركة صعبة انتصرت فيها بالنهاية بحجة أن بريطانيا الأضعف اقتصاديا من بين كل بلدان الاتحاد ومنذ ذلك الحين تحصل من صندوق الاتحاد على نحو ثلثي صافي ما تدفعه من الاشتراكات وباقي ما في الصندوق يتوزع على الأعضاء وذلك حسب قوته الاقتصادية ويسمى ذلك دعما اقتصاديا يذهب معظمه إلى القطاع الزراعي.

شميدت يرى في كول منافسا

العلاقة بين كول والمستشار الأسبق لم تكن تخللتها كثير من المنغصات وخلفه في منصبه بعد سحب الثقة من حكومته وكانا يتقاذفان منذ ظهورهما على المسرح السياسي الانتقادات اللاذعة، وقد يكون بسبب فارق الطول بينهما، فطول كول 193 وشميدت أقل من 183 لذا كان يتفادى الوقوف بالقرب منه، ويصفه بأنه رئيس منطقة ريفية صغيرة، وهنا يلتقي شميدت بتاتشر التي تصفه «بالسياسي الآتي من الريف». حتى أنه لم يتردد عن القول أمام سياسيين من الحزب المسيحي الديمقراطي (حزب كول) يجب أن لا يصبح هذا الرجل أبدا مستشارا، إلا أن آماله قد خابت.

ولم يقتصر تمادي شميدت في التقليل من شأن كول لفظيا، فعند التسلم والتسليم أخلى مكتب المستشار في ديوان المستشارية بالكامل حتى أنه لم يترك ورقة واحدة لكي يكتب عليها المستشار الجديد، وهذا انزعج كول جدا، فقال إنه «لم يترك لي حتى ورقة صغيرة كي أكتب عليها»، وما بقي منه في الحقيقة ليست سوى ندوب عميقة عكرت فيما بعد علاقة الاثنين.
ولم يواجه كول شميدت مباشرة أو يثأر منه بل عمل على فضح تصرفاته كما أشارت ملفات وضعتها وزارة الخارجية الألمانية تحت تصرف الصحافيين فيما بعد. فأحدها ذكر أن كول كان يسخر من أفكار سلفه في كل مناسبة مع كبار السياسيين مثلا خلال محادثاته مع الرئيس الأميركي جورج بوش وسياسيين آخرين خلال قمة ميونيخ عام 1983 قال «لقد ورثت تركة صعبة جدا من شميدت فهو لم يعط أي اهتمام لتنظيم بيته (والمقصود هنا الحكومة الألمانية) بل كان يتحدث فقط عن القمم الاقتصادية الدولية». وما كان يزعج كول مطالبة شميدت عند إلقائه محاضرات أو كلمة في مؤسسة أتعابا عالية.
لم تكن السنوات الأولى من حكم كول سهلة، خاصة وأن الاشتراكيين كانوا يحاولون التقليل من شأنه وهذا سبب تراجع شعبيته، إلا أنه ومع اقتراب عام الوحدة (1989) أظهر بالفعل حنكة سياسية وخبرة وحصافة دبلوماسية وغريزة للسلطة وثباتا ساعده في خوض مفاوضات صعبة تتعلق بالوحدة الألمانية كللت بالنجاح خاصة من مسؤولين مثل تاتشر كانت لا ترغب بالوحدة.

سيرة حياة كول

سيرة حياة كول

كما لم يخش الدخول في مفاوضات اعتبرت منذ البداية شاقة مع موسكو من أجل الوحدة الألمانية، فهو حسب محللين سياسيين كان رصينا وبعيد النظر لأنه أدرك أن إمبراطورية الكرمل ضعيفة آيديولوجيا أكثر من أي وقت مضى وتعاني من مشاكل داخلية، فكان أول من تحدث عام 1983عن زوال الإمبراطورية السوفياتية الغارقة في مشاكل اقتصادية صعبة وصراعات بين الأقليات العرقية، لكن وبعكس خلفه شميدت الذي كان يخشى من تغيير في الأجيال يؤدي إلى سياسة خارجية حادة، كان كول يرى في جيل جديد أفقا جديدا وخطا يختلف عن خط السياسيين القدماء. ولأنه كان يرى أن الوقت يعمل لصالح الغرب دافع عن سياسة الانفتاح باتجاه شرق أوروبا وحث تاتشر على التحلي بالصبر والتمسك بفكرة الحرية.
ويقول مستشاره للسياسة الخارجية يومها هورست تشليك، حيال متحدثيه من المعسكر الشرقي كان يتسم كول بالأدب لخلق أجواء شخصية مريحة، لقد كانت لديه موهبة خاصة، وهذا كان ضروريا.
وقد لا يكون الفضل الأول والأخير للمستشار كول بضبط الأسلحة النووية والبعيدة المدى لكنه كان مساهما لإدخال العالم في فترة هدوء وحدّ انتشار الأسلحة الخطيرة في أوروبا وبداية لإغلاق آخر صفحة في ملفات الحرب الباردة وفتح صفحة جديدة بإتمام الوحدة الألمانية، وما يجب ذكره هنا أن خصمه الاشتراكي شميدت والذي وصفه بالسياسي من القرية اعترف بعد الوحدة بأنه رجل سياسة.

فضيحة التبرعات

مقابل هذه النجاحات لم تخل صفحة كول من البقع السوداء، خاصة ما يتعلق بالفضائح المالية. أول فضيحة ظهرت كانت قبل تسلمه السلطة في سبعينات القرن الماضي، إلا أن الكثير من كبار السياسيين تورطوا فيها وكانت تبرعات بمبالغ مختلفة قدمها اتحاد شركات فليك الألمانية إلى كول ومعظم الأحزاب الألمانية. ففي عام 1975 باع هذا الاتحاد أسهما يملكها في شركة دايملر بقيمة 1.9 مليار مارك ألماني إلى المصرف الألماني دويتشه بنك وتقدم بطلب إعفاء من دفع الضرائب على هذه المبالغ وتصل إلى 970 مليون مارك وحصل كول يومها على 50 ألف مارك وكان يومها رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي، إلا أن الادعاء العام وجد الملف الساخن عام 1984 وبدأ بالتحقيقات التي لم تنته إلى شيء يذكر سوى فضيحة لمن قبض الرشاوى.
لكن الفضيحة الثانية وكانت الأكثر تعقيدا حدثت خلال حكمه كمستشار بحصوله من جهة مجهولة على مبلغ 2.1 مليون مارك نقدا ما بين عامي 1993 و1998 وضعه في صندوق الحزب، ولم يعرف الادعاء العام بأمر هذه التبرعات غير القانونية إلا عام 1999 أي بعد خسارة كول في الانتخابات. وبسبب رفضه تحديد مصدر التبرعات حكم عليه بدفع غرامة قدرها 300 ألف مارك وليس بالسجن لعدم توفر أدلة تدينه مباشرة والشك فقط بإساءة استخدامه السلطة كما نزع منه لقب الرئيس الفخري لحزبه المسيحي الديمقراطي، وهو ما زال مصرا حتى اليوم على عدم البوح باسم المتبرع وقد يحمل هذا السر إلى القبر.

كول الثعلب

هنا لا بد من القول إن المستشارة الحالية أنجيلا ميركل تعلمت من أستاذها ووالدها الروحي هلموت كول الكثير، ومن أهم الأمور مسك الحزب بقبضة من حديد. ولقد سعى إلى تعيين المقربين له في المناصب الحساسة وكانت ميركل في إحدى الوزارات والتقرب من الجيل الشاب، لكن أيضا محاسبة كل من يقترف أخطاء تلحق الضرر بسمعة الحزب والمحاسبة شديدة جدا. كما أراد أن يكون على دراية بكل شاردة وواردة كي يعرف ماذا يحدث في «بيته» أي حكومته لذا فإن أول عمل كان يقوم به في الساعة السابعة صباحا أينما كان الاطلاع على كل الصحف والتقارير.
في البداية لم يحقق نجاحا كبيرا لأن أمورا كثيرة كان لا يدري بها، إلا أنه كما يقول اليوم تعلم الكثير خاصة وانه عرف مواطن ضعفه ولكن أيضا مواطن ضعف خصومه الحزبيين، كما تلقن درسا من هزيمة حزبه عام 1973 في الانتخابات النيابية لعدم حصوله على النسبة المطلوبة، هذا جعله يعيد دراسة الخريطة السياسية بشكل أفضل وهذا ما فعله أيضا عام 1980 فهو لم يترشح.
ومميزات كول الذي كان يوصف بالثعلب الذي يظهر بساطة عند اللزوم أنه كان يثق بأشخاص قلائل يستشيرهم في الأمور الصعبة والمصيرية وبالأخص الوحدة الألمانية وكان يشرك الحزب المسيحي البافاري شريكه في الاتحاد الوطني والحكم بالقرارات الصعبة كي لا يكون هو الوحيد المسؤول عن نتائجها إذا ما كانت سلبية.

وفي عام 1983 كانت تهدد العالم حرب باردة جديدة فالكلمة التي وجهها يومها رونالد ريغان وأراد فيها الدفاع عن النفس أوقعت الخوف في القلوب من حدوث حرب، كما رد حلف الأطلسي بدوره على ما يسمى بقرار المسار المزدوج للتسلح السوفياتي بقرار الصواريخ النووية وينص على نصب 572 صاروخ كروز وصاروخ بيرشنغ في أوروبا حتى نهاية العام ويجب حسم الأمر خلال مفاوضات تجرى في جنيف بين القوى العظمى. وكان كول يريد نجاح هذه المفاوضات فحثّ ريغان على تقديم تنازلات وروج لحصول موسكو على امتيازات، لكن عندما طالب الاتحاد السوفياتي بشمل الأسلحة النووية بالمحادثات شجع كول باريس ولندن للبقاء على مطلبهما. مع ذلك اتفق القطبان عام 1987 على سحب وتدمير وحظر إنتاج الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى في أوروبا.

مهاجمته للأتراك

ومن الفصول التي لا يذكر الأتراك فيها كول بالخير قراره تخفيض عدد الأتراك إلى النصف، وهذه المعلومات كشفها بروتوكول سري احتفظت به لندن وأفرجت بعد 30 عاما عنه. إذ لم يكن قد مضى على تسلم كول المستشارية أربعة أسابيع حتى زار لندن والتقى رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر وذلك في 28 فبراير (شباط) عام 1982 فتحدث معها عن «مشاكل اندماج الأجانب»، وأبلغها بأن برنامج حكومته ينص على إعادة نصف الأتراك إلى بلادهم. وحسب البروتوكول السري كان بنيته خلال أربعة أعوام تنفيذ هذا القرار لكنه لا يستطيع التصريح بذلك علنا. وحسب قوله أيضا «من المستحيل على ألمانيا في الوقت الحالي استيعاب هذا العدد من الأتراك. فألمانيا ليس لديها مشاكل مع البرتغاليين أو الإيطاليين وحتى مع الآتين من جنوب شرقي آسيا، لأن هذه الأقليات تمكنت من الاندماج في المجتمع الألماني بشكل جيد، إلا أن الأتراك أتوا من حضارة وثقافة مختلفة جدا، وفي ألمانيا 11 مليونا من أوروبا الشرقية تم دمجهم، لكنهم أوروبيون ولا يسببون أي مشكلة للمجتمع الألماني». وأعطى كول أمثالا على صعوبة اندماج الأتراك منها الزواج الإجباري والعمل بالأسود، لكن عُرف فيما بعد أن حكومة الاشتراكي هلموت شميدت كانت تريد أيضا إقرار مثل هذا القانون لكنها فشلت بسبب معارضة القاعدة الحزبية.
وكانت خطة كول التي قرر البدء بها عام 1983 تسفير كل تركي عاطل عن العمل وكان العدد يومها في صفوف الأتراك مرتفعا مع تقديم تعويض له يصل إلى 10500 مارك ألماني غربي واسترجاعه كل ما دفعه لصندوق الشيخوخة إضافة إلى 1500 مارك لكل ولد من أولاده. وتمنى وزير العمل نوربرت بلوم يومها تسفير كل الأجانب العاطلين عن العمل، لكن لم تتوفر أموال كافية في ميزانية الدولة لصرف هذه التعويضات، ورغم تمديد هذا العرض لمدة عام فإنه لم يحقق نجاحا لأن القليل جدا من الأتراك كانوا يرغبون في العودة.

انفراده بالقرارات وأخطاؤه

كل هذه الأمور لم تقلل من اندفاع كول في تحقيق الوحدة الألمانية، فبعد الزيارات المكثفة عام 1987 إلى عواصم غربية وبالأخص أطلسية وإجراء اتصالات مكثفة مع موسكو من أجل التحضير للوحدة الألمانية قرر لوحده زيارة برلين الشرقية لأول مرة في حياته وذلك في شهر مايو (أيار) عام 1988، وقيل يومها إنه حجز للرحلة بشكل مفاجئ مع زوجته وبيتر ابنه وقام بها من دون مرافقين لكن بعد ذلك وصف هذه الرحلة بأنها الأكثر إثارة في حياته، فهو دخل إلى أراض هي جزء من بلده لكنها لا تعتبر منه وهذا مثير للمشاعر.

كول وتاتشر

كول وتاتشر

ويقول مطلعون إن كول فضل وضع آخر ترتيب للوحدة من قيادة ألمانيا الشرقية بكل عناية وهدوء وبعيدا عن أنظار الصحافة أو السياسيين المعارضين. وظهر ذلك بعد إزالة جدار برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، ففي 28 من هذا الشهر وضع خلال جلسة مصغرة لمجلس النواب برنامج النقاط العشر للوحدة لتفادي تقسيم أوروبا بين شرقية وغربية، تبع ذلك في 18 مايو توقيع حكومتي الألمانيتين معاهدة الاتحاد النقدي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك من أجل إكمال الوحدة. لكن هنا بدأت أخطاء كول.
فرغم معارضة رئيس المصرف المركزي الألماني كارل أوتو بول أقر استبدال المارك الألماني الشرقي الواحد مقابل مارك ألماني غربي، وهذا ينطبق على الرواتب والإيجارات وتعويض التقاعد، فاتضح فيما بعد أنه كان عبئا ماليا كبيرا جدا للمؤسسات وللشركات والمصانع في الأقاليم الشرقية (ألمانيا الشرقية سابقا) التي أعلنت إفلاسها وتسريحها لمئات الآلاف من العمال، فتحولت ألمانيا الشرقية إلى شبه معسكر للعاطلين عن العمل.

مع ذلك فإن إتمام الوحدة قوى من شعبية حزب المستشار المسيحي الديمقراطي، فنسبة كبيرة من الألمان الشرقيين وجدوا فيه المنقذ من النظام الشيوعي وعليه انتسب الكثيرون إليه مما جعل كول يزيد من نفوذه لمواجهة منتقدي سياسته من الوحدة الألمانية والكيفية التي طبقت فيها، إن في داخل الحزب أو في صفوف المعارضة. أما على الصعيد الدولي فنظر إليه بأنه السياسي؛ لقد تمكن من ربط ألمانيا أكثر بحلف شمال الأطلسي عبر توقيع ما يسمى باتفاقية الاثنين (ألمانيا الغربية والشرقية) زائد أربعة وهم الحلفاء الذين انتصروا على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.
وعبر هذا الاتفاق وافقت روسيا وبالتحديد الرئيس غورباتشوف على سحب القوات الروسية من الأراضي الألمانية وطبقت ذلك أيضا بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة مع بنود تسمح للأخيرة بوجود عسكري مهم منها قواعد عسكرية ومخابراتية كمركز أوروبي.
في 17 يناير 1991 انتخب كول مستشارا للمرة الثالثة بينما أصابت منافسه الاشتراكي أوسكار لافونتين خسارة كبيرة، وبهذا أصبح كول مستشار الوحدة الألمانية بلا منازع.
لكن لم يمض وقت طويل حتى بدأت انعكاسات سرعة إتمام الوحدة، فبعد إغلاق مئات المصانع والشركات والهجرة التي تمت من الأقاليم الشرقية إلى الغربية طلبا للعمل الأفضل والرفاهية ارتفع عدد العاطلين عن العمل من 2.6 مليون إلى 3.6 مليون وفي عام 1994 إلى 4.4 مليون أي نحو 30 في المائة، مع ذلك انتخب مرة رابعة وأخيرة عام 1994 إلى أن خسر حزبه الانتخابات عام 1998 ليأتي الاشتراكيون مرة أخرى إلى الحكم.

واليوم يعترف كول بأنه اقترف أخطاء فيما يتعلق ببرنامج الوحدة وسرعة إنجازها، فيقول: «لقد قللت من شأن أمور كثيرة مهمة. ومن جملة هذه الأخطاء إعادة اللحمة لشعب عاش نحو نصف قرن منقسما بين شرقي وغربي وفي بيئة مختلفة تماما، فالدمج كان يحتاج، إلى جيل أو أكثر من أجل تخطي الصعوبات. ولكنه يزيد: لم تكن هناك حالة شبيهة في العالم يمكن التعلم منها لمثل حالة الوحدة.
إلا أن كتابا ومحللين يقولون اليوم إن الوضع كان سيصل إلى هذا الحد حتى ولو لم يكن كول مستشارا يومها.
وكان السياسي الاشتراكي أوسكار لافونتين قد حذر في كتاب له صدر قبل الوحدة النقدية بين الألمانيتين من الشكل الذي تم فيه التبديل، فهذا سوف يجعل اقتصاد الأقاليم الشرقية غير قادر على المنافسة بل سيصاب بضربة قاسية مما سيسبب إغلاق الكثير من المصانع وتسريح العمال وبالتالي تدمير البنية التحتية هناك. وكان برأيه أيضا أن الأمر يتطلب المزيد من الوقت والسنوات للوصول إلى مستوى الشروط المعيشية والإنتاجية في الأقاليم الشرقية المطلوبة لتكون كما في الغربية، فتبديل العملة بهذا الشكل سيجعل وضع الصناعة التقليدية وعلاقات الإنتاج ببلدان أوروبا الشرقية غير مستقر، بل سيصاب بخلل ولو بقي المارك الشرقي في التداول واستبدل على مراحل فلن يحدث شرخ في الاقتصاد، وهذا يعني تطبيق مفهوم مهم في الاقتصاد المالي يقول يجب على أي نقد أن يتطابق مع إنتاجية الاقتصاد. لذا لا يمكن للاقتصاد الضعيف أن يشفى أو ينتعش باعتماد نقد قوي وهذا ينطبق على اعتماد المارك الغربي القوي.

إلا أن كول كان يريد إنجاز النقد الموحد أيضا ليوضع في مرتبة كوندراد اديناور مستشار ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، لذا كان يذكر دائما بأنه سعى وبالتوازي مع الوحدة الألمانية إلى التمسك بالميثاق الأوروبي والترويج لتعميق التكامل الأوروبي بطرح مبادرات عمل على تحقيقها. ويعتبر أن الفضل يعود إليه لانهيار الاتحاد السوفياتي سلميا وللثورة السلمية التي قامت في ألمانيا الشرقية، وجزء من الألمان يعترف بذلك.

ميتران يربط الوحدة الألمانية باليورو

بعد اندماج ألمانيا وإزالة الجدار في شهر نوفمبر عام 1989 كانت الخطوة التالية بالنسبة لكول هي تحقيق نقد أوروبي موحد، إلا أن ما لا يعرفه الكثيرون أن الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران هو وراء تعجيل كول في اعتماد اليورو. إذ إنه ربط يومها موافقته على الوحدة الألمانية بموافقة ألمانيا وبالتحديد كول على تعميق الاتحادين النقدي والاقتصادي الأوروبي مما يعني أيضا نقدا موحدا، فوافق كول على ذلك من دون العودة إلى هانس تيتماير مدير المصرف المركزي الألماني ووضع مع ميتران ما يسمى بالمراحل الثلاث لاعتماد النقد والاقتصاد الموحد. وفي الأول من شهر يوليو (تموز) عام 1990 اعتمدت أول خطوة وهي حرية حركة رأسمال ما بين بلدان المجموعة الأوروبية. بعدها عام 1992 وقعت معاهدة ماسترخت وتنص على وحدتي النقد والاقتصاد وهي أساس للمراحل المقبلة، وفي الأول من يناير عام 1994 تم إنشاء مؤسسة النقد الأوروبي وبدئ بتفحص البلدان التي تريد الانضمام إلى المعاهدة ومدى تطبيقها للشروط، وفي آخر مرحلة وكانت في الأول من يناير عام 1999 أسس المصرف المركزي الأوروبي ليكون بديلا لمؤسسة النقد الأوروبي ووضع سعر تبادل اليورو (وسمي في البداية إيكو) مقابل نقد كل دولة تريد اعتماده وكان بالنسبة لألمانيا يورو مقابل مارك وتسعين بفنيغ.
لكن سبق ذلك في الثاني من شهر مايو عام 1998 مؤتمر في بروكسل لإعلان رؤساء دول وحكومات البلدان التي تريد اليورو، ومن بينهم هلموت كول، اعتماد هذا النقد بشكل ثابت، عندها بدأ التبديل. إلا أن كول لم يشهد شخصيا عملية الانتقال لأن حزبه خسر في الانتخابات البرلمانية في شهر سبتمبر من نفس العام، وبالتالي لم يعد مستشار.

ومن الغريب أنه يعترف اليوم بأنه تصرف كالديكتاتور فيما يتعلق باعتماد اليورو، ويبدو أنه يشعر بالذنب بعد أن أصبح عجوزا مريضا، ففي آخر تصريحاته اعتراف بأنه اقترف خطأ فيما يتعلق بالإجراءات التي اتخذت لاعتماد اليورو والسرعة التي نفذ بها تغيير النقد الوطني بالعملة الجديدة وبأن عملية التبديل كانت غير ديمقراطية وكان يجب إجراء استفتاء شعبي ديمقراطي حولها. كما أقر بأنه كان يعرف تماما بأنه لن يفوز لو طرح المسألة على التصويت الشعبي لكنه نفذها لقناعته التامة يومها بأنها خطوة صحيحة، فاعتماد اليورو يمنع وقوع حرب مرة أخرى في أوروبا لأن مصلحة الجميع ستكون حماية النقد الواحد. كما اعترف بأنه شعر فيما بعد بشيء من الانزعاج، لكن التناقض كان قويا حتى بين المصرفيين والتجار والاقتصاديين واعتمدوا مبدأ نعم ولا معا، لذا كان الوضع يتطلب رجلا قويا يتخذ قرارا.

مع ذلك لا يتردد عن ذكر جوانب إيجابية في النقد الأوروبي، فهو يوفر دعما لكثير من اقتصاديات بلدان في الاتحاد الأوروبي ويفتح الأسواق على بعضها البعض، كما لم تعد هناك حاجة لصرف العملة في المعاملات المالية أو التجارية بين بلدان اليورو وهذا يوفر الملايين ويعزز مجالات مالية ومصرفية وتجارية كثيرة، ما يعني أنه يفكر كرجل أعمال ورجل مال وليس كمستشار كل الألمان.
لكنه لم يعترف بأن اعتماد اليورو لم ترافقه آليات كان يجب أن توضع لوقف التجاوزات، فبعد أشهر قليلة جدا من اعتماده اتضح أن الطرف المتضرر هو المواطن العادي الذي أصبحت السلعة أيا كان سعرها مرتفعة الثمن مقارنة مع سعرها يوم كان التداول بالنقد الوطني. فبدلا من صرف اليورو كما نصت الاتفاقية صرفت واحدا مقابل واحد لذا فقدت بذلك العملة الوطنية قيمتها بسرعة هائلة وهددت بالأخص كيان كثير من العوائل التي كانت بالأصل تعاني من مشاكل مالية، وهذا أمر لم يتمكن لا كول ولا الاتحاد الأوروبي فيما بعد من ضبطه مما زاد من النقمة على النقد الأوروبي.

حياته الخاصة غير عادية
طوال 16 سنة من حكمه احتل المكانة الأولى في حياة كول ثلاثة أشخاص فريدريش بول المتخصص بالشؤون الخاصة في ديوان المستشارية، وسكرتيرته التي كانت مثل ظله يوليانا فيبير وبدأت العمل معه عام 1963 حتى أن البعض تساءل عن الدور الذي تلعبه أيضا في حياته الخاصة، ثم انطون بفيفر وزير الدولة في المستشارية، فهم كانوا يرافقونه منذ الساعة السابعة والنصف صباحا وحتى نهاية يوم العمل ويمتد عادة حتى ساعات متأخرة من الليل.

التقى بزوجته هانيلورا وكان هو في الـ18 من العمر وهي في الـ15 وتزوجا عام 1961 بعد أن أكملا دراسة جامعية وظلا معا إلى يوم وفاتها منتحرة. حياته معها كانت غير مستقرة حسب قول المقربين لكن لم يتجاسر أحد على قول أي شيء بسبب سلطته واليوم صدرت كتب عن علاقته المتدهورة بزوجته تستند إلى القليل من المعلومات الحقيقية لصعوبة الحصول عليها.
وعندما كانت تتجاسر بعض الصحف الصفراء على كتابة بعض الأسطر عن علاقته بسكرتيرته فيبير كانت لا تذكر اسمها خوفا من «عقاب المستشار» مما جعل وسائل الإعلام خالية من أي خبر له مضمون عنهما، لكنها عندما ظهرت مع كول في عرس ابنه بيتر في إسطنبول يبدو أن الصحافة سمحت لنفسها بطرح السؤال عن سبب غياب الزوجة ووجود السكرتيرة، فظهر أول خبر خاص عن عائلة كول بأن زوجته مصابة منذ عام 1993 بحساسية من الضوء وهو مرض غريب يدمر الحياة، وبسببه لا تستطيع تحمل الضوء مما جعلها تعيش في ظلمة دائمة وتصاب بالانهيار. وبعد أشهر قليلة أقدمت على إنهاء حياتها بتناول حبوب منومة عندها كثر الحديث عن أنها كانت تعاني من الوحدة الشديدة وأن العائلة وبالأخص زوجها كان منشغلا عنها ولا يراعي وضعها الصحي، ويبدو أنها اختارت الطريق الأسهل ووضعت نهاية لعذابها بعد 42 عاما من الزواج.

زواجه الأخير

بعد اعتزاله السياسة وتخليه عن مقعده في البرلمان الألماني لزم كول منزله في بلدة اوغرسهايم لكنه تعرض لنكسات صحية كثيرة منها إجراء عملية جراحية في القلب ووقوعه على رأسه عام 2008 مما أثر على يده اليمنى التي لا يستطيع تحريكها بشكل جيد كما أن لفظه ساء وفي كل مرة يظهر على العلن تكثر المخاوف بأنها المرة الأخيرة له، حتى إن الإعلام الألماني تحضر قبل عامين لإعلان وفاته لكن أمله خاب وهو يعيش اليوم مع زوجته الثانية هايكه كول ريشتار البالغة من العمر 49 سنة وهو تجاوز ال83 سنة.
واللافت أن زوجة كول الاخيرة ليست من عائلة محتاجة أو فقيرة كي تتزوج من عجوز مريض غني فهي حاصلة على دبلوم في العلوم الاقتصادية وتعمل صحافية متخصصة بالشؤون الاقتصادية والمالية. ومع أنها تقول إن علاقتها بكول بدأت عام 2005 أي بعد وفاة زوجته بأربعة أعوام فإن أحد الصحافيين أكد أن العلاقة بدأت قبل ذلك بكثير عندما كانت تعمل في وزارة الاقتصاد. وفي الثامن من شهر مايو عام 2008 تزوجا في كنيسة صغيرة في أحد المستشفيات وكان كول يعاني من وعكة صحية وذلك بغياب ولديه بيتر وفلتر ويقال إنه لم يدعهما بسبب الخلافات بينهم.
ومع أنه لا ينقطع عن الحياة السياسية فإن الكثيرين يتهمون زوجته بأنها تسيطر على حياته بشكل كامل، فهي ترعاه وتهتم بكل شؤونه وتحميه وتقرأ له الصحف والتقارير لكنها في الوقت نفسه تراقبه حتى أن معارفه القدماء يشتكون من سلطتها عليه مما جعلهم يقطعون أي صلة به. وهي تختار الأشخاص الذين يحبون زوجها حقيقة وتدعوهم إليه، وعندما تغيب بضعة أيام لأمر ما تترك أقرب الأصدقاء لديه كي لا يكون وحيدا، لكن كل شيء يجب أن يمر من تحت يدها، مع ذلك يقول: «من دونها لما بقيت على قيد الحياة».

Share: