on : الإثنين, 2 Jun, 2014
Comments Off on “نادي القرن”.. سلطة الظل في فرنسا

“نادي القرن”.. سلطة الظل في فرنسا

من أحد المجمعات التجارية في باريس

من أحد المجمعات التجارية في باريس

كل مساء من آخر أربعاء في الشهر، يلتقي على بعد رمية حجر من قصر “الأليزيه” في باريس الواقع في شارع “فوبروغ سان هونوريه” ما بين 200 و250 شخصًا من أهل المال والأعمال والسياسة وكبار الموظفين والصحافة في إطار العشاء الشهري في أحد أشهر المنتديات القائم قريبًا من دارات سفراء الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا واليابان. وليس بعيدًا من هناك في هذا الشارع الشهير استقرت أشهر الماركات الفرنسية للمجوهرات والثياب التي توفر متعة المتسوقين من الصين واليابان وروسيا وبلدان الخليج..

المكان تفوح منه رائحة السُّلطة والمال والنفوذ والنجومية والشهرة. والمناسبة، رغم دوريتها، تحاط بهالة من الأسرار؛ لا أحد يتحدث عما يجري داخل هذه العشاءات المنتظمة، لا لائحة متوافرة للضيوف، لا صورًا ولا ضجيجًا إعلاميًّا.

قبل أن ينتقل إلى شارع “فوبورغ سان هونوريه”، كان هذا الجمع المختار يرتاد لعشاءاته الشهرية طيلة سنوات “نادي السيارات” المطل على ساحة “الكونكورد” ومسلتها الفرعونية الشهيرة، قريبًا من فندق “كريون” بمواجه مبنى البرلمان على الضفة اليسرى لنهر السين.

من هم هؤلاء؟ إنهم أعضاء “نادي القرن” {Le Club du Siècle} الذي ترنو إلى دخول هيكله عيون الطامحين بالوصول إلى منصب مرموق، أو الانتماء إلى دائرة ذوي السلطة والجاه، أو إلى تلك المجموعة من الناس التي لها “كلمتها” في شؤون السياسة والاقتصاد والمال والفكر والصحافة والفن على أنواعه.

هم ليسوا جمعية سرية، ليس لديهم فكر معين أو فلسفة، لا هم من اليمين ولا هم من اليسار؛ لأنهم من اليمين واليسار والوسط، وكذلك ممن لا ينتمون إلى أحزاب. إنهم فوق الأحزاب, ربما من الحري القول إن الانتماء الحزبي لديهم يقف عند الباب ولا يتخطاه، لا مدرسة سياسية تجمعهم، إنهم يشكلون “ناديًا” ولكنه من نوع خاص، أعضاؤه هم من تجد بعضهم في السلطة اليوم، وتجد بعضهم الآخر في السلطة غدًا، يتبادلون الأدوار ويتناوبون على المناصب، يعيشون مع بعضهم البعض، إنهم النخبة، إنهم السلطة غير الرسمية لكنها السلطة الحقيقية.

تأسس “نادي القرن” في العام 1944 قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية، ورخص له رسميًّا في العام 1946. ورغم مرور 68 عامًا على انطلاقته، فما زالت ملامحه غامضة، يثير التساؤلات خصوصًا لدى الذين لا يجدون بابًا للدخول إليه أو لمعرفة سره. هو أنه ليس ناديًا سياسيًّا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، وليس ناديًا اجتماعيًّا فقط لأن في لدنه تمتزج العلاقات الاجتماعية بالمواضيع الفكرية والسياسية، ليس رابطة لمتخرجين من مدرسة كبرى أو من منطقة معينة؛ لأنه يجمع كافة المناطق وكل الاختصاصات.

لعل أفضل تعريف ينطبق عليه هو “نادي أصحاب النفوذ” الذي يضم وفق الأرقام المتعارف عليها حوالي 900 شخص منهم 750 عضوًا، والآخرون يدخلون في فئة “المدعوين” أي المؤهلين للتحول إلى أعضاء بعد فترة اختبار. ويشرف على النادي مجلس إدارة مؤلف من 16 عضوًا، وترأسه حاليًّا النقابية السابقة “نيكول نوتا”.

لعل أفضل تعريف ينطبق عليه هو “نادي أصحاب النفوذ” الذي يضم وفق الأرقام المتعارف عليها حوالي 900 شخص منهم 750 عضوًا، والآخرون يدخلون في فئة “المدعوين” أي المؤهلين للتحول إلى أعضاء بعد فترة اختبار

النادي “مغلق” بمعنى أنه لا يقبل أي عضو جديد إلا عن طريق “التوصية” من عضوين أحدهما يجب أن يكون من بين أعضاء مجلس الإدارة الذي يصوت على عملية القبول وفق آلية خاصة به. ولم تعرف تفاصيلها حتى كشف عنها كتاب لاقى رواجًا منقطع النظير ألفه الصحافي الفرنسي “إيمانويل راتيه”. وبحسب ما جاء فيه، فإن الانتخاب أشبه بالطقوس السرية، إذ يعطى كل عضو من أعضاء مجلس الإدارة كرتان للتصويت واحدة بيضاء وتعني القبول، وأخرى حمراء وتعني الرفض. ويتعين على المرشح أن يحصل على ثلثي الكرات البيضاء. وكل كرة حمراء تساوي كرتين بيضاوين، ويرفض قبول المرشح إذا صوت ضده ثلاثة أعضاء من المجلس.

المفارقة أن “نادي القرن” الذي يضم مجموعة من المشاهير تجذب بحضورها الأضواء حريص على البقاء بعيدًا عنها، فموقعه الإلكتروني {www.lesiecle.fr } شبه فارغ؛ إذ لا يضم سوى صورة رئيسته، وثبت بمجلس إدارته وبالرؤساء السابقين الذين تداولوا الرئاسة منذ تأسيسه، وفقرة عن الهدف من إنشائه تعود لسبعين سنة خلت. وبحسب “إيمانويل راتيه”، فإن مؤسسه “جورج بيرار- كيلين” كان ينتمي إلى جمعية ماسونية، وأن ما بين 15 إلى 30 بالمائة من أعضائه هم من الماسونيين. وينفي “راتيه” أن يكون الانتماء إلى الديانة اليهودية أحد شروط قبول الانتساب إلى النادي. بيد أن كثيرين يجدون أوجه شبه بين طرق الماسونية ونادي القرن خصوصًا لجهة تواجد أهل السلطة والنفوذ، وتبادل الخدمات بغض النظر عن الانتماء السياسي أو العقائدي. ومن الانتقادات الموجهة للنادي الشهير ما أوحى به فيلم “كلاب الحرس الجديدة” من وجود “تواطؤ” بين النخب الاقتصادية والسياسية والإعلامية، وتبادل المصالح والمنافع.

من مفارقات النادي أن رئيسته امرأة (لأول مرة في تاريخه تحتل امرأة هذا المنصب) بينما النساء داخله يشكلن أقلية ضيقة للغاية. وخلال عقود، كانت المرأة مستبعدة من صفوف النادي الذي يضم في الوقت الحاضر وجوهًا سياسية واجتماعية ومالية وإعلامية معروفة.

الواضح أن المعالم السياسية والإيديولوجية تمحى داخل النادي، وتحل محلها أولوية الانتساب إليه والروح “العائلية” التي تلف أعضاءه.

يقول أحد قدامى الأعضاء وهو صحافي معروف تحدث لـ”المجلة” إن نادي القرن هو “رابطة” غرض أصحابها، كل في مجاله، زيادة نفوذهم وتوسيع دائرة معارفهم، والبقاء قريبًا من دوائر القرار. ويضيف هذا الصحافي: “إن بعض التعيينات في المراكز العليا للإدارات لا يمكن أن تفهم إن لم نأخذ بالاعتبار وجود “نادي القرن” وما يتيحه لأعضائه من مداخل ووساطات ومنافع”. وتدل لائحة المنتسبين كما نشرها “إيمانويل راتيه” في كتابه المذكور على وجود سياسيين من الطراز الأول بين صفوفه منهم وزراء اشتراكيون سابقون وحاليون من أمثال “روبير بادينتير”{عدل}، ومارتين أوبري {شؤون اجتماعية}، وجان بيار شوفينمان {دفاع}، وأليزابيت غيغو {عدل}، وإيونيل جوسبان {رئيس حكومة}، وبرنار كوشنير {صحة وخارجية}، ومانويل فالس رئيس الحكومة الحالي، وأوريلي فيلبيتي {ثقافة}، لا بل إن من بين الأسماء الواردة في الكتاب الصادر عام 2011 اسم “فرنسوا هولند”، رئيس الجمهورية الحالي، وجان بيار جوييه {سكرتير عام الأليزيه حاليًا}، وجاك لانغ {رئيس معهد العالم العربي}، وهوبير فيدرين {الخارجية}.

أما في معسكر اليمين فإن الأسماء اللامعة لا تقل شأنًا، وتضم الرئيس السابق “نيكولا ساركوزي”، ورؤساء حكومات أمثال “ألان جوبيه، وفرنسوا فيون” ووزراء سابقين مثل رشيدة داتي {عدل}، وفرنسوا بيرو {مرشح رئاسي سابق ووزير التعليم الأسبق}، وجانيت بوغراب {وزيرة دولة}، وفاضلة عمارة {وزيرة دولة}، وأريك بيسون {صناعة}، ولوك شاتيل {تعليم}، وجان فرنسوا كوبيه {رئيس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني المعارض}، وكزافيه داركوس {تعليم}، وناتالي كوسيوسكو موريزيه {مرشحة اليمين لرئاسة بلدية باريس}، والعشرات غيرهم من اليمين واليسار.

ما يقال عن عالم السياسة يقال مثله عن عالم الاقتصاد والمال والثقافة والإعلام والسينما والوظائف العليا، والقطاعين العام والخاص، إلى درجة أن كثيرين لا يترددون في النظر إلى “نادي القرن” على أنه “دولة داخل الدولة.. الحكومات والعهود تمر وهو باق”. وقد بلغت النقمة حدًّا دفعت بالمئات إلى التظاهر دوريًّا أمام مكان التقاء النادي في عشائه الشهري للتعبير عن غضبهم الذي كانت الشرطة تقابله بتوقيف العشرات واستخدام القوة لتفريقهم، لكن هذه الحركة الاحتجاجية بقيت قاصرة ولم تؤثر إطلاقًا لا في شهرته ولا في الرغبة الجامحة في الانتساب إليه.

واضح أن ” الانتقائية” هي السمة الغالبة على هذا النادي من نوع خاص، وواضح أيضًا أن أعضاءه يريدون أن يعيشوا في ما بينهم، وبعيدًا عن كل ما من شأنه أن يعكر أجواءهم ومزاجاتهم فضلاً عن أنهم حريصون على المحافظة على صورته كما هي. من هم في الداخل لا يحبذون وجود أعضاء فيه من أصول مهاجرة، ولا يريدون سودًا أو سمرًا أو صفرًا أو عربًا حتى وإن كانوا من الأثرياء أو النابغين, هم من البيض ولا يريدون إلا بيضًا. أما وإن وجد من لا تنطبق عليه هذه الصفات فهو من قبيل الاستثناء، والاستثناء كما هو معروف لا يشكِّل القاعدة.

Share: