on : الأحد, 1 Jun, 2014
Comments Off on حسين الصدر: “الدولة” يجب أن تقف على مسافة واحدة من الأديان

حسين الصدر: “الدولة” يجب أن تقف على مسافة واحدة من الأديان

المشترك الإنساني

يؤكد السيد حسين إسماعيل الصدر أن الدولة لايمكن أن تكون "دينية"، لأن هذا ينافي الدور المحدود المناط بها، وهي تسيير شؤون الناس في أمورهم وشؤونهم المادية والاجتماعية، ولذلك يجب عليها أن "تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان".
المرجع الديني العراقي حسين الصدر

المرجع الديني العراقي حسين الصدر

السيد حسين الصدر مرجع ديني عراقي يقيم في مدينة الكاظمية في بغداد، يميل في اطروحاته إلى الاعتدال والتأكيد على المشترك الإنساني بين جميع الأديان، يشرف على مؤسسة “الحوار الإنساني” ومقرها الرئيسي في لندن، وتهدف بحسب القائمين عليها إلى “تحويل الحوار الى ظاهرة انسانية عالمية، تغطي كافة المساحات المعرفية، وإحداث تفاعل حضاري بناء بين الأفراد والجماعات”.
مجلة “المجلة” التقت الصدر، فكان هذا الحوار…

في طروحاتكم الفكرية تعطي للإنسانية دورًا كبيرًا، ألا يتناقض هذا مع دوركم كرجل دين يجب أن يمثل الدين في المجتمع، ويمتثل له الإنسان؟

الدين لم يُرسل من الله سوى لتحسين الحياة البشرية، فالدين هو للإنسان وليس الإنسان للدين، إن الدين جاء ليخدم الإنسان وليس الإنسان مخدومًا للدين. يجب أن لا يستخدم الدين لقمع الإنسان وإكراهه وتقييده بالقوة، بل كل ما يقوم به الدين هو إرشاد الإنسان إلى الطرق التي تحسن من أنماط حياته، وتعطيه الشعور بالسعادة وتثريه بمعاني الحياة.
وعليه كل ما نثري خطابنا بالإنسانية سنقترب أكثر من جوهر الأديان، وبقدر ما نهتم بهموم الإنسان سيكون همّنا همًّا دينيًّا مقدسًا من منظور الرؤية المعنوية تجاه الإنسان والحياة. وأنا بوصفي رجل دين، يفرض عليَّ الدين أن أبذل كل ما بوسعي في خدمة الإنسانية، ونشر قيم المحبة والمودة والأخلاق السامية التي من شأنها أن تحسن حياة البشر ماديًّا ومعنويًّا.

يتهم البعض هذا النمط من التفكير بأنه متأثر بالفكر الغربي وليس بأصيل، بل هو انحراف يدعو إلى عزل الدين عن المجتمع، ما رأيك؟

الاشتراك في بعض النقاط لا يعني التأثر أو الاقتباس. ما أفهمه من النظرة الإنسانية هو مقتبس من النصوص الدينية حسب فهمي منها وليس فرضاً لفكر معين عليها. لا أنفي أن هناك نصوصًا توحي بخلاف النزعة الإنسانية للدين، ولكنه لا يصحّ أن نفهم تلك النصوص منفصلةً عن الرؤية الشاملة للدين، مضافًا لوجود ما يسمى بالنصوص الدخيلة التي لا صحة لها دينيًّا، وهي ليست صادرة من المشرّع المقدس.

وأما التأكيد على النزعة الإنسانية والوقوف أمام المشاريع السلطوية التي تريد فرض رؤية دينية محددة على المجتمع لا يعني بالضرورة فصل الدين عن المجتمع وحصره في العلاقة الفردية. ما لا يصحّ هو الفرض والإكراه والإجبار لرؤية دينية محددة، فلا يمتلك أحد منا كل الحقيقة لكي يحق له فرضها على المجتمع، وفي فرض امتلاكها أيضًا لا يهدف الدين إلى هذا النوع من الدور السلطوي.

إن الدين يقوم بدوره الاجتماعي ضمن السياق العام لسنة الاختيار الذي منحه الله للبشر، فكلنا مختارون ولنا جميعًا حقوق متساوية في المجتمع؛ فلنا كمتدينين أن ندعو إلى القيم الدينية دون المحاولة لفرضها، وبالمقابل أيضًا حقوق متساوية، وأما حالات الاختلاف والتعارض فيحكم فيها القانون العادل غير المنحاز لهذا الجانب أو ذاك. علمًا أن هناك حقولاً مشتركة من القيم بين الديانات المختلفة، بل وحتى بين المتدينين بشكل عام وغيرهم، فمثلاً يتفق الجميع على حسن الصدق وقبح الكذب، ولا يوجد شخص عاقل في العالم يعتقد بحسن قتل النفس البريئة وغير ذلك من الأمثلة التي تبرهن على وجود قيم إنسانية مشتركة بين جميع البشر.

هل ما ذكرته يعني تعطيل الشريعة وعدم تطبيقها في المجتمع؟

هناك أمور كثيرة تختلط في هذا البحث ما يؤدي إلى ظهور سوء فهم للمسألة. سأحاول أن أبين الأبعاد المختلفة لهذه المسألة في نقاط:
أولاً: أن الشريعة ليست فقط القوانين القضائية المرتبطة بالعقاب فقط، بل هي تشمل حقولاً ومساحات واسعة من الحياة البشرية من العبادات والسلوك الاجتماعي والتربوي وغير ذلك. وإن الكثير مما ذكرته الشرائع السماوية هو مقبول من قبل المجتمعات البشرية ومعمول به حتى في الأنظمة غير الدينية.
ثانياً: الدعوة للشريعة لا يعني بالضرورة الدعوة لفرضها، كما أن المخالفة لفرض الشريعة لا يعني تعطيلها. ما ندعو إليه هو فسح المجال للمتدينين بالعمل وفق شرائعهم المختلفة دون المحاولة لفرضها على الآخرين ممن لا يؤمن بها. كما أن الحرية يجب أن تكون متاحة لغير المتدينين، وذلك ضمن أطر قانونية عامة تضمن العدل والمساواة للجميع.

ثالثاً: الشريعة الخاصة بدين محدد مثل الإسلام ليس متفقًا على جميع قضاياها بين المتدينين أنفسهم، ناهيك عن مجتمع تعددي مثل مجتمعنا العراقي الذي يعيش فيه أتباع ديانات مختلفة. فلا يصحّ المحاولة لفرض فهم محدد من الشريعة الإسلامية على الجميع، فسيعترض على ذلك من يختلف في فهمه الفقهي قبل أن يعترض عليه الآخرون من المعتنقين لديانات أخرى. فلندع السلوك الديني للمتدينين لفقهائهم، ونمنع الدولة من الخوض في أمور اختلافية لا تعنى بالشأن العام المشترك بين جميع أبناء الشعب.

رابعاً: إن كثيرًا مما يعتقد بأنه من الشريعة هو ليس إلا أحكامًا وقضايا زمنية كانت تعمل بها في ظروف تاريخية محددة، وهي ليست من جوهر الدين أساسًا، ولذلك كان الأئمة عليهم السلام يفتون بأحكام مختلفة في هذا الحقل من الشريعة حسب اختلاف الظروف والمقتضيات. فمثلاً أضاف الإمام علي -عليه السلام- الخيول ضمن ما يجب عليه الزكاة بعد ما كانت غير مشمولة به في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-. وعلى هذا القياس إن الكثير مما يذكر في القوانين الجزائية الإسلامية هي ليست أحكامًا نهائية أبدية، والامتناع عن تطبيقها لا يعني تعطيل الشريعة، وشأنها مثل الأحكام التي كانت معمولاً بها في فترة تاريخية محددة بسبب اقتضاءاتها، وحين تغيرت الظروف فستتغير الأحكام بتبع ذلك. وعليه إن معظم الفقهاء من جميع المذاهب لا يعتقد اليوم بالعمل بأحكام الرق رغم أن الآيات والروايات المرتبطة به ما زالت موجودة، ولكن السياق التاريخي والزمني لها مفقود.

هل يعني هذا أنك ترفض قيام دولة دينية؟

الدولة لا يمكنها أن تكون دينية بسبب الدور المحدد التي تقوم به اليوم مقارنة بالدور الشامل المختلف الذي كان لها سابقًا. الدولة ليست إلا لإدارة الشأن العام المشترك بين جميع أبناء شعب واحد ينتمي لديانات مختلفة. إن سلطة الدولة سلطة محدودة بحقول معينة ترتبط بتنظيم الحياة العامة، ولذلك عليها أن تقف بمسافة واحدة تجاه الأديان والمعتقدات المختلفة في البلد. كما أن الدولة ليست هي المؤسسة الوحيدة التي تلعب دورًا في المجتمع، بل هناك مؤسسات اجتماعية أخرى كالأسرة، التعليم، الاقتصاد والدين مما لها من دور واسع للعمل الاجتماعي. وينتج المجتمع الناجح دائمًا من التوافق والانسجام في العمل الجماعي بين هذه المؤسسات الاجتماعية الكبرى، بحيث تحترم الدولة الأديان ومعتقداتها وشرائعها، والاقتصاد الحرّ، والتعليم المنفتح والمتنوع، كما أن المؤسسات الأخرى تلتزم بالقوانين التنظيمية العامة التي تشرعها الدولة في سياق ديمقراطي.

أصدرت فتوى قبل أشهر بضرورة التعامل الحسن مع البهائيين، وهي سابقة جديدة، ما الذي دفعك لهذا الموقف؟

التعامل الحسن مع الآخرين لا ينحصر بديانات معينة، حيث كلنا مشتركون في الإنسانية كما خاطبنا القرآن بالعنوان العام “بني آدم”، وكما قال الإمام علي -عليه السلام- بأن الناس صنفان: “إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”. فكوني لا أتفق مع أتباع ديانة معينة لا يعني أن يحق لي أن أحرمهم من حقوقهم الإنسانية الطبيعية. فقد أوجب علينا الدين أن نتعامل مع البشر بعدل ومساواة حتى مع أعدائنا، كما قال تبارك وتعالى: “وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى”.

استخدمتم عنوان “الحوار الإنساني” للمؤسسة التي تشرف عليها، وهي متخصصة في مجال حوار الأديان والمذاهب، فلماذا هذا الاسم بدلاً من العنوان المتعارف عليه “الحوار بين الأديان”؟

يقوم الحوار على الأسس الإنسانية المشتركة بين البشر من أدلة عقلية ونمط للتفكير ومناهج استدلالية، وقد استخدمت الأديان تلك الأسس باعتبارها قواعد عامة للتفكير. فعنوان الحوار الإنساني يريد أن يوجّه الأنظار إلى تلك الأسس والمناهج العامة للتفكير التي هي مشتركة بين البشر جميعًا، مضافًا أن الحوار يجب أن يتوسع بين المتدينين وغيرهم أيضًا، ولذلك فإن عنوان الحوار بين الأديان يتجاهل وجود فئات وشرائح غير متدينة أساسًا.
لا يمكننا التخلص من النظرات الإلغائية تجاه الآخر والتعصبات الدينية والمذهبية دون الرجوع إلى الأس الأساس المشترك بين جميع البشر وهي الحالة الإنسانية. نحن كلنا بشر قبل أن نكون منتمين لقومية أو ديانة محددة. وفي مرحلة الإنسانية، نشترك في كثير من القيم الأخلاقية والمشاعر النفسية ومناهج التفكير، وهذا ما يمكننا بناؤه لتأسيس حوار شامل يجمع الكل حوله، ويرتقي بنا إلى فهم مشترك أعمق وتعايش بتسامح أكبر.

أصدرتم فتوى مؤخرًا تجيز فيها التصويت للعلمانيين في الانتخابات العراقية، هل هذا يعني أن من الجائز أن يتسلَّم الحكم شخص غير مسلم مثلاً؟

أولاً إن العلماني ليس غير مسلم بالضرورة، بل هو يقول بمجرد فصل الدين عن شؤون السياسة. فالكثير من العلمانيين هم مسلمون ملتزمون بالشريعة الإسلامية في حياتهم الخاصة. ولا ضير من اختيارهم في حال توفر شروط الكفاءة، الوطنية والنزاهة لديهم. فما يجب التدقيق فيه هو الشروط الآنفة الذكر، وليس ديانة المرشحين.
ثانياً إن مسألة الانتخابات وتشكيل الحكومة هي في عصرنا الحاضر نوع الوكالة. ومن المعروف فقهيًّا أنه لا يشترط الإسلام في توكيل أحد بالقيام بأمر ما. إن سوء الفهم في هذا الموضوع جاء من عدم التفريق بين النموذج التقليدي للحكم والنموذج الحاضر. فالدولة في العصر القديم كانت تمثل السلطة المطلقة المهيمنة على حياة البشر، ولذلك فإن وصول غير مسلم إلى السلطة كان يعني فرض قيود على المسلمين ومنعهم من التزاماتهم الدينية. وبذلك كانت الحالة مشمولة للآية الشريفة: “وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً”. ولكن اليوم في الأنظمة الديمقراطية، لا ولاية للحاكم على الشعب، بل هو وكيل منتخب من قبل أغلبية الشعب لإدارة أمورهم العامة، وهو أساسًا ليس شخصًا واحدًا بل مجموعة واسعة من الأفراد والمؤسسات التي تعمل معًا في إطار دستوري معين. فلا مانع من اختيار غير مسلم للقيام بعمل حكومي معين من أعلى مراتب الدولة إلى أدناها.

تتسم علاقات العرب الشيعة بتناقض مثير للجدل من حيث كيفية تنظيمها مع قوميتهم العربية والتشيع المشترك مع القومية الفارسية، كيف ترى طبيعة هذه العلاقة؟

العرب الشيعة ينتمون إلى قبائل عربية معروفة، وهم جزء من الحضارة والثقافة العربية المنتشرة من الخليج إلى المحيط. فلا يمكن فصلهم ونزعهم عن أصلهم، ولا هم يريدون ذلك أيضًا. فهناك الكثير من المشتركات في اللغة، الثقافة، التقاليد وغير ذلك بين الشعوب العربية المختلفة.
وأما التشيع فهو ليس ديانة، بل قراءة وفهم معين من الإسلام؛ كما أن هناك عشرات النماذج من الفهم للإسلام بين المجتمعات المسلمة. فالشيعة العرب يشتركون أيضًا مع إخوانهم العرب في الديانة، كما أن الديانة بشكل عام توحد العرب مع قوميات مختلفة أخرى من الفرس والأتراك والكرد والهنود وغيرهم.
وأما إيران كدولة جارة للعراق فيجمعنا معها مصالح اقتصادية واجتماعية واسعة، ومن غير الحكمة إغلاق بابنا تجاههم، كما أنه من غير الحكمة لهم أيضًا أن يتجاهلوا جيرانهم. وإن كيفية تنظيم العلاقة مع إيران كسائر بلاد الجوار الأخرى يجب أن تتسم بالاحترام المتقابل ورعاية المصالح المشتركة. وهذا لن يتم إلا بالفهم لموقف الآخر والتعامل معه بحكمة وحزم. ويتطلب ذلك قيام مشروع عراقي وطني يجمع كل قوميات وأديان العراق تحت عنوان الأمة العراقية، لننطلق من ذلك إلى قيام علاقات بنّاءة مع كل الأطراف في محيطنا الإقليمي والعالمي.

Share: