on : السبت, 31 May, 2014
Comments Off on الكتابة الأنثوية.. العنصرية باسم “الموضوعية”!

الكتابة الأنثوية.. العنصرية باسم “الموضوعية”!

الشاعر الفلسطيني محمود درويش

الشاعر الفلسطيني محمود درويش

غالبًا ما يتم تناول الفرق بين كتابة الرجل والمرأة بشيء من ادعاء “المساواة” المبالغ فيه، فكثيرًا ما نسمع من ينافحن أو ينافحون عن إبداع المرأة بدعوى أن “الإبداع” هو المعيار، وأن نوع الجنس لا مكان له في هذه العملية، وكأن نوع الجنس لا يحمل معه تجربة مختلفة، ولا ألماً متفاوتًا، ولا تمكينًا متباينًا.

هذا القول يريد الموضوعية بينما يتجاهل”الذات”، وهذه أشنع أنواع العنصرية التي تأتينا من باب الموضوعية. وكأننا نتمثّل -مرة بعد مرة- مقولة جوتة: “المرأة هي الإناء الوحيد الباقي لنا لنفرغ فيه مثالياتنا”؛ والمقصود هنا ليس مثاليات الرجل وحده، بل مثاليات بيوت ومجتمعات بأكملها، تبالغ في ادعاء الموضوعية، بعد أن بالغت عقودًا في الذاتية، ظنًّا منها بأن هذا هو الطريق الأمثل للمساواة.

هذه الموضوعية المثالية قد تأتي بأشكال ومسميات مختلفة، فمرة وسطية وأخرى حيادية؛ تعددت “الأواني” والمثالية واحدة، المثالية التي تحمّلت عبئها المرأة مرة بعد أخرى، ها هي اليوم تتحملها كتابة، بينما الكتابة فعل تحرر وانعتاق تحرر حتى من المسميات وإشكالاتها بين فرد وآخر ، فما بالك بين جنس وآخر ، الكتابة تبحث لذاتها عن بصمة خاصة تذوب فيها كل الأجناس والثقافات والآلام والخبرات، ومع ذلك هناك من يبحث عن مكاسب مساواتية وادعائية حين يبحث، أو تبحث، عن مساواة مفقودة بطرح أفكار مكرورة.

المرأة قد تتمثّل رجلاً حين تكتب، والرجل قد يتمثّل امرأة عندما يكتب، فبالمعنى الفكري والنفسي لا حدود للأنوثة في الرجولة، ولا حدود للذكورة في الأنوثة، هذه الحقيقة التي لا يريد الموضوعيون والماديون سماعها مع أنها هي الحقيقة التي لا بد لنا من تقريرها وتكرارها إذا ما أردنا مساواةً تنبض عدلاً، فكم هوجم نزار لأنه تمّثل المرأة في شعره، مرة بدعوى تسطيح “قضاياها”، ومرات بدعوى التلاعب بمشاعرها، ولو تأملنا كلا الدعوتين لوجدنا فيهما من افتراض المثالية وادعائها ما فيهما، مع أن الرجل ( نزار ) لم يخفِ اسمه وذيّله مع كل قصيدة بـ “وضوحٍ” كان من المفترض أن يُحسب له، وأن يخجل منه كل من يحاول النيل من “خفايا” نواياه!

المرأة قد تتمثّل رجلاً حين تكتب، والرجل قد يتمثّل امرأة عندما يكتب، فبالمعنى الفكري والنفسي لا حدود للأنوثة في الرجولة، ولا حدود للذكورة في الأنوثة

وضوح نزار الذي يربك “المثاليين” لا يشبهه إلا وضوح محمود درويش حين كتب: أنا امرأة لا أقلّ ولا أكثر، تُطيّرني زهرة اللّوز، في شهر آذار، من شرفتي، حنينًا إلى ما يقول البعيد:”المسيني لأُورد خيلي ماء الينابيع” أبكي بلا سبب واضح، و أحبك أنت كما أنت، لا سندا أو سدى (…) لا، لست شمسًا ولا قمرًا، أنا امرأةٌ، لا أقلّ ولا أكثر”.

وهنا درويش لم يكتفِ بالتوقيع، بل نفى أن يكون شمسًا أو قمرًا كما أرادت للمرأة أن تكون سلالات طويلة من “قبائل” التشبيه والاستعارة والمجاز ، فـ “هو” امرأة لا أقل ولا أكثر ، امرأة تبكي بلا سبب واضح، امرأة -على غير العادة- تحب لا بحثًا عن سند ولا سدى.

محمود درويش -وبوضوح أيضًا- يكتب ويحب، بلغته التي يعرفها جيدًا، كامرأة لا أقل ولا أكثر، فيما يترك للعرب العاربة والعرب المستعربة، تفسير “أصول” النوايا، والبحث في شجراتها وشجيراتها؛ عن امرأة اختارت أن تكسر القيد، أو عن رجل اختار أن يسكن القيد!

القيد الذي تُجيد صنعه مثالياتنا، فيما قدر الكتابة، بجميع أجناسها وأفراحها وآلامها، أن تحاول، مرارًا وتكرارًا، الخلاص منه.. قيد مخاتل، صنعتهُ اللغة، بينما حريته، أيضًا، على يد اللغة ذاتها.

مثاليتنا تسعى دومًا -وبمباركة الكثيرين، ذكورًا وإناثًا- إلى تحديد المعنى، ومطاردته من نص لآخر، قراءة وكتابة؛ بغية الإمساك به، مهما كلّف الثمن، فيما المفكر “جون فرانسوا” يقول:”تحديد المعنى بشكل نهائي ذلكم هو مبتغى الإرهاب”.

فهل ما نمارسه بحقنا وبحق الآخرين، حين نقرؤهم أو نكتبهم -سواء كان ذلك داخل بيوتنا أو خارجها، في دوائر معارفنا المحدودة أو في معارضنا المفتوحة- فيه الكثير من الترهيب والإرهاب. هذا على ما يبدو ما تؤكده الكثير من الملاحقات الأدبية والفكرية التي لا يكاد يخلو منها وطن عربي. وهنا كنا لنتمنى لو أن المطاردة توقفت، كما بدأ المقال، عند نوع الجنس، ولكن الحقيقة المرة أكبر من ذلك؛ فلون الفكر أيضًا مُطارد كما رائحة النفَس وكما نوع الجِنس.

وحتى تتوقف هذه المطاردات، نحن بحاجة إلى المزيد من النفَس، حقيقة ومجازًا؛ فالكتابة ومثلها القراءة، قبل أن تكون إبداعًا وفكرًا، هي أيضًا التزام ونفَس لا يتوقف عن الشهيق، فضولاً ومعرفة، ولا عن الزفير، امتنانًا ودهشة.

Share: