on : الجمعة, 23 May, 2014
2

نظرية المؤامرة.. مِن ابن العلقمي إلى ابن الشَّلقمي

سألتُ الصَّديق عبد الرَّحمن شلقم، وزير خارجية ليبيا الأسبق: أرى اسمك ووظيفتك متجانسين مع اسم ووظيفة آخر وزير عباسي مؤيد الدِّين العلقمي (ت 656 هـ)، مع مشابهة في الموقف؟ فأنت وزير وهو وزير، وكلاكما تملكان ثقافة أدبية وتقولان الشَّعر وتحفظانه، وأنت صاحب مكتبة وهو كذلك؟ قال: أما سمعت بمَن جعلني خائناً وقال: هذا ابن الشَّلقمي؟ فاقرأ ما كُتب وما قيل عندما أعلنتُ موقفي في الأمم المتحدة، على أن الوزير مؤيد الدِّين اُتهم بالخيانة العظمى، وأنا كذلك؟

إلا أن ابن الشلقمي وزير بينما ابن العلقمي كان بمثابة رئيس وزراء في عهده، فلم تعرف الخلافة الإسلاميَّة قبل العثمانيين غير وزارتين: التفويض والتنفيذ، والأخيرة حسب ابن الماوردي (ت 450 هـ) يمكن أن يتولاها رجلٌ مِن غير المسلمين (الأحكام السُّلطانية)، وهذا بزعمنا قد يدعم الدولة المدنية.

تعرفت على عبد الرَّحمن شلقم عن قُرب، وبيني وبينه اتصال دائم، لكنَّ بعد الوزارة لا خلالها، فآنذاك لا أظنه كان متفرغاً لي، أو ينظر في ما أكتب ويركز على اسمي، وليس لديه وقت يُسمعني مطولات المتنبي وقد حفظها على ظهر قلب. فهمتُ ذلك عندما قال لي في أول لقاء لنا: هل اطلعت على كتاب “حروف حي” (البابية والبهائية)؟ قلتُ له: إنه كتابي!

كانت كلمات ابن الشَّلقمي في الأمم المتحدة المسمار الأخير في جنازة نظام معمر القذافي (20 تشرين الأول 2011). عندما وقف في مقرها، وكان مندوباً لبلاده، وأعلن استقالته طالباً التدخل لحماية اللَّيبيين. كذلك تعرفت جيداً على الوزير ابن العلقمي، وهو لم يتخل عن الخليفة العباسي، لكنَّ خلافاً لابن الشَّلقمي سعى ابن العلقمي لرد الخطر عن الخلافة العباسية، على أن القذافي ليس المستعصم بالله، وكان ابن العلقمي هو وأسرته وزراء ورؤساء دار الخلافة، والمنصب الأخير، يعني بلغة العصر، التَّشريفات أو الأمانة العامة.

اُتهم ابن الشَّلقمي بالخيانة، وسمعتها مِن على لسان نجل معمر القذافي سيف الإسلام عبر الفضائيات، على أن وزير خارجيتهم وممثل نظامهم في الأمم المتحدة قد خان، فقال فيه ما “لم يقله مالك في الخمر”، أي حذف الضرورات فيه.

لستُ مدافعاً عن الوزيرين: لا ابن العلقمي ولا ابن الشَّلقمي، مع أن هناك مَن ينظر إليهما أكثر دونية مِن نظرة أبي حيان التَّوحيدي (ت 414 هـ) لوزيري زمانه: ابن العميد(ت 367 هـ) وابن عباد (ت 385 هـ)، في كتابه “مثالب الوزيرين” أو “أخلاق الوزيرين”! لكنني انبه إلى نظريَّة أو فكرة المؤامرة، بقيادة الجيوش للتخلص مِن الحُكام وربطها بشخص دون غيره، ليكون أبا رغال العصور كافة، مع أن روايات الاتهام غير كافية وغير ثابتة. لا أُلغي فكرة المؤامرة فتاريخنا السِّياسي، وتاريخ غيرنا، معظمه مؤامرات، وحتى في النُّظم الدِّيمقراطية تجد المؤامرات حاضرة مع اختلاف المعنى والمقصد، غير أن قصتي ابن العلقمي وابن الشَّلقمي تبدوان مختلفتان.

أتذكر أن أحد معارفي كان أبيض اللَّون وله عينان زرقاوان، وأُخذ مع مَن أُخذ بعد انقلاب البعث والقوميين (8 شباط 1963)، ولم يكن على صِلة بالحزب الشيوعي العراقي، لا مِن بعيد ولا قريب، فصفعه المحقق قائلاً: “كيف لا تكون شيوعياً ووجهك يشبه وجه خرشوف”؟ زعيم الاتحاد السُّوفيتي الأسبق. هكذا قيست (خيانة) ابن الشَّلقمي على (خيانة) ابن العلقمي بدلالة الاسم والوزارة أيضاً.

قلتُ كتبتُ كثيراً، وكثيراً جداً، عن ابن العلقمي، عندما صار الفشل والحماقات يبرران بوجود خيانة. فهل كان النِّظام العراقي السابق سوياً حتى لا يجذب الجيوش بهذه الكثافة لتجتاح العراق؟ وهل كان سوياً مع شعبه كي يحتاج إلى ابن علقمي ليتآمر عليه ويتحمل ما حصل؟ بالمقابل هل كان نظام القذافي سوياً كي لا يقف ابن الشَّلقمي داعياً الأُمم المتحدة بإنقاذ الشَّعب الليبي من حماقاته؟ لو لم يقف ابن الشَّلقمي، ولا أولاد أحفاد ابن العلقمي (المعارضة العراقية السَّابقة)، فهل كانت الدول تمتنع من دخول العراق أو ليبيا؟ والسُّؤال يُطرح أيضاً: لو لم يكن ابن العلقمي موجوداً هل استمرت الخلافة العباسية، ولم يدخل المغول بغداد؟ الجواب قطعاً لا.

لا أُعيد ما كتبته عن براءة ابن العلقمي، ومحاولاتي المتواضعة في كشف الأكاذيب في التَّاريخ، ومنها خيانة ابن العلقمي، وقبلها خُطبة طارق بن زياد(ت 120هـ)، وهو يستعد للعبور إلى أسبانيا، وأكذوبة رفس الخليفة عمر بن الخطاب (اغتيل 23 هـ) للسيدة فاطمة الزَّهراء(ت 11 هـ)، أو قول علي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ) في أهل العِراق “يا أهل الشقاق والنفاق”، بينما قائلها كان عبد الله بن الزبير (قُتل 73 هـ)، أو وجود عبد الله بن سبأ(لا تأريخ لوفاته لأنه لا وجود له)، أو فارسية أبي حنيفة (ت 150 هـ)، والمساهمة بكشف ما انتحله ابن خلدون (ت 808 هـ) مِن “رسائل إخوان الصفا”، وغير ذلك كثير.

فمَن يريد الإطلاع على ما يخص براءة الوزير ابن العلقمي ليراجع ما كتبناه في “معتزلة البصرة وبغداد” و”الأديان والمذاهب بالعراق” و”لا إسلام بلا مذاهب”، ومقالات في “الشرق الأوسط” منها “أي مفاتيح سلمها ابن العلقمي”، وفي الاتحاد الإماراتية ضد ما نشره اتحاد “اتحاد علماء المسلمين” ورئيسه الشَّيخ يوسف القرضاوي تحت عنوان “يا أحفاد ابن العلقمي”، وفي صحف أُخر ومنها الرد على وزير إعلام أُردني سابق.

وصلنا مِن محبين مما كُتب ضدنا في هذه القضية بالذات، على أننا هتكنا ستر التاريخ، في براءة ابن العلقمي، طالبين مني الرَّد على ما كُتب، فلم أرد معتبراً أن الرد لا يكون إلا مَن له شغل في التاريخ والتراث، أما أن ينفي براءة هذا الوزير بلا قرينة فلا رد عليه، إضافة إلى ما وشحت به تلك الكتابات بالاتهامات والشتائم الرخيصة. هذا مِن جانب ومِن جانب آخر مَن يكتب لا بد أن يكون له محبون ومبغضون، والرَّد على المبغضين تبني البغض نفسه.

الشَّيء بالشَّيء يُذكر، لقد سبق اتهام ابن العلقميّ بتسليم مفاتيح بغداد للمغول اتهام آخر ابتليَ به علويّ من أهل نيسابور بتسليم مفاتيحها السنة 548هـ إلى جدِّ هولاكو جنكيز خان (ت 624هـ)، واُتهم الخليفة النَّاصر لدين الله (ت 622 هـ) أيضاً بهذه المؤامرة، تصوروا أن يُتهم الخليفة بالتَّآمر على عرشه؟

في التهمة الأولى قال ياقوت الحمويّ (ت 626هـ): «زعم قوم أنّ علويّاً كان متقدمًا على أحد أبوابها (نيسابور) راسل الكُفار يستلزم منهم على تسليم البلد، ويشترط عليهم أنهم إذا فتحوه جعلوه متقدمًا فيه، فأجابوه إلى ذلك ففتح لهم الباب، وأدخلهم، فأوّل مَن قتلوا العلويّ ومَن معه»(معجم البلدان).

ويأتي خبر تهمة الثانية بقلم المؤرّخ ابن الأثير (ت 630 هـ)، يتهم فيه أحد أقوى الخلفاء العبّاسيّين المتأخرين، ولعلَّ السبب لأنه أنهى نفوذ السلاجقة وهم على مذهب صاحب الخبر. قال: “وكان سبب ما ينسبه العجم إليه صحيحاً مِن أنه هو الذي أطمع التَّتر في البلاد، وراسلهم في ذلك، فهو الطَّامة الكبرى، التي يصغر عندها كلّ ذنب”(الكامل في التاريخ).

ختاماً لنا بتعجب واستغراب المؤرخ علي ظريف الأعظمي (ت 1958)، وهو الحَنَّفي المذهب، من روايات خيانة ابن العلقمي ومما نُسب إليه، ما لا يُشك بميل طائفي، ذلك إذا اعتبرنا ابن العلقمي كان شيعياً، والرَّجل كان مخلصاً لخليفته: “لا يُعقل أن يزحف هذا الفاتح (هولاكو) بجنود جرَّارة على مركز الخلافة الإسلامية بتحريض من ابن العلقَمي وزير الخليفة. فلو سلمنا جدلاً للقائلين بذلك، إذن فمَنْ الذي قد حرَّضه على فتح كيلان وخراسان وأصفهان وهمذان وجميع البلاد الفارسية ولا يخفى مقدار ما يعانيه مَنْ يقوم بمثل هذا العَمل الكبير. ومَنْ الذي دعاه لأخذ الجزيرة، وما يليها ومُلك الخوارزمية، ومَنْ أطمعه في آسيا الصغرى وسوريا”(مختصر تاريخ بغداد في القديم والحديث)؟! نحن أيضاً نسأل مع الشيخ الأعظمي كلَّ هذه الأسئلة!

إذا كان صديقنا ابن الشَّلقمي قد طلب من الأمم المتحدة أن تتدخل لحقن دماء الليبيين، مِن نظام عاتٍ، مذكرها بأنها كانت وراء نشأت ليبيا الحديثة، والدول لم تأت نتيجة لطلبه إنما كان المقرر هكذا، فإن زميله ابن العلقمي لم يطلب ذلك إنما توسل من الخليفة أمرين: إرسال هدية كبرى لهولاكو وهو بهمدان، لحماية العرش، ولما تعذر ذلك رجاه أن يصرف له مالاً كافياً لبناء جيش قادر على المواجهة، وفشل بذلك لأن في القصر كانت قد أحيكت مؤامرة لاستبدال الخليفة بالابن، وقد كشفها ابن العلقمي للمستعصم بالله، فصار عدواً لبقية الحاشية (الهمداني، تاريخ المغول).

على أية حال وجد الوزير ابن العلقمي مَن يشيل وزر (المؤامرة) معه، ألا وهو صديقنا ابن الشَّلقمي. لابن العلقمي، وقد جهد في النِّصح: “كيف يرجى الصلاح من أمر قوم/ ضيعوا الحزم فيه أيِّ ضياع/ فمطاع الكلام غير سديد/ وسديد الكلام غير مطاع”(الحوادث الجامعة).

Share: