on : الأحد, 18 May, 2014
Comments Off on العمل التطوعي محرك أساسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية

العمل التطوعي محرك أساسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية

مجتمع التكافل

يشكِّل العمل التطوعي في جميع أنحاء العالم -على تفاوت كبير بين الدول والأقاليم- حالة اقتصادية واجتماعية هي أكبر وأهم بكثير من الانطباع السائد، أو ما يبدو في الوهلة الأولى، وربما يكون العمل التطوعي اليوم أهم قطاع إنتاجي في العالم.
العمل التطوعي مكون أساسي في العمل العام والمشاركة والإنتاج

العمل التطوعي مكون أساسي في العمل العام والمشاركة والإنتاج

اقتصاديات العمل التطوعي في العالم تتجاوز التريليون دولار، ويشارك فيها حوالي مليار شخص، وبالإضافة إلى أبعادها الإنسانية وما تمنحه للأفراد والمجتمعات من معنى كبير فإن العمل التطوعي في الحقيقة يمثل مدخلاً أساسيًّا لا يمكن الاستغناء عنه في جميع الأحوال في التشكلات الاجتماعية والسياسية والاختيارات الطبيعية للنخب والقادة المحليين والاجتماعيين، وعلى أساسه يتقدم المواطنون غالبًا في مجتمعاتهم وبيئتهم التي يعملون ويعيشون فيها، ذلك أنه وببساطة درجت الأمم في التاريخ والجغرافيا أن تقدم الناس على أساس الأكثر قدرة وحرصًا على خدمتها، وفي التراث العربي والإنساني أيضًا أن سيد القوم خادمهم (ليس مؤكدًا أن العبارة حديث نبوي وإن عرفت أنها كذلك في التراث)، وهي مقولة تعني أن من يسود جماعة يجب أن يخدمها، أو أن من يخدم جماعة يصبح سيدها.

وحسب دراسة للأستاذ أحمد فتحي النجار يقدر عدد المشاركين في العمل التطوعي في الولايات المتحدة بأكثر من 62 مليون مواطن، تشكل نسبة العاملين في المنظمات الطوعية 10 في المائة من القوى العاملة، وقدرت اقتصاديات العمل التطوعي في عام 2010 بحوالي 173 مليار دولار، وتقدر في بريطانيا بحوالي 50 مليار جنيه إسترليني، ويشارك فيها حوالي 22 مليون شخص، وكان عدد المشاركين في العمل التطوعي في أستراليا ثلث القوى العاملة (أكثر من 5 مليون شخص) تقدر مساهمتهم الاقتصادية بـ 713 مليون دولار، وكان عدد المتطوعين في أوروبا لعام 2011 حوالي 140 مليون شخص قدرت مساهمتهم بـ 227 مليار يورو.

ويبدو من نافلة القول أن العمل التطوعي في دول الشمال أكثر رسوخًا وتطورًا برغم أن الحاجة إليه أكثر إلحاحًا في الدول النامية، ولكن المشهد ليس قاتمًا، وبخاصة إذا نظرنا إلى العمل التطوعي بمفهومه الواسع ليشمل بالإضافة إلى المساهمات والجهود الفردية في الخدمة العامة بلا مقابل المؤسسات الطوعية والخيرية غير الربحية، وكذلك التبرعات التي يقدمها المواطنون باعتبارها أيضًا محصلة جهود وأعمال منتجة، ويمكن ببساطة ملاحظة الإسهامات السعودية والخليجية حول العالم في الإغاثة والتنمية، وهي مبادرات ومشروعات تساهم في خدمة المجتمعات ومواجهة الكوارث والأزمات.

التطوع في العالم العربي

ويمكن ملاحظة شبكة معقولة في الدول العربية من العمل التطوعي، يمكن تطويرها وتفعيلها لتمتد في كل قطاعات العمل العام والمجتمعي؛ التعليم، والصحة والرعاية الاجتماعية، والثقافة والفنون، والرياضة، والخدمة العامة، وحماية المستهلك، والعمل العام والجماهيري.
ويمكن هنا بالطبع إدراج برامج المسؤولية الاجتماعية التي بدأت تنمو بشكل واضح في الدول والمجتمعات العربية، والتي تقوم على مبادرات للشركات ورجال الأعمال.

وقد نظمت شبكة المبادرات التطوعية في الأردن تجمعًا ومسابقة للمبادرات التطوعية، وشارك في الملتقى أكثر من 170 مبادرة، اختيرت أفضل المبادرات من بينها، مثل مبادرة “جهازي حياتي” لمساعدة مرضى السكري، وصيانة المدارس في المدن والبلدات، ومن الواضح عند النظر في هذه المبادرات أننا نحتاج إلى توسعة شبكات العمل التطوعي لتمتد، نوعيًّا وتخصصيًّا وكميًّا، في كل مجالات الحياة العامة واليومية؛ لأننا بذلك فقط نحقق التفاعل المجتمعي مع السياسات الحكومية، وأنشطة وبرامج السوق والقطاع الخاص، حتى تكون في مستواها وجودتها ونوعيتها بمقدار طموح المواطنين واحتياجاتهم؛ ولأجل تمكين المجتمعات واستقلالها وقدرتها على المشاركة في المسؤولية والإصلاح والتنمية. فالإصلاح ليس مسؤولية الحكومة وحدها.

والعمل التطوعي ليس فقط إضافة جميلة إلى حياتنا، ولكنه مكون أساسي في العمل العام والمشاركة والإنتاج. ولا تقف قيمة العمل التطوعي عند نتائجه المباشرة، ولكنه ينشئ متوالية من العمل والإنجاز والإبداع تضاعف قيمته. فالشباب الذين قاموا بصيانة مدرسة المدينة، لم يحسنوا فقط وضع المدرسة، وإنما أنشأوا بيئة جميلة محفزة وإيجابية لكل الطلاب والطالبات والمواطنين، للمحافظة على المرافق العامة والانتماء إليها؛ وتكونت لديهم خبرات متقدمة في احتياجات المجتمع والتعليم، يمكن أن يحاوروا على أساسها المسؤولين في التربية والتعليم، والشركات، وأصحاب الأعمال والمهن؛ لتطوير التعليم والرقابة عليه أيضًا. وهم امتلكوا كذلك خبرات قيادية في العمل مع الفريق، تساعدهم في أعمالهم الأخرى، وتزيد قدراتهم وإبداعهم، وتؤهلهم أيضًا لأن يكونوا قادة محليين واجتماعيين، قادرين على المنافسة والمشاركة في الانتخابات البلدية والنيابية والنقابية، ومنظمات المجتمع المدني والأندية.. وعندما يرتقون في الحياة والعمل سيكون لديهم رصيد وخبرات وشعور نبيل بالمسؤولية، تساعد في تطوير مجتمعاتهم وبلدهم.

حراك اقتصادي وثقافي

العمل التطوعي يساعد الدول والمجتمعات في إقامة حراك اقتصادي اجتماعي إبداعي يحقق التماسك والتطور، ويساعدنا في الإجابة على الهواجس والأسئلة الإصلاحية والتنموية؛ كيف تتشكل قيادات جديدة تحمل الإصلاح، وتكتسب ثقة المجتمعات والمواطنين؟ كيف يتحول قادة المبادرات الاجتماعية والاقتصادية إلى رواد في مجتمعاتهم وأعمالهم وفي الأسواق والمصالح أيضًا، وكيف ننشئ قاعدة اجتماعية واسعة للإصلاح والتنمية في المجتمعات والمدن والبلدات وبين الشباب وطلبة المدارس والجامعات لأننا بذلك نجعل التنمية والحياة الكريمة ملهمة للناس وتجمعاتهم وقدرتهم على التماسك وإدارة احتياجاتهم بأنفسهم، وبأقل كلفة وأفضل فاعلية، كيف نقدم إلى الدول والمجتمعات رؤساء وأعضاء مجالس بلدية على أساس خدمتهم التطوعية؟ وكذلك الأمر في الجمعيات والمؤسسات والاتحادات المهنية والعمالية والأعمال والمصالح، وبذلك فإننا نجعل العمل التطوعي أساسًا للثقة والتقدم المهني!

كيف تتحول هذه المبادرات إلى برامج وتنافس اجتماعي وجدل في الحياة اليومية بين المواطنين بعضهم بعضًا ومع الدولة والشركات، ويمكن أن تنشئ وتطور كثيرًا في حياة الناس ومرافقهم ومؤسساتهم المجتمعية والتعليمية؛ مكتبات عامة، مكتبات للأطفال، حدائق، برامج ومؤسسات رياضية وتعليمية وثقافية، تطوير وتفعيل مصادر الطاقة والمياه في محيط وأفق الحي أو البلدة أو المنطقة؟ المنظمات الثقافية والاجتماعية الناشطة في الواقع وفي شبكات التواصل حول حقوق الإنسان والمساواة والعدالة والحريات وحماية المستهلك وحماية البيئة، ودعم الفئات الاجتماعية الخاصة من الأطفال وكبار السن والمرضى، والناشطون في المسرح والسينما والموسيقى والإبداع الفني والثقافي.. وهذه المبادرات وما يحيط بها من تفاعل اجتماعي وإعلامي وجدل عام يمكن أن تؤثر في السياسات العامة للدول والأسواق، وتقدم أيضًا لونًا جديدًا للنخب والقيادات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فنانون وشعراء ومعماريون، فهؤلاء بمشاركتهم الملهمة للعمل التطوعي يتحولون إلى قادة ونجوم يمكن استثمار تقدمهم العام في التأثير في السياسة والأسواق أو المشاركة فيها بالفعل.

ويمكن تطوير المبادرات إلى أسواق وفرص عمل حقيقية ومنتجة ودائمة، مثل المهن والأعمال المتصلة بالحياة اليومية والأعمال والخدمات المحيطة بها في التعليم والرعاية الصحية والطاقة والحرف الأساسية المتصلة بحياة الناس اليومية، كالتزيين وجلساء الأطفال والحضانات وخدمات المنازل، وهكذا تطور المبادرات الطوعية إلى حرف وأسواق عمل منتجة، ثم يتحول المشاركون فيها إلى قادة ونشطاء اجتماعيين يضيفون معنى إلى حياتهم وشعورًا بالرضا والتكامل الاجتماعي، وقد يتقدم بعضهم في القيادة الاجتماعية والاقتصادية، فيمكن أن نجد من هؤلاء أعضاء في المجالس البلدية والأندية والمؤسسات والبرامج الثقافية والفنية.
وهكذا فإن العمل التطوعي وإن كان يبدأ بمبادرات غير ربحية فإنه يتحول إلى منظومة اقتصادية اجتماعية ومتوالية منشئة لحلقات صاعدة في التنمية، كما أنه (العمل التطوعي) ينشئ حلقة وصل لا يمكن الاستغناء عنها بين الموارد والتشكلات الاجتماعية والثقافية حولها، وتزيد في الموارد وتجددها.

Share: