on : الأحد, 11 May, 2014
1

تشارلز تايلور والهوية.. هل نحن باطن أنفسنا؟

في كتابه الكبير “مصادر الذات في صناعة الهوية الحديثة”، المنشور سنة 1989، طرح “تشارلز تايلور” مسألة “النفس” في نطاق ما سمّاه “توبوغرافيا أخلاقية”: إنّ القصد هو تعيين “موضع” أنفسنا على نحو يمكّننا من “كتابة” الهوية التي نؤسس عليها كل حياتنا العينية. وهو يجنّد لذلك الزوج المجرد “باطني/خارجي”، محاولاً تحويله من أداة منهجية بلا توقيع إلى ظاهرة خاصة بثقافة معينة. والمعنى هو أنّ هذا التقسيم للعالم ليس خاصية كونية بل هو ينتمي إلى “عالم المحدثين، عالم الغربيين”. ولذلك هو يقترح علينا أن يراقب تكونها وتحولها من أفلاطون إلى لوك. يقول: “إنّ السبب في ذلك هو أنّ هذه الموقعة هي مرتبطة بالمعنى الذي لنا عن الأنا/النفس، ومن ثمّ، بالمعنى الذي لنا عن المصادر الأخلاقية”.

هنا ما تلبث صعوبة أن تبرز: إنّه بمجرّد أن نعتبر تشكيلة معينة من الأنا تشكيلتنا “نحن” حتى “تظهر وكأنها ثابتة ولا جدال فيها، برغم كل معرفتنا بالتاريخ والتغيرات الثقافية” إنّ طرافة فرضية “تايلور” تكمن في إبراز الوجه “الباطن” من أنفسنا، والذي نعتبره أنفسنا إبرازًا مكانيًّا بوصفه نمطًا من الفضاء الخاص للنفس.
يقول: “إنّ ما نغفل عنه دومًا هو هذا: أن نكون أنا ما، هو أمر لا ينفصل عن كوننا نوجد في فضاء من المسائل الأخلاقية، هي لها علاقة بالهوية وبالطريقة التي يجب أن نعمل بها. هو أن نكون قادرين على أن نعيّن موقعنا داخل هذا الفضاء، أن نكون قادرين على السكن فيه، أن نكون أفقًا فيه”.

ولكن لأنّ كل الثقافات لا تخلو من الزوج باطن/خارج، يدعونا “تايلور” إلى التمييز الصعب بين “الكليات الإنسانية والتشكيلات التاريخية، وألاّ نردّ الأولى إلى الثانية، كما نميل غالبًا، بحيث إنّ نمطنا الخاص يبدو لنا لا مردّ لها بالنسبة إلى الكائنات البشرية بما هي كذلك”.

وبرغم أنّ تايلور يقرّ بأنّه لا أحد يملك المعيار الدقيق لمثل هذا التمييز، فهو يؤكد أنّه يمكننا أن نستشرف مثل هذا التمييز من خلال بعض الأمثلة المفيدة. لذلك فليس الحديث عن النفس الحديثة غير مثال مفيد، وعلى ذلك هو المثال الذي يدعونا “تايلور” للانكباب على فحصه.

يقول: “إنّ مفهومنا الحديث للنفس هو تأويل لأنفسنا في موقع محدد وتاريخ محدد، قد يبدو غامضًا ومزعجًا بالنسبة إلى أجنبي. من المحتمل أنّ كلّ لغة تحتوي على موارد لإحالة المرء على نفسه [..] ولكن ليس نفس الشيء أبدًا أن نجعل من “أنا” اسمًا ، معرفا أو نكرة، وأن نتكلم “عن” الأنا أو “عن” أنا. فهذا يعكس شيئًا مهمًا، هو خاص بمعنانا الحديث للفاعل. لقد كان اليونان قادرين على صياغة الأمر “gnôthi seauton”- “اعرف نفسك بنفسك”- لكن في العادة هم لا يتحدثون عن الفاعل الإنساني بوصفه “hoautos” [نفسه]، ولا هم يستخدمون هذا المصطلح في سياق يكون علينا أن نترجمه بأداة التعريف”.

ورغم ذلك فإنّ تايلور سوف يبدأ تحقيقه انطلاقًا من اليونان بوصفهم خيطًا يقود إلى الهوية الحديثة. ومن أجل بيان ذلك هو يحصي في متوالية “الباطنية” الأطوار التالية:
أ‌- “السيطرة على النفس الأفلاطونية”: حيث يظهر دون ريب أنّ أفلاطون يضع “المصادر الخلقية في ميدان التفكير”، معلنا أنّ “السيطرة على النفس هي ما نظفر به بواسطة الفكر أو العقل. فإنّ الإنسان الخيّر هو ’’السيد على نفسه’’ (أو ’’الأقوى من نفسه’’ kreittô autou )”. “إنّ مصادر قوتنا الخلقية توجد في الخارج” في المثل، وعلينا أن نصبو إليها. ولذلك فأفلاطون لا يعرف لغة الباطنية والخارجية (نفسه). ويمكن اعتبار جزء كبير من الفلسفة الحديثة من الرومانسيين إلى “نيتشه وأدورنو” بمثابة تمرّد على هذا التصور الأفلاطوني للعقل بوصفه أساسًا لأخلاقنا ولذاتنا.
ب‌- “باطن الإنسان” الأغسطيني: حيث إنّ رهانه هو “فهم التعارض المسيحي بين الروح والجسد بمساعدة التمييز الأفلاطوني بين العالم المحسوس والعالم المعقول” (نفسه). كان الخيط العام هو جعل أفلاطون “موسى الأثيني” بحيث ينبغي فهم مسألة الخلق من عدم التوحيدية من خلال نظرية المشاركة الأفلاطونية، فكل من يوجد يوجد “بقدر ما يشارك في الرب”. إنّ أغسطين مثل أفلاطون يقرّ بأنّ على النفس أن “تغيّر وجهة انتباهها /رغبتها”. لكنّ أغسطين يتميّز بأنّ الرغبة/المحبة هي العامل الحاسم (نفسه). إنّ الجديد هو صياغته للتعارض الأفلاطوني بين المحسوس والمعقول، بين الأبدي والزمني في مصطلح “الباطنية والخارجية”. “إنّ التغيير الرئيس للانتباه يمر بالانتباه للنفس بما هي باطن” (نفسه).
يقول أغسطين :”بدل أن تذهب خارجًا، عد إلى داخل نفسك؛ ففي قلب الإنسان إنّما يسكن الحق”.

في هذا النطاق تكوّن مبحث خلقي لدى القدماء لخصه “فوكو” في مصطلح “العناية بالنفس”. لكن علينا أن نقرّ حسب تايلور إلى أنّ قصد القدماء ليس العناية بالنفس في معنى العناية باستعمال الملذّات التي تروق لنا، بل هو شيء مثل العناية بالروح أو النفس بالمعنى الطبيعي اليوناني أو الروحاني المسيحي. ولذلك فأخطر اكتشاف لدى أغسطين هو توجيه انتباه الإنسان إلى باطنه، داعيًا لنا إلى أن “نصبح واعين بوعينا، أن نحاول القيم بتجريب تجربتنا، أن نركّز جهدنا على الطريقة التي يوجد العالم بها بالنسبة لنا. وهذا ما نسميه اتخاذ مواقف تفكّرية جذرية، أو اتخاذ وجهة نظر ضمير المتكلم”. وعلى ذلك ما زال أغسطين يعتقد مثل أفلاطون في “كوسموس” جيد التنظيم.

ت‌- “العقل الديكارتي المتحرّر” أو “الذي نقض العهد”: حيث يظهر ديكارت “أغسطينيًا تمامًا، في تركيزه على التفكّرية الجذرية وأهمية الكوجيطو”. لكنّ ديكارت قد أعطى للمسألة وجهة جديدة حاسمة أيضًا: “يمكننا أن نصف هذا التغيير بالقول إنّ ديكارت يضع المصادر الخلقية فينا”. “فينا”: تأخذ هذا العبارة هنا معنى جديدًا. لم تعد الباطنية فينا دعوة إلى لقاء شيء مثل النور الإلهي الذي يقد هو أيضًا خارجنا، كما لدى أغسطين، بل إنّ ديكارت قد بنى استبطانًا من نوع جديد: إنّ ما حدث هو “أنّ قدرة هامة قد وقع استبطانها” ومن ثم مفهوم جديد للعقل. أن نعرف هو أن نتمثّل: إنّ “المثل” قد صارت “أفكارًا” وهكذا فإنّ “نظام الأفكار قد كفّ عن أن يكون ما نجده كي يصبح ما نبنيه”. “إنّ النفس الديكارتية تتحرر ليس بالتلفت عن التجربة المجسدة بل بموضعتها”، ولذلك فما فعله ديكارت هو أنّه “بيّن للنفس طريق ’’انعتاق في هذا العالم’’”. وهو ما حاول تأسيسه على تصور لسيطرة العقل على شاكلة “مراقبة أداتية”. بذلك لم يبق من موضع للمصادر الخلقية للنفس غير الباطن. وهو يدعونا ألاّ نهتم إلاّ بما سماه “إبيكتات” prohairesis “أي ما يوجه فينا سلوكنا”. ولذلك فإنّ الفضائل عنده هي “تقدير النفس” ولكن بخاصة “الكرم” كما تدعو إلى ذلك أخلاق الشرف في القرن 17. الكريم هنا هو صاحب “النفس الكبيرة”، أي الذي ينحو “منحى العفو، أن يبدو متسامحًا إزاء الآخرين”. وهو أمر لا يتوفر إلاّ من جهة ما يكون “الكرم هو الشعور الذي يصاحب المعنى الذي لي عن كرامتي البشرية الخاصة”.

لأنّ كل الثقافات لا تخلو من الزوج باطن/خارج، يدعونا “تايلور” إلى التمييز الصعب بين “الكليات الإنسانية والتشكيلات التاريخية، وألاّ نردّ الأولى إلى الثانية، كما نميل غالبًا، بحيث إنّ نمطنا الخاص يبدو لنا لا مردّ لها بالنسبة إلى الكائنات البشرية بما هي كذلك”.
الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور

الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور

ث‌- “الأنا- النقطة” لدى لوك- حيث يشير تايلور إلى أنّ “الأنا النقطة” هو أوج تطور الذات الديكارتية في بحثها عن “السيطرة على النفس” على أساس “فك الارتباط” عن كل سلطة؛ وآية هذا الفكّ للارتباط هو مفهوم “الموضعة” : “أن نموضع ميدانًا معيّنًا يفترض أنّنا نجرّده من قوّته المعيارية بالنسبة إلينا.[..] والمكننة الكبرى للتصوّر العلمي للعالم في القرن السابع عشر والتي ساهم فيها ديكارت هي موضعة بهذا المعنى”.

– إنّ الأنا الحديث هو “أنا نقطة” وجّه فكّ الارتباط الديكارتي نحو الذات نفسها. وإنّ لوك هو من ذهب أبعد من ديكارت في اعتناق الرؤية الميكانيكية للنفس؛ إنّه بدأ أوّلاً بالتخلي عن نظرية “الأفكار الفطرية” التي دافع عنها ديكارت، وذلك مكّنه من بناء تصوّر للطبيعة الإنسانية “مضاد للغائية” تمامًا. إنّ لوك “يشيّء الروح بدرجة خارقة للعادة”. فليس هناك أيّة مثل أو أفكار في العقل، بل فقط ما ينطبع فينا ممّا تلقينا من التجربة، ولذلك فإنّ “لوك” لا يتردد في الإعلان بأنّ “الروح منفعل تمامًا إزاء الأفكار”. فالأفكار هي “مواد” ليس على الإنسان سوى أن يبني منها ما يشاء، مثلما أنّ “المخّ” هو بمثابة “غرفة استماع” لها (نفسه).

لذلك هو يتخذ موقفًا “ذريًّا” فكل فكرة هي شيء “بسيط” محكوم عليه هو أيضًا بالانخراط في مسار شبه ميكانيكي علينا الوقوف عليه. والمطلوب هو الاضطلاع بما سماه هوسرل “مسؤولية إزاء أنفسنا”. فحسب لوك لا يمكن لأحد أن يعرف الأشياء بعقول الآخرين إلاّ بقدر ما يمكن له أن يرى بعيون الآخرين. يقول تايلور: “نحن لسنا مستقلين فقط ما إن نبلغ إلى العلم؛ بل إذا كان ينبغي أن ينتج علم ما، فإنّ كلّ مسعانا يجب أن يكون مستقلاً على نحو جذري.

ولذلك فإنّ هذا النموذج للعقل يستبعد السلطة المرجعية على نحو جذري. [..] إنّ الحرية صعبة؛ فمن الصعب أن يسلم المرء نفسه لنفسه من أجل أن يتبع مسعاه الخاص في التفكير. “وليس أخطر من الذين “ينتمون إلى النخبة، لكنّهم سعداء بالتملّص من مسؤولية التفكير”.
إنّ عقلنا حسب لوك ليس له أيّ شيء فطري يتخطى انفعالاته؛ وليس الخير والشر عنده سوى حالات اللذة والألم التي تجتاحنا؛ بل ليست الرغبة في أيّ شيء سوى ما ينجم عن “قلق” أو كدر من غياب ما نرغب فيه؛ وليست السعادة غير الصلة بين “الربط الذي يقوم به كل منا بين قلقنا الداخلي وبعض الخيرات الخارجية”. أمّا كلّ ما يحسبه الإنسان “حقائق” فهي مجرّد “عادات” ترسخت بالتربية والعرف (نفسه). وهكذا فأخطر فكرة مبثوثة في فلسفة لوك هي “أنّنا كائنات علاقات عرضية بالأساس: نحن قد طوّرنا بعض العادات، لكنّنا يمكن أن نكسرها وأن نصلحها [أن نعيد تشكيلها]”، وذلك يعني أنّ حالة الأنا الأساسية هي كونها في حلّ من أيّ ارتباط بأيّ مبادئ تتجاوز تجربته في العالم الذي يعيش فيه بحواسه وانفعالاته وعقله معًا. فإذا فهم ذلك أصبح قادرًا على “تغيير نفسه”: “إنّ فكّ الارتباط الجذري يفتح السبيل إلى أن نغيّر ما بأنفسنا”.

والأطروحة التي يدافع عنها تايلور هي أنّه يمكن اعتبار موقف لوك بوصفه “شكلاً جديدًا تمامًا من موضعة النفس. إنّ العقل حسب لوك هو القدرة على إصلاح “ذوق” الإنسان إزاء عالمه؛ وذلك بمعارضة “العادات” التي تحوّلت عنده إلى حقائق. لذلك فإنّ “السيطرة العقلية يمكن أن تمتدّ إلى إعادة صهر عاداتنا وبالتالي أنفسنا.[..] وإنّ الذات التي يمكن أن تتخذ إزاء نفسها هذا الصنف من الموقف الجذري من فكّ الارتباط بغرض تغيير سلوكه هي ما أسمّيه الأنا ’’النقطي’’. أن نتخذ هذا الموقف، هو أن نتماهى مع القدرة على الموضعة والمراجعة، ومن ثمّ، أن نأخذ بعض المسافة عن كلّ الملامح الجزئية التي هي موضوع للتغيّر الممكن. ما نحن بالأساس ليس أيّ واحد من هذه [الملامح]، لكن ما ينكشف أنّه قادر على تثبيتها وإنمائها. ذلك ما تسعى صورة النقطة للدلالة عليه، بحسب المعنى الذي له في الهندسة: إنّ ’’الأنا’’ الحقيقي هو ’’بلا امتداد’’؛ إنّه في لا مكان اللهم إلا في القدرة على تثبيت الأشياء بوصفها موضوعات. هذه القدرة تكمن في الوعي”.

هنا يجد تايلور في مناقشة لوك لفكرة “الوعي” بوصفه دلالة على “الشخص” أو على “الهوية الشخصية” سندًا قويًا على فرضيته التي تؤسس فكرة “النفس” على “الفهم الأخلاقي لأنفسنا”. وذلك أنّ لوك لم يجد أفضل حجة للدفاع على صلاحية فكرة “الوعي” أو الهوية الشخصية من القول بأنّه “إنّما على أساس هذه الهوية الشخصية يتأسّس كلّ القانون وكلّ العدالة المتعلقة بالعقوبات وأشكال الثواب، بالسعادة والبؤس؛ بما أنّه إنّما على أساس ذلك يكون كلّ واحد مهتمًا بنفسه، دون أن يكون يُعاقب عمّا يحدث من جوهر آخر ليس له أيّ صلة مع هذا الوعي”.

من خلال “تشيئ” انفعالاتنا النفسية دافع لوك عن “التحرر” الجذري للأنا، وانتهى إلى أنّ هذا الأنا هو نقطة وعي بلا امتداد هي السند الوحيد لأيّ مسؤولية قانونية للأشخاص. وهو أمر ترسّخ -حسب تايلور- بازدهار تقنيات “الانضباط” في الحياة العسكرية، ولكن أيضًا التربوية والصحية للفرد الحديث. لكنّ ما دافع عنه لوك تحت فرضية “أنّ الأنا قادر من حيث المبدأ على نوع من التحرر الجذري” صار في الممارسات الحديثة اللاحقة تطويرًا لقدرات جديدة على السيطرة وإعادة صهر النفس”.
فهل نحن باطن أنفسنا ؟!..

Share: