on : الجمعة, 9 May, 2014
Comments Off on الأصح.. النَّاس على دين ملوكهم وليس العكس!

الأصح.. النَّاس على دين ملوكهم وليس العكس!

الملك فيصل الأول .. أصبح ملكا على العراق في عام 1921

الملك فيصل الأول .. أصبح ملكا على العراق في عام 1921

جرى حديث طويل حول دور “الجماهير” في صنع التاريخ، وأن ما يُنظر إلى الآثار، مِن زقورات سومر بابل إلى الأهرام وسور الصين العظيم وما تبقى من قصور الأولين أنها مِن صنع الجماهير. بلا شك هذا صحيح، لكنَّ هذا لا يُغيّب الآمر والمخطط لبنائها، وبالمقابل مَن يرى أن الملوك والسلاطين هم فعلتها نراه لا يذكر شيئًا لدور حاملي الحجارة، وهم يهلكون تحت أثقالها، إلا أنهم مأمورون منفذون لا غير.

قد يُثار هذا النقاش بعد حوادث ما أُطلق عليه بالربيع العربي، على أنه فعل الجماهير، وبغض النَّظر عما يرى البعض بأن ما حدث هو فعل فاعل مِن وراء الكواليس، ثم انكشف عن الدور الإقليمي والدولي بهذه القضية بالذات، فهل يعني هذا أن الجماهير التي خرجت إلى الشَّوارع لا قيمة لها، وأنها موجهة كلعبة خيال الظلل؟

أرى أن الأمر مشاركةً بين المدبر والمنفذ، وأن الحدث كان مشتركًا، فالجماهير بدون سائس يسوسهم لا يصلون إلى الهدف، لذا العديد من الانتفاضات فشلت لعدم وجود قيادة، وبهذا تكون الحوادث مِن صنع الجماهير فيه شيء مِن المبالغة. فهل يمكن تحميل ما حصل مِن مقاتل في الثورات للجماهير أم لمَن وجهها، وما حصل عِقب ثورة 14 تموز بالعراق لا يحتاج إلى دليل، وكذلك ما حصل عِقب 9 نيسان 2003، فلا أظن أن الجماهير انفلتت إلى المتحف العراقي ودوائر الدولة بلا تحريض خفي وتسهيل مقصود. هذا رد على مَن يقول: إن العراقيين هكذا! أو هذا خيارهم!

يقودنا هذا إلى الحديث عن عبارة «الناس على دين ملوكهم»! كيف دان النَّاس بهذا الدين دون غيره، أو تعبدوا على ذلك المذهب دون غيره؟ كيف لعشائر تحولت بالكامل من مذهب إلى آخر، هل جرى الأمر بقناعة كلِّ فرد مِن أفراد العشيرة، أم أن شيخها -لأمر سياسي أو اجتماعي أو فرض بالقوة- تحول إلى المذهب الآخر، فاصطبغت العشيرة بالكامل به. فمَن يشذ يفرد عنها “إفراد البعير المعبدِ”.

يثور السؤال عند النظر في التحولات الاجتماعية الحضارية، بجانبها الإيجابي والسَّلبي: كيف شُيدت الدول، ولماذا تلك البلاد على قلة ثرواتها أصبحت مقصدًا للسياحة والعمل؟ وكيف تحولت الرِّمال إلى عمران هائل عليها، بينما انسحب مدن عظيمة الشَّأن في تاريخها العمراني والحضاري عن الواجهة، فتحولت إلى مكبات لنفايات التخلف والجهل؟ أليس للفرد دور يكاد يكون حاسمًا، وإذا كان الأمر للجمهور فتجده قد استسلم وسكن، حتى في أجواء الحرية والديمقراطية. نقول: لابد مِن فرد أو جماعة توجه ويتبعها السرب، أما أن يُصار إلى القول: هذا ما يريده النَّاس، فتلك كذبة كبيرة.

لهذا نجد الملك فيصل الأول (ت 1933) مجاملاً، أو حاول التوسط، ما بينه وبين النَّاس عندما قال في خطابه: «ولا يغرب عن الأذهان أنه: إذا كان النَّاس على دين ملوكهم فالملوك على دين شعوبهم، فعلى قدر التضامن يكون النهوض»؟ (خطاب التتويج 23 آب 1921). فلو ظل الملك وفيًّا لهذه العبارة ما عَبد شارعًا ببغداد، ولا كتب دستورًا، ولماذا عندما مضى مضى معه الاستقرار، وبدأت الانقلابات؟ لأن خليفته كان غير حكيم كحكمته.

الناس هم الناس لم يتغيروا، ففي ظل الاستبداد ليس لأغلبيتهم غير مسايرة الملوك، بلباس أو مقال أو سلوك، أو هتاف ونشيد، وهو حال البشر كافة، ولا يجوز لأحد وصمها بالعراقيين فحسب!

لعلَّ أوضح مثال على انقياد الناس للسلطة، صالحة أو طالحة، هو ما رواه محمد بن جرير الطبري (ت 922 ميلادية)، ذاكرًا سيرة الوليد بن عبد الملك (96هـ): «كان الوليد صاحب بناء، واتخاذ المصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه، فإنما يسأل بعضهم بعضًا عن البناء والمصانع. فولى سليمان (ابن عبد الملك) فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا عن التزويج والجواري. فلما ولى عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما ورْدك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ ومتى ختمت؟ وما تصوم من الشهر» (تاريخ الأمم والملوك).

أرى أن “النَّاس على دين ملوكهم” عبارة كثيرة التردد على الألسن، وفي الكتب، وإن اختلف الصياغات. نسبت إلى ابن خلدون (ت 1405 ميلادية)، ويذكرونها له بالصيغة الآنفة. مع أن الرجل قالها بالصيغة: «الناس على دين الملك». علل فيها تبدل العوائد والأحوال. قال: «إن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سُلطانه، كما يُقال في الأمثال الحِكمية: الناس على دين المَلك! وأهل المُلك والسُلطان إذا استولوا على الدولة والأمر فلا بد وأن يفزعوا إلى عوائد مَنْ قَبلهم، ويأخذوا الكثير منها… »(تاريخ العلامة ابن خلدون).

أتضح أن ابن خلدون لم يصنع هذه الحِكمة، إنما أخذها عن آخرين، وهو اعترف بذلك: «كما يُقال في الأمثال الحِكمية». لكن، شهرة ابن خلدون جعلت الآخرين يذكرونها وكأنها من علمه اللدني. ونجد الصيغة الشائعة قد وردت لدى ابن الطقطقي (ت1301 ميلادية) صاحب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية»، وهو من مؤرخي وكُتاب الفترة المغولية بالعراق.

قال: «وأعلم! أن للمَلك أمورًا تخصه يتميز بها عن السوقة، فمنها أنه إذا أحب شيئًا أحبه الناس، وإذا أبغض شيئًا أبغضه الناس، وإذا لهج به الناس إما طبعًا أو تطبعًا ليتقربوا بذلك إلى قلبه، ولذلك قيل: الناس على دين ملوكهم. فانظر كيف كان زي الناس في زمن الخلفاء، فلما ملكت هذه الدولة (المغولية)، أسبغ الله إحسانها وأعلى شأنها، غيرَ الناس زيهم في جميع الأشياء، ودخلوا في زي ملوكهم بالنطق واللباس والآلات والرسوم والآداب من غير أن يكلفوهم ذلك أو يأمروهم به أو ينهوهم عنه… » (الفخري..). كذلك وردت العبارة عند ابن كثير (1372 ميلادية) في «البداية والنهاية»، ولدى آخرين. والشيء بالشيء يذكر، ومن قَبل هؤلاء جميعًا.

الناس هم الناس لم يتغيروا، ففي ظل الاستبداد ليس لأغلبيتهم غير مسايرة الملوك، بلباس أو مقال أو سلوك، أو هتاف ونشيد، وهو حال البشر كافة، ولا يجوز لأحد وصمها بالعراقيين فحسب! ولا يبدو الحال الديمقراطي بمفارق كثيرًا لحال الجمهور عنه، إذا كانت الديمقراطية معلبة، ومجرد استبدال فرد بأفراد!

في زمن المستبد تُرغب السلطة الناس بما تعتقد وتؤمن: إذا غنى غنوا، وإذا جزع وبكى جزعوا وبكوا! وفي زمن الانعتاق لا يجوز التطبيق. لكن أن تأخذ الدولة بأيدي الرعية إلى الخروج من المتابعة، لا تسايرهم بالعوائد، ولا تمنعهم من عوائد لا ضرر منها على أموال وأرواح. أختم بما آل إليه وسيؤول إليه الحال بالعِراق، بعد إعلان النتائج، هل ستتوفر قيادة سياسية ترتفع عن الجمهور كي تسوسه إلى منزلة مِن الرقي، أم أنها مثل سابقها، تحاول المحافظة على المستوى المتردي لأنها تعلم أن وجودها مرتبط بهذا المستوى مِن الجهل، وعذرًا لمَن يحاول أن يأخذ بيد الناس لانتشالهم مِن هاوية الجهل، والظرف الاستثنائي؛ لأن الجمهور مهما كان يبقى على دين الملك، يصنع ما تصنعه السُّلطة، بهيمنتها تصبح لعب الأطفال أسلحة، مثلما حصل في فترة الحروب، وتصبح ورودًا إذا ما حاولت السلطة نشر ثقافة الورد!

Share: