بقلم :
on : الأربعاء, 7 May, 2014
Comments Off on “يوغا الضحك”.. السعادة حين تكون علاجًا وعدوى!

“يوغا الضحك”.. السعادة حين تكون علاجًا وعدوى!

فلسفة شرقية

يقول المثل الشعبي الصيني "الضحك يجعلك تبدو أصغر بعشر سنوات، بينما يحيل البكاء شعرك إلى اللون الأبيض". يمتاز الضحك كما التثاؤب بأنه أمر معدٍ، ومن فعل العدوى هذه جاءت فكرة ما يسمى بـ"يوغا الضحك"، والتي تمارس بشكل جماعي في مختلف أرجاء العالم، وقد بدأ تطبيقها في الهند، ومن ثم في ألمانيا، لتنتقل بعدها إلى بقية أرجاء العالم.
إحدى تجمعات "يوغا الضحك" في الهند

إحدى تجمعات “يوغا الضحك” في الهند

التفت الطب الحديث لأهمية الضحك، وبدأ الطب الحديث باستخدام “يوغا الضحك” كعامل مساعد لعلاج الكثير من الأمراض خصوصًا النفسية منها. حيث أثبتت الأبحاث العلمية أن نقص الأكسجين في الجسم هو سبب كافة أنواع السرطانات، وأفضل طريقة لضخ كمية كبيرة منه لخلايا الدم هو الضحك. هذا ما أكده العالم الألماني “أوتو فاربورغ” الذي فاز بجائزة نوبل عام 1931 لبحوثه في علم وظائف الأعضاء في مجال أمراض السرطان.

هذا وبالإضافة إلى كون الضحك عاملاً مساعدًا في الشفاء من الكثير من الأمراض فهو مسؤول أيضًا عن تحريك هرمون السعادة في جسم الإنسان. الجميل في الأمر أن الجسم لا يميز ما بين الضحك المصطنع وغير المصطنع. وعليه فإن تصنع الضحك ضمن مجموعة من الناس من شأنه أن يثير العدوى لديهم، ويحرك هذا الهرمون. من هنا تم تطبيق فكرة ما اصطلح على تسميته بـ”يوغا الضحك” وهي اليوغا التي تمارس بشكل جماعي ومن خلالها يصطنع هؤلاء الأشخاص الضحك عن طريق القيام بحركات جماعية مضحكة تجعلهم خلال الجلسة يستغرقون في ضحك عميق ومن القلب.

تاريخ “يوغا الضحك”

فكرة استعمال الضحك كعلاج نفسي وجسدي بدأت منذ تاريخ بعيد، ولكنها لم تتبلور وتتطور كما بدت عليه الآن، حيث اعتمدها العالم “البرت أليس” مبتكر العلاج السلوكي المعرفي في علاج مرضاه، لكنها تطورت في بداية التسعينيات من خلال الطبيب الهندي “مادان كاتاريا”، والذي كان يعمل في مستشفى محلي في مومباي، وكان حينها يهتم بكتابة مقالات طبية لعدد من المجلات التي تعنى بالقضايا الطبية. ومن خلال عمله جمع الدكتور “كاتاريا” معلومات ودلائل عملية أثبتت له أهمية وفائدة الضحك على الصحة العقلية والجسدية للإنسان. واهتدى انطلاقًا من المعلومات التي حصل عليها والبحوث التي أجراها أنه من المهم تطبيق الضحك كممارسة يومية في حياتنا بغية تحسين صحة الإنسان، ولتساعده على التعامل مع ضغوط الحياة الحديثة بشكل أفضل. فبدأ بالسعي لإيجاد السبل التي يمكن من خلالها أن يصف الضحك كعلاج للمرضى. في مارس 1995، وأثناء كتابته لمقال لإحدى المجلات الطبية بعنوان “الضحك – أفضل دواء”، اكتشف العديد من الدراسات العلمية الحديثة، التي تصف وتؤكد بعمق العديد من الفوائد المثبتة علميًّا للضحك على عقل الإنسان وجسمه. من هنا قرر الدكتور “كاتاريا” فورًا اختبار أثر الضحك بشكل عملي على نفسه وعلى الآخرين.

بداية تطبيق “يوغا الضحك”

بدأ الدكتور “كاتاريا” بتطبيق فكرته هذه من خلال مجموعة صغيرة تتكون من خمسة أفراد، تجمعوا في الساعة السابعة من صباح يوم 13 مارس 1995، في حديقة عامة في الحي الذي يقيم فيه في مومباي، الهند، وهناك أطلق أول نادي للضحك. ضحك هؤلاء الأعضاء المؤسسين الخمسة معًا في الحديقة، وانتقلت عدوى الضحك هذه من المجموعة الصغيرة إلى المارة لتنمو في غضون بضعة أيام هذه المجموعة إلى أكثر من 50 مشاركًا.

في اجتماعات هذه المجموعة الأولية، عملوا على الوقوف ضمن دائرة يتوسطها شخص واحد، يقوم برواية قصة أو نكتة مضحكة. تمتع جميع من حضر هذه الجلسة بوقتهم وشعروا بشعور جيد لبقية يومهم، لكن مع اتساع هذا النادي واجهت أعضاءه مشكلة كانت ستؤدي إلى فشله، وهي أن بعض الأشخاص تحسسوا من بعض النكات التي كانت تلقى وتم أخذها بشكل شخصي، مما جعل الدكتور “كاتاريا” يبدأ في البحث عن طريقة أفضل لتطبيق هذا الأمر، وأخيرًا اهتدى إلى حقيقة علمية تفيد بأن جسم الإنسان لا يستطيع التفريق ما بين التظاهر بالضحك وبين الضحك الحقيقي؛ ففي الحالتين النتيجة التي يتلقاها الجسم واحدة. هذه الحقيقة العلمية دفعته لأن يطلب من أعضاء المجموعة أن يتظاهروا بالضحك لمدة دقيقة واحدة. وأمام شكوك وعدم اقتناع بعض منهم قاموا بتطبيق هذا الأمر، وكانت النتائج مذهلة، فسرعان ما تحول التظاهر بالضحك إلى ضحك حقيقي، وقد سرى هذا الأمر بشكل معدٍ على الجميع مما جعل المجموعة تضحك بشكل لم يسبق له مثيل، واستمروا بالضحك لمدة عشر دقائق، ومن هنا كانت ولادة “يوغا الضحك”.

الدكتور الهندي مادان كاتاريا ضاحكا

الدكتور الهندي مادان كاتاريا ضاحكا

فكرة استعمال الضحك كعلاج نفسي وجسدي بدأت منذ تاريخ بعيد، ولكنها لم تتبلور وتتطور كما بدت عليه الآن، حيث تطورت في بداية التسعينيات من خلال الطبيب الهندي “مادان كاتاريا”

هذا وقد طور الدكتور “كاتاريا” طرقًا أخرى لتحفيز الضحك، وذلك من خلال أداء مجموعة من تمارين الضحك بما في ذلك القيام بوضع المزيد من التقنيات لتحفيز هذا الأمر داخل المجموعة. وقد سافر إلى أجزاء مختلفة من العالم من أجل تشجيع الناس على فتح نوادٍ ليوغا الضحك.

فوائد “يوغا الضحك”

هذا النوع من اليوغا تساعد صاحبها على تحسين صحته الجسدية، بالإضافة إلى صحته النفسية، فسوف يلحظ متلقي هذا النوع من اليوغا، تغير نظرته للحياة نحو التفاؤل أكثر وطريقة تعامله مع الأمور والمواقف الصعبة التي يواجهها في الحياة. وحتى في طريقة تعاطيه مع الأشخاص المحيطين به. حين يبدأ الشخص يومه بالضحك فإن طاقة إيجابية تلازمه طوال اليوم.

هذا ما أكدته إحدى الملتحقات بمجموعات يوغا الضحك “يارا” من بيروت: حيث أشارت إلى تحسن صحتها النفسية وتغيير مزاجها نحو الأفضل كلما شاركت في هذه الجلسات، وتضيف بأن هذا الأمر لا ينقطع بعد تركها لجلسة اليوغا، وإنما يستمر بعد مغادرتها للجلسة؛ مما ساهم بشكل حقيقي وكبير في تطوير حياتها نحو الأفضل، وعلاقتها بأصدقائها والأشخاص المقربين إليها. تقول “كنت أقف عند كل كبيرة وصغيرة في حياتي، لكن الآن وبعد جلسات “يوغا الضحك” أصبحت أواجه المشكلات الصغيرة والتي كانت تعكر علي صفو يومي بالضحك، مما انعكس بشكل إيجابي على جميع نواحي حياتي العملية والعائلية”.

علي شيباني يقول: يهمني الضحك كثيرًا، ممكن أن أقع على الأرض من الضحك، في هذه اللحظة فقط أشعر بالارتخاء والارتياح.. ويضيف: “من المهم بالنسبة لي أن أغني وأسمع موسيقى وأبتسم في الصباح الباكر؛ وذلك من أجل تجنب أن يكون مزاجي سيئًا خلال اليوم، وأن ينعكس على أحد. أحب أن أمازح إذا تعكَّر مزاجي في الصباح، ولا أسمح أن يستمر هذا لبقية النهار، أحاول أن أتغلب على هذا الموضوع بالضحك.

“يوغا الضحك” والسرطان

حين يصاب شخص ما بمرض السرطان فإن التوتر والخوف الشديدين يلازمانه طوال فترة مرضه، بالإضافة إلى اضطرابه العاطفي وشعوره بالاكتئاب؛ نظرًا لكونه من الأمراض القاتلة، لكن المفاجأة تكمن في قدرة “يوغا الضحك” على مساعدة المريض على الشفاء، وذلك من خلال التغيرات الفسيولوجية والبيوكيميائية الحقيقية التي تحصل داخل جسم المريض؛ مما يجعلها صاحبة تأثير عميق على عملية منع تطور المرض. هذه المشاعر التي يشعر بها مريض السرطان تمنعه من الضحك والشعور بالفرح، لكن ممارسته ليوغا الضحك تساعده على الوصول لممارسة الضحك كنشاط يومي بغض النظر عن المزاج السيئ الذي يلازمه. وكما أشرنا سابقًا فقد أثبت الدكتور “أوتو فاربورغ” علاقة نقص الأكسجين في الجسم بمرض الإنسان، يقول “نحن نمرض بسبب نقص الأكسجين في خلايا الجسم”. ويرُجع ذلك إلى العادات السيئة في التنفس الناجمة عن التوتر والتفكير السلبي؛ فهما يجعلان عملية التنفس صعبة وضحلة مما يؤدي إلى عدم انتظام الأنفاس.

تستخدم “يوغا الضحك” مزيجًا من تمارين الضحك واليوغا في التنفس؛ وذلك بغية تمرين الحجاب الحاجز وعضلات البطن على التنفس بعمق. الأمر الذي يساهم في زيادة إمدادات صافي الأوكسجين لخلايا الجسم، هذا الأمر يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في الوقاية من السرطان عن طريق زيادة مستويات الأوكسجين في خلايا الجسم. على مدى السنوات الـ 11 الماضية ساعدت “يوغا الضحك” الأشخاص المصابين بالسرطان في القضاء على الاكتئاب، وخلق لهم حالة عقلية إيجابية، مما ساهم في تحسين نوعية حياتهم، ونجا العديد منهم من المرض.

الضحك يقوِّي جهاز المناعة

أظهرت الدراسات الطبية في جميع أنحاء العالم أن عشر دقائق من الضحك من القلب له تأثير مفاجئ وكبير في تقوية جهاز المناعة في الجسم، ويوغا الضحك تلعب دورًا مهمًا في ذلك. التعود على الضحك بالإضافة إلى ممارسة الرياضة البدنية تساعد على إحداث تغييرات فسيولوجية وبيوكيميائية في الجسم؛ مما يساهم في تقوية جهاز المناعة. على الرغم من أن نوادي “يوغا الضحك” هي المكان المثالي لأداء هذا النوع من اليوغا، لكن يمكن للفرد أن يمارسها بمفرده أيضًا إذا تعذر عليه أن يقوم بها ضمن المجموعة، وستحمل له نفس الفائدة المرجوة، وستجعله أيضًا يختبر شعور السعادة حين يكون بمفرده.

Share: