on : الجمعة, 2 May, 2014
Comments Off on العراق بأبو ظبي… المتنبي والسَّعدواي وأنعام كجه جي

العراق بأبو ظبي… المتنبي والسَّعدواي وأنعام كجه جي

أحمد سعداوي الفائز بجائزة "البوكر" " وسعد البازعي رئيس اللجنة وجمعة القبيسي وخالد الحروب

أحمد سعداوي الفائز بجائزة “البوكر” ” وسعد البازعي رئيس اللجنة وجمعة القبيسي وخالد الحروب

حضرتُ حفل الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2014، المعروفة بالـ”بوكر” التي تقدمها سنوياً هيئة أبو ظبي للسِّياحة والثَّقافة. ما زاد لهفتي لحضور حفل توزيع الجوائز وجود عراقيين ضمن القائمة القصيرة، وهما الكاتبة والروائية أنعام كجه جي، بروايتها “طشاري” والشَّاعر والرُّوائي أحمد السَّعداوي بروايته “فرانكشتاين في بغداد”. دلفت إلى القاعة فحياني شاب، لم أكن ألتقيت به من قَبل، وبقيت أبحث عن أحمد السَّعداوي بين الوجوه، فقد أخبرتُ: من المحتمل أن تكون الرواية الفائزة بالجائزة الأولى من حصة العراق، ولم يكن في القائمة النهائية عراقياً وعراقية سوى السَّعداوي وكجه جي، وهي صديقة عزيزة. قُدم الفائزون الستة، من العراق ومصر والمغرب.

ارتقت أنعام إلى المنصة وظهر تسجيل مصور لها، متحدثة عن شخصية روايتها، وهي طبيبة عراقية عاشت وعملت بقرى جنوب العراق، في الخمسينيات مِن القرن الماضي، لكنها تشتت مع الشتات العراقي، فتفرق أبناؤها على ثلاث قارات، وليس بلدان فتصور (طشارها). تحت هذا العنوان “طشاري” صدرت الرواية، ومعلوم ماذا تعني المفردة في اللغة العراقية، والفعل “أطشر” أي تفرق أو تناثر، وأكثر ما يستخدم لأجزاء المواد الصلبة والزجاجية، عندما تُكسر الزجاجة أو أي مادة صلبة.

ابتكر الحفيد واسمه إسكندر مقبرة إلكترونية على شبكة الإنترنت، وخصص لكل فرد من أفراد الأسرة (المطشرين) على ثلاث قارات قبراً. صدرت الرِّواية عن دار “الجديد” ببيروت 2013. كانت مؤلفتها كاتبة وصحافية عراقية، خرجت من العراق جسداً وظلت روحها داخله. هكذا هي قالت عن بطلة روايتها الطَّبيبة. إلا أن الحال ينطبق عليها تماماً، فقد حدبت أنعام على الكتابة في الشَّأن العراقي، كاتبة وموثقة وحاضرة فيه، بمعنى غادرت العراق ولم يغادرها.

بعدها أرتقى أحمد السَّعداوي المنصة. تحدث عن روايته التي جرت أحداثها ببغداد، خلال أكثر السَّنوات شراً (2005). كانت الجثث ترمى في المزابل، وكم تداولت أخبار جثث بلا هوية، لأنها بلا رؤوس فكيف تُعرف هوياتها. كانت رواية تحت هذا العنوان قد صدرت العام (1818)، وبطلها فيكتور فرانكنشتاين، وما بين بطل تلك الرواية البريطانية، التي صدرت قبل نحو مئتي عام ورواية السَّعداوي “فرانكشتاين في بغداد”، هو موضوع الموت والحياة، ففكتور توصل (حسب خيال الروائية ماري شيلي) إلى تلفيق كائن ويظهر كمسخ قبيح جداً فيهرب منه.

أما هادي بطل رواية السعداوي فيأخذ بجمع البقايا البشرية من ضحايا التفجيرات، ويلصقها ببعضها لتشكيل جسد منها، كضحية مجهولة الهوية، مثل خياط يشكل من بقايا القماش ثوباً مرقعاً. أطلق عليه هادي اسم “شسمه”، وهي لفظة مستخدمة عراقياً، عند السؤال على اسم شخص غير معروف، أو للتقليل من الأهمية، ولأن البقايا البشرية تناثرت من مئات الأجساد، صعب تحديد اسم للجسد الملفق منها.

أعلنت الأسماء الستة، وكلُّ روائي قدم روايته بما يُليق، لكن مَن هو الفائز الأول هذا، حسب ما عرفت وشهدتُ، لا يعرفه أحد، سوى لجنة التحكيم وأهل شأن الجائزة. فتصوروا فداحة القلق في تلك اللحظات، وكلُّ واحد يترقب إعلان اسمه. حتى أرتقى رئيس اللجنة الروائي السعودي سعد البازعي، واستهل الحديث بالمتاعب التي صادفها أعضاء اللجنة، وهم مِن بلدان شتى، فالنصوص التي أمامهم متوازية أو متقاربة في أهميتها، مع وجود الأفضل والفاضل بينها، وهذه هي الصعوبة التي يفضل هذا العمل عن ذاك، ولولا لم تكن النصوص بتلك الجودة ما اختصرت مئات الأعمال بالستة فقط، وهنا تُقدر متاعب لجنة التَّحكيم.

الرواية الفائزة بجائزة البوكر

الرواية الفائزة بجائزة البوكر

قال البازعي: سنأتي إلى الأهم، والكلمة الفاصلة، فأعلن فوز العراقي رواية أحمد السَّعداوي، الذي كنت أبحث عنه، ولا أخفي مشاعري بنزول دمعة ساخنة من جفني فرحاً به وبفوزه، وربَّما كان قلقي في الانتظار لا يقل عن انتظار المرشحين. أخذت أصفق بقوة وقوفاً، وتسللت بين الحشد ومسكت به، قبلته في عينه، وفي تلك اللحظة اعتذرتُ منه كوني لم أعرفه صورةً عندما دخلت القاعة وقد حياني باسمي.

لم ينته الفرح عند فوز أحد السعدواي، وهو من مواليد بغداد 1973، وعاش أيام المقاتل، وسجلها في روايته، وكثيراً ما فقدنا رواية أو قصيدة تتناسب، إلى حد ما، مع درجة الأوجاع. أقول إلى حدٍ ما لأنها هائلة لا تضمها رواية واحدة، ولا تعبر عنها قصيدة شعرٍ. أقول لم ينته الفرح والسرور عند هذا الحد، بل كان اعتبار شخصية المتنبي (اغتيل 354 هـ) المحتفى بها في معرض كتاب أبو ظبي كضيف شرف، مكملاً لها. على أن أبا المحسد أو أبا الطيب المتنبي كان عراقياً ولادة ونشأة وشاعريةً، ولد بالكوفة ودفن بالنُّعمانية على شاطئ دجلة، وقبة ضريحه ما زالت هناك شاخصة. غنيت قصائده، في حفل خاص، بصوت الفنانة عبير نعمة، ووزعت الأغاني مسجلة داخل المعرض.

ربَّما لا يأخذ غير العِراقي مثل هذه المناسبة بعاطفة جياشة، فما تعرض له هذا الوطن مِن إنكار لوجوده والطَّعن بأصالته وما يتعرض له بشره مِن مأساة لا تتوقف، حتى صار طارداً ومكاناً للموت المجاني، وما ساده من جهل وتخلف، كلُّ هذا يكفي النَّظر إلى مثل هذا الفوز، وقدرة هذه البلاد على المنافسة، بفخر إلى حد سكب الدموع فرحاً.

ما يخص الاحتفاء بالمتنبي في معرض كتاب أبو ظبي فمن حق محبي شعر المتنبي أن يجعلوه فوق الأنساب البلدانية، ومِن حقنا أن نتمسك بعراقيته، ونتفاخر بعظماء العِراق، فحاضرنا ما زال مجافياً، وإذا تحدثنا عن وجود ثقافي وفني فليس لنا الخروج من مربع شارع المتنبي، وسط بغداد، وبهذا لا نريد فقد نسبة الشَّاعر إلينا، وصار اسمه عنواناً لثقافتنا.

هكذا تحدثتُ مع الأصدقاء القائمين على معرض كتاب أبو ظبي، فقبلوها مع قولهم أنه “المتنبي” للجميع حصة به، شأنه شأن أبي نواس (ت 198 ه) فكررت قولي: وهذا أليس عراقياً. لقد غسلت فرحتي بالمتنبي والسَّعداوي وأنعام كجه جي شيئاً مِن أحزاني على بلد “مبتلى حتى اختزى”.

لا تأخذوا قول المتنبي: “غنيٌّ عن الأوطانِ لا يستفزني/ إلى بلدٍ سافرتُ عنه إيابُ” على أنه لا وطن له، ففي لحظة وجد أو غضب أو شعور بإحباط يُقال أكثر مِن هذا.

Share: