on : الإثنين, 28 Apr, 2014
Comments Off on قتلوا المجتمع.. فضاعت الحداثة والتراث معاً!

قتلوا المجتمع.. فضاعت الحداثة والتراث معاً!

منطقة مسجد الحسين في القاهرة

منطقة مسجد الحسين في القاهرة

حينما تحاول المجتمعات تجريب كل أساليب الخروج من المآزق، ولكنها تفشل فعليها أن تنتبه إلى أسلوب المعالجة، فحينما يفشل اليَسار واليمين والوسط في حل إشكال بلدٍ “غني” مثل السّودان، أو “حي” مثل مصر، وحينما تفشل الحداثة، والأصالة، والتُّرَاث، وكل النظريات المعرفيّة في ابتداع حل ما؛ أو تجاوز مأزق، فهذا يدل على خلل في إعمال آلية التفكير الأساسية، وأن نظرية المعرفة الناظمة للسلوك السياسي تحتاج إلى مراجعة ونقد، وربما مُساءلة، ذلك أن النظرية لا تنفصل عن ممارستها ولا عن نتائج تجريبها.

ما يهمله الكثيرون، هو المجتمع ذاته، فكل الحراك ينبني على (القفز) عليه، وتجاوزه، فمن جاهليّةٍ دينية يوصم بها، إلى جاهليّة “حداثية” أو اتّهامات بالتخلّف. والتخلّف فكرة مقارنة بين مجتمعين وقياس خاطئ في فكرته الأساسية؛ فتخلّف الغرب عن الشرق له سياقه الخاص والعكس؛ والمريع هو تخلّف الفرد عن ذاته، وانتكاسته عن فهم مجموعته، وفقدانه الثِّقة به.
لم يسمح أحد لنفسه بمحاولة الغوص في “المجتمع”، أو دراسة معطياته، ليرقب التغيّر الذي يمكن أن يتربّى داخله، وشاهدي على ذلك أن انقلابات عميقة وصدمات حقيقية حدثت في المجتمعات بفعل شروطٍ سياسية واقتصادية، ولكن أحدًا لم يدرسها.

لماذا يُفرِز المجتمع أنماطًا مُقَاومِة لفكرةٍ ما؛ ولِمَ يتمنّع على مبدأ ما، وكيف يولّد قواعده ويحدّثها، ومتى يرفع رموزًا ويحطها، وكيف يتقبل شيء ويرفض آخر، وأين يُمجد التمرّد وأين يخفضه، كيف يتعنصر، ولماذا يتفكك، متى يهمل السياسة، ومتى يقدّر الاجتماع، بل كيف يعرّف نفسه، وكيف يقود ذاته، وكيف يؤثر ويتأثر.

للأسف كل هذا يُقفَز عليه، يُقفز على معرفته، وعلى تجربته دومًا، ويتجهون بفعل “الأفكار المجرّدة” إلى نماذج مُتخيلة، دون أخذ بمعطياتها الحقيقية وأسبابها، دون إضافة أي لمسة!
حسنًا؛
القراءة مهمّة، وهِي أحد أبواب المعرفة، ولكنها “أضحت هنا” طريقًا يقود لأفكارٍ مجرّدة، لم يُجرّبها أحد، أو جرّبها وفق بيئته وليست مثالية أو قابلة للاستنساخ السطحي. فهل هناك بديل؟ نعم؛ وهو ليس بديلاً بقدر ما هو شريكٌ “مُهمَل”، فهناك “عارفون جرّبوا” ولكن الصدمات أقعدتهم عن التوثيق، وهنا يجدر التوضيح أن لا غنى لواحدٍ منهما عن الآخر. بل المصيبة هي أن ينغلق “طالب” العلم على المعرفة المجرّدة، ويُدمِن الغوص فيها، ويهمل الخبرة الإنسانية المجرّبة المتاحة حوله، دعونا نختبر بعضًا من الإشكاليّات.

ندرس كل شيء إلا مجتمعنا وتغيّراته، فنحارب أمراض الآخرين التي ربما تكون مصدر قوتنا. وفوق هذا تجد مثقفينا يجمدون على أفكارهم “غير المفهومة”

إشكاليّتنا مع التُّرَاث، هي إشكاليّة ضمن معاني (القطيعة، والقفزة)؛ لأننا نحن نقفز إليه متجاوزين ما بيننا وبينه، مُدّعين أن ما بيننا وبينه لم يُوثّق؛ بالرغم من أن أطنان المخطوطات موجودة في كل مدينة ولم يُفكر أحد في قراءتها، فيُتخيّل التّراث حالة ذهنيّة وشكلاً محددًا، لذلك نقفِز إليه دون الأخذ بشروطه، تمامًا كما نقفز للحداثة، وتعاطينا مع التراث يشابه تعاطينا مع الحداثة، بعقليّة القفزة التي تتنطع وتدّعي أنها وصلت إلى محطة الفكرة وتنفيذها، إذ يظنّ البعض أنهم بشكلانيّة محددة، وسمت معيّن، وتمتمات هم في قلب “التراث”، وحينما نمَحص كيف وصلوا لهذا، نجد أنهم قرأوا في إطار مدرسيّ نظامي، انتقل بهم من تاريخ اليوم فجأة ليدرسوا كتابًا في اللغة قبل ألف عام، وذات التراثي هذا تجده، يجافي تراثه القريب، تراث والده وجدته، ومن عجيب ما حكاه أستاذ التاريخ في جامعة ميسوري “د.عبد الله علي إبراهيم” أنّه لما كان يبحث عن أدب (البطاحين) في بادية السودان في دراسة ميدانية؛ كان يَعجَب من بلاغة لسانهم ولغتهم العاليّة، إلا أنّه لما ذَهب ذاتَ صباحٍ إلى مدرستهم إذ يتعلّم الصِبية، وَجد أستاذ اللغة العربيّة يدرّس أبناء هؤلاء البليغيين، قصيدة هي غاية في الركاكة، والسذاجة والبلاهة اللغوية، من شاكلة “دجاجي يلقط الحبَّ” و”لون العشب أخضر.. ولون سمائي أزرق”، ويهمل مخزون (الدوبيت) وشعر البادية الموجود في دارجيتهم التي هي أفصح من عربيّة جامدة تقتل الخيال وتفقر الوجدان وتخشّب المعاني والمباني، مِثل هذا الناشئ لغويًا على هذه الركاكة يربَّى في أساسه الثقافي أنّ المعلومة البيتيّة (الاجتماعية) ناقصة أو خاطئة، أو مضطربة، بينما المكتوبة (على عجل) في كتاب مصقول هي الصحيحة، وبعد أن يشب مفكرًا تراه يلجأ ليفهم اللّغة عبر لسان العرب، وهكذا ينفذ للصدر الأول “المتخيّل” للتراث قفزًا، فتجد أحدهم يريد فهم المعلّقات وهو لا يستطيع فهم جدته وهي تتكلم، ويظنّ أنه بفهم “المجتمع العربي قبل الإسلام” يفهم مجتمعَه هوَ، وهو لم يفهم “عبارات” ولا “إشارات” ولم يفسر “عادات”. هذا تمامًا ما يحدث مع الحداثة، التي يقفز إليها البعض بلا مقدمات.

إن إهمالنا دراسة المجتمع والإيمان برموزه، وإحساسنا أن حلاً لا بد أن يأت إما من تراث “متوَهم” أو حداثةٍ “مجرّدة”، هو مَحل نظر بكليّاته، إشكاليتنا أننا لم نطرح الأسئلة الصحيحة، وذهبنا إلى الحلول، نرفع شعار الإسلام هو الحل؛ ولا نعرّف المشكلة، نأتي بالمبادرات المستنسخة، بالرغم من أنّها قُدمت في مجتمعات مدنية ومجتمعنا أهليّ، ندرس كل شيء إلا مجتمعنا وتغيّراته، فنحارب أمراض الآخرين التي ربما تكون مصدر قوتنا. وفوق هذا تجد مثقفينا يجمدون على أفكارهم “غير المفهومة”.

نعم، صارَ المجتمع “شيئًا”، والدولة شيئًا آخر، صارت الدولة هي (النحن التنظيرية) والمجتمع هو “العقبة”، والنخبة من الدولة لا المجتمع، والدولة هنا هي إطار نظري أكبر من مجرّد (الدولة) بل هي الآلة الثقافية العامة، ويتساوى داخلها المعارض والحاكم، هي كل شيء بعيد عن السوق، وجلسات البيت، وطقوس المجتمع.

هل جرّب أحدكم أن يعرض على جدته أو جده كتابًا ألّفه عالم مات يوم ولد جدك، وعرض عليه أفكاره في علم الاجتماع أو نشوء الدولة، أو الصداقة أو الحب أو التجربة، بشرط أن يكون هذا الجد من سلالة المجربين، لا بد أنه سيتفاعل بشكل ما يختلف عن المؤمنين بشكل مجرّد بأفكار الكتب، المترجمة حديثًا، سيكون قادرًا على منحك صورة، لكيف يمكننا أن نحل، بمزيج ظللنا نتوه عنه! ربما.

من الممكن أن نسير في دراسة الأمر على شاكلة “الحفريّات” ونقدم نظريّات القطيعة (بجرّة قلم كما يقول الجابري)، والتأوّل، وغيره، ولكن كل هذا لن يفيد، إذا لم نعرّف المجتمع أولاً، ونؤمن به ثانيًا، يومها؛ ربما يكون الحل.. هو المجتمع الذي يقوّى بالحريّة، وينشّط، ويدعم ليقدّم حلوله الحداثية والتراثية، ولكنّ أساسها منه، ومن سيرته، فالمجتمع هو الحل.

Share: