on : السبت, 26 Apr, 2014
Comments Off on “المجتمعات” .. القوة الثالثة في قيادة التنمية الاقتصادية

“المجتمعات” .. القوة الثالثة في قيادة التنمية الاقتصادية

الدور المستقبلي

ترى منظمات دولية قيادية -مثل الأمم المتحدة (برنامج التنمية البشرية) والبنك الدولي- أن المجتمعات يمكن أن تؤدي دورًا أساسيًّا ومهمًّا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها قوة ثالثة وشريكة في الدول، إلى جانب الحكومات (القطاع العام) والشركات (القطاع الخاص) لتحقيق توازن بين مراكز القوى والتأثير ورفع مستوى الخدمات الحكومية والشركاتية، ولتتمكن المجتمعات من تحقيق واجبات المواطنة في علاقتها مع السلطة التنفيذية، وحماية نفسها كمستهلك في علاقتها مع القطاع الخاص، ولتجنب الشراكة والتحالف بين السلطة التنفيذية والشركات في مواجهة المجتمعات.

تبدأ مشاركة المجتمعات بتمكينها وامتلاكها الفرصة والقدرة على تنظيم نفسها وإدارة مواردها واحتياجاتها الأساسية، والقدرة على التأثير والمشاركة في الحكم والسياسات والتشريعات على النحو الذي يوسع خياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويجعل مؤسسات الحكم والإدارة العامة أمينة وقادرة على التعامل مع التفويض الذي منحه المواطنون لها للتصرف بالموارد والضرائب العامة وفق مصالح المواطنين واتجاهاتهم، ويمكنها (المجتمعات) من تحقيق توازن مع السلطات والمؤسسات، ومن مراقبة هذه المؤسسات وتوجيهها، ويجعل مؤسسات القطاع الخاص التي تورد الخدمات الأساسية والاستهلاكية -كالتعليم والكهرباء والاتصالات والصحة والتأمين والسلع الأساسية وغيرها- تورد خدماتها إلى المستهلك (المجتمعات) في أفضل مستوى يتفق مع الثمن الذي تحصل عليه.

وفي الوقت نفسه فإن التحولات والتغيرات العالمية القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات والطبقات الوسطى فرصًا جديدة، تجعلها قادرة على التحرك والمشاركة وحماية نفسها.

المجتمعات في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية

عندما بدأت الحكومات تتخلى عن كثير من الخدمات والأعمال التي كانت تؤديها، وتسندها إلى القطاع الخاص، كالمناجم والتعدين والكهرباء والاتصالات والنقل والبريد، وأفسحت المجال للقطاع الخاص للاستثمار في الخدمات التي تؤديها، مثل التعليم والصحة والسكن، تبع ذلك تحولات عميقة في قوانين العمل والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وكانت التحولات في مجملها إضعافًا للمجتمعات وقدرتها على إيصال صوتها والتأثير في القرارات المتعلقة بحياتها ومشاركتها الاقتصادية والاجتماعية والعامة، وتعرض مستوى المعيشة والدخل لتراجع كبير، وصار لزامًا على فئات كانت مستفيدة من القطاع العام أن تلجأ إلى القطاع الخاص للحصول على الخدمات التعليمية والصحية، وتراجع مستوى جودة ونوعية كثير من الخدمات والسلع، وارتفعت تكاليف الحياة والسلع والخدمات الأساسية.

ليس المطلوب تغيير السياسات القائمة اليوم، ولكن السؤال الأساس هو: كيف يمكن توظيف التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية؟ وكيف يمكن مواجهة الأخطاء والسلبيات الناشئة عن هذه التحولات؟ وربما يكون السؤال بالتحديد هو: كيف تستطيع المجتمعات أن تكون شريكًا للحكومات والشركات، بحيث تكون قوة اقتصادية واجتماعية تؤثر في السياسات والأسواق والخدمات، وفي تحديد خياراتها وتنويعها وتعددها؟
إن هذه التحولات تمنح فرصًا كبيرة وجديدة تضيف إلى ضرورة وجود مجتمعات فاعلة وقادرة على تحقيق توازن عادل يحمي الحاجات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين أهمية قصوى تتعلق بمصير الحاجات والحقوق الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والعمل والسكن والانتماء والمشاركة والثقافة الوطنية والمجتمعية.

وفي الوقت نفسه فإن التحولات والتغيرات العالمية، القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات والطبقات الوسطى فرصًا جديدة، تجعلها قادرة على التحرك.
وحتى لا نكون كمن يلعب في الوقت الضائع، أو نتهرب من مواجهة الموجة المقبلة، فإننا نستطيع استباق الخسائر وتحويلها إلى مكاسب عظيمة، وما نحتاجه هو أن نبدأ فورًا بالسؤال المؤدي إلى الفهم، والاقتراب من التفاعل مع اللحظة، فما يجري في العالم حولنا ليس بعيدًا عنا.

التقدم الاقتصادي والاجتماعي لا ينجح إلا إذا ارتبطت به مصالح الناس وحاجاتهم وخدماتهم الأساسية، كالعمل والتوظيف، والتعليم، والإسكان، والانتماء، والمشاركة، والضرائب، والأجور، وتنظيم المهن وتطويرها، والقضايا والتجمعات العمالية، والمشروعات والاستثمارات التعاونية، والنفع العام، فالإصلاح تنشئه منظومة اجتماعية، وشبكة من العلاقات والمصالح، والتنمية تترسخ وتزدهر بتنظيم المجتمعات على أساس أهدافها المباشرة والعملية، وبشكل عام فإن السياسات والتشريعات يجب أن تعكس المصالح والثقافة الراسخة في المجتمع والدولة.

والمطلوب ببساطة هو منظومة سياسات لا تحتاج إلى موارد إضافية، ولكنه يقوم على التأسيس لثقافة مجتمعية وطنية تعكس الحاجات الإصلاحية والتنموية والتحولات الكبرى الجارية في العالم، والتي تغير من طبيعة أدوار المجتمع والدولة، وتنشئ أيضًا دورًا جديدًا متناميًا وواسعًا لثقافة مجتمعية جديدة في العملية الإصلاحية والتنموية، والتي لم تعد اكتشافًا نخبويًّا أو نضاليًّا، ولكنها تحولت إلى موجة مجتمعية عالمية لا تستثني مجتمعًا أو بلدًا في العالم. وهي حالة لا تنتظرنا حتى نستعد لها، كما أن تجاهلها ونسيانها سيضعاننا -بعد سنوات قليلة- أمام استحقاقات وتحديات قد تعصف بكثير من المنجزات التنموية والإصلاحية.

كيف ستدير المجتمعات شؤونها حين يتغير أو يتراجع أو يختفي دور الحكومات في الثقافة والإعلام والتعليم والزراعة والصحة وسائر الخدمات؟ كيف ستواصل المجتمعات العمل الثقافي ورعاية الحركة الثقافية؟ وكيف ستحافظ بنفسها على الغابات والبوادي والمراعي وتنميها؟ كيف ستتدبر أمر التعليم الجامعي والثانوي عندما يتحول إلى خدمة تجارية تقدمها شركات استثمارية، وهناك عشرات بل مئات الأسئلة تتعلق بمصالح بعيدة المدى يجب الاستعداد لها، وتأهيل المجتمعات لتكون قادرة على إدارتها من دون رعاية أو دعم من الحكومات.

وتحتاج المجتمعات لأن تنظم نفسها على نحو يمكنها من إدارة وتنظيم علاقاتها بالسوق والشركات التي تدير حاجاتها الرئيسة، فحين تملك الشركات المؤسسات والخدمات والأصول التي كانت جزءًا من القطاع العام فإن المجتمعات في حاجة إلى إعادة تشكيل لنفسها على نحو يجعل العلاقة بين العاملين وأصحاب العمل والأجور والرعاية والضمان الاجتماعي والسلامة تعمل بكفاءة وعدالة لا تقل عما كان الحال عليه في العلاقة مع الحكومة.

وتحتاج المجتمعات لأن تدفع الحكومات إلى إعادة توجيه الإنفاق وإدارة الموارد التي تجمعها من الضرائب باتجاه يرفع من مستوى المعيشة للفقراء في المجتمع، فإذا كان الإنفاق العام في بلد يشكل 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت نسبة الفقراء في هذا البلد تساوي 20 في المئة، وتنال 5 في المئة من الدخل، وهذه أرقام واقعية، فقد أظهر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية أن الجزء الأكبر من الموارد يوجه لتحسين معيشة الفئة الغنية في المجتمع فقط، فإن إعادة تخصيص ما يقارب 10 في المئة من الموازنة لهذه الفئة ستزيد دخلها بمقدار 50 في المئة، .. المجتمع الأهلي الحيوي والقوي والفاعل، والذي تنسق حراكه طبقة وسطى ممتدة ومبادرة هو القادر على التعامل الصحيح مع العولمة، وتغير مفهوم ودور الدولة.

المطلوب ببساطة هو منظومة سياسات لا تحتاج إلى موارد إضافية، ولكنه يقوم على التأسيس لثقافة مجتمعية وطنية تعكس الحاجات الإصلاحية والتنموية والتحولات الكبرى الجارية في العالم

والحكم المحلي يشكل أساس التفاعل الاجتماعي والخدماتي، وعندما تكون هذه المؤسسات (البلديات) عاجزة عن تنظيم إدارة الاحتياجات والموارد فإن فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية تتضاءل، وبخاصة عندما أصبحت خدمات أساسية عدة سلعًا تجارية، تنظم عمليات توريدها وتزويدها وأسعارها وجودتها قواعد السوق والعلاقة بين المستهلك والمورد.
والإعلام يمكن أن يتحول إلى أداة فاعلة بيد المجتمعات، ولعل المجتمعات أكثر قدرة على توظيفه، وبخاصة أنه أيضًا يتحول إلى استثمارات تجارية.

ويبدو أن ثمة تحديات رئيسة عاجلة تفرض أن يسند للمجتمعات دورًا واسعًا في المشاركة، فعندما تحل مؤسسات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي محل المؤسسات الحكومية للتقاعد والتأمينات، وربما يكون ثمة عدد كبير من كبار السن والمواطنين بعامة لا يتمتعون بتأمين صحي وتقاعد، ولا يمكن الركون إلى حالة التكافل الاجتماعي والأسري لتغطية وإدارة احتياجات كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وفي ظل تغير دور الحكومة فإن المجتمعات ستواجه تحديًا كبيرًا في تأمين ورعاية هذه الفئات، ولا نحتاج إلى سنوات عدة لنكتشف هذه الحالة، فهي قادمة حتمًا، وسيكون مفيدًا البدء في تأهيل المجتمعات لتكون قادرة على أن تكون شريكًا فاعلاً وموازيًا.

كيف يمكن تعزيز مشاركة المجتمعات ودورها؟

لن يحدث ذلك بالطبع بين عشية وضحاها ولا بقرار حكومي، ولكنه محصلة سياسات تنموية طويلة المدى ومعقدة وغير مباشرة.
يبدأ الدور الاقتصادي للمجتمعات بتكريس العدل والتنافس العادل في العمل والوظائف والعطاءات والانتخابات، لتكون الخصخصة عملية إيجابية ومساهمة في دمج المجتمعات في الشراكة الاقتصادية. ويمكن إسناد جزء من الخدمات والاستثمارات إلى البلديات والمجتمعات لتتولى بنفسها إدارتها أو المشاركة في ذلك، مثل مشروعات الطاقة البديلة الصغيرة والمتوسطة، وبخاصة الطاقة الشمسية، وتطوير الزراعة والصناعات الغذائية وزيادة مساهمتها في الاقتصاد والناتج المحلي، وتطوير المهن والأعمال، ومساعدة أصحاب الأعمال والمهن على تطوير أعمالهم وتسويقها، وتوظيف الفرص المتاحة في الإنترنت لتصدير وتسويق الخدمات المهنية، مثل البرمجة والتصميم والمحاسبة والاستشارات،.. والمشاركة في السوق المحلية والعالمية، وتطوير الحرف والصناعات الأساسية والصغيرة، وتشجيع الصناعات والأعمال المنزلية، والورش الصغيرة، والأسر المنتجة، وتشغيل النساء.

ويجب مراجعة تخطيط وإدارة المدن والأماكن لتتولى المجتمعات بنفسها إدارة الأندية والحدائق والمكتبات العامة، وتطوير تخطيط المدن والأحياء على نحو يسهل المشاركة والانتماء إلى الأحياء والبلدات على أساس من الأعمال والمصالح العامة المشتركة، والمشاركة في التعليم الأساسي ومراقبة الخدمات وحماية المستهلك، ويمكن أن تساعد شبكة الإنترنت في تطوير التعليم وإتاحة التعلم الذاتي والمستمر للدراسة والمهن والمهارات العامة.

وبالطبع فإن منظومة الثقافة والفنون هي مسؤولية المجتمعات أولاً، ويجب أن تبادر المجتمعات بنفسها وبتشجيع حكومي ومن الشركات على إنشاء منظومة من الآداب والفنون التي تتفق مع أسلوب المدن والتعليم المتقدم، وتشجيع المواهب والمهارات والأعمال والمؤسسات الأدبية والفنية، ويتوقع أن ينشئ ذلك أنماطًا جديدة من أساليب الحياة والسلوك الاجتماعي تنظم الموارد والخدمات وتحميها وتجددها، وتزيد ثقافة الإنتاج والعمل وترشيد الاستهلاك والطاقة، فالمجتمعات هي مالكة هذه الموارد الأساسية وصاحبة الولاية عليها، ولم تعد تعتمد على الحكومات، وليس من بديل سوى الحصول عليها بتكاليف هائلة.

والبلديات والمجتمعات بعامة هي الأكثر قدرة وفاعلية في مكافحة الفقر ومساعدة الفقراء، وتقديم خدمات الرعاية الاجتماعية للمرضى وكبار السن والمعوقين والأطفال؛ لأنها (يفترض) الأكثر معرفة باحتياجات الناس وظروفهم المعيشية، نتحدث عن مجتمعات محدودة بمكان محدد وليس عن إدارة اجتماعية مركزية! وكذلك الحال بالنسبة لحماية البيئة ومكافحة التلوث، وتفعيل الدور الاقتصادي والإنتاجي للنساء.

يمكن الحديث عن شبكة واسعة من المشروعات والأعمال التي يمكن للمجتمعات أن تديرها بتكاليف قليلة ولكنها تعزز مشاركتها الاقتصادية والاجتماعية أو تزيد من مستوى جودة ونوعية الخدمات الحكومية والشركاتية، مثل مواقع إنترنت متخصصة ومحددة بمكان معين أو قطاع معين، ومشروعات صغيرة ومتوسطة للماء والطاقة تستهدف أماكن صغيرة ومحددة، وتطوير المساكن، ومساعدة الناس على الحصول على سكن مريح، وأثاث ملائم، وتطوير المساكن ومستواها العام وتجهيزها، تصميم البيوت من الداخل والخارج على نحو يجعلها أفضل للحياة، مثل تطوير المكان والفضاء واستغلاله، والاستفادة من الشمس والتهوية لأجل التبريد والتدفئة، وأفكار وإضافات لعزل البيوت وحمايتها، وتطوير الأرصفة والطرق لتكون ممرات آمنة وملائمة للناس وبخاصة الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، وتطوير علاقة الأفراد والمجتمعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع الموارد والبيئة المحيطة، وبخاصة عندما تكون تجمعات سكنية قائمة حول أو قريبًا من مشروعات اقتصادية يعمل أهل الحي أو المنطقة فيها.

Share: