on : الجمعة, 25 Apr, 2014
2

أَربيل آمنة … عُشاق حديقة سامي عبد الرَّحمن

الكاتب من داخل حديقة "سامي عبدالرحمن" في أربيل

الكاتب من داخل حديقة “سامي عبدالرحمن” في أربيل

بعيداً عن أجواء الانتخابات، وما بين بغداد وأَربيل مِن وصال وقطيعة. منها تهديدٌ بإغلاق الشَّركة التي اسمها “الوطن العراقي”، ومنها قطع رواتب موظفي إقليم كردستان، وما يتعلق بالميزانيَّة. مثلما بقية محافظات العِراق ملأت لافتات الدِّعاية الانتخابية محافظات إقليمه، بأقل غرائبية وعجائبية، وربَّما فيها غرائب وعجائب إلا أنها كُتبت بالكردية، وما بقي في أذهاننا مِن درس هذه اللغة، في أوائل السَّبعينيات، لا يكفي لفهم دعايَّة انتخابيَّة، فنحن تعلمنا ذلك الدَّرس بلا ألفاظ في الدِّيمقراطية والفدرالية أو الكونفدرالية والبرلمانية، وإلى غير ذلك مِن ألفاظ جديدة علينا وعلى أخوتنا الكُرد أيضاً.

قلتُ بعيداً عما يُنتظر في ملحمة الانتخابات العامة بالعراق وإقليمه، الأربعاء القادم 30 نيسان (أبريل) 2014. فالمدونة خاصة بالعِشق والعُشاق في حديقة أو بارك سامي عبد الرَّحمن، والأخير قُتل مع مجموعة مِن رفاقه في الأول من شباط (فبراير) 2004، في تفجير لا ينفصل عن سلسلة الإرهاب الذي عمَّ العِراق من السهول إلى الجبال. وتكريماً لهذه الشَّخصية القيادية سميّت حديقة أربيل باسمه.

سألت عن إمكانية الوصول إلى معرض أربيل للكتاب (2- 12 نيسان/ أبريل)، فقيل لي عبر الحديقة، لكنّ المسافة طويلة، فاتفقنا أنا والصديق الكاتب والفنان طه رشيد أن نعبر الحديقة إلى معرض الكتاب، وطه مِن المعارف القدماء، كنا نتردد على دارٍ بمحلة الوزيرية ببغداد العام 1974، عرفته، بعد أربعين عاماً، مِن شاربه الكث، فقد ظل محتفظاً به، إلى جانب الاحتفاظ بما كان عليه مِن سجية ورفقة طيبة.

تُشكل الحديقة رئةً لمدينة أربيل، مترامية الأطراف لوسعها، تتخلها بحيرات وألعاب لتلاميذ المدارس، ومثلما احتكرت الأطيار أغصان الأشجار احتكر العُشاق خمائلها وظلالها. تُذكّر بحديقة الزوراء ببغداد، وما كان على ضفاف دجلة مِن حدائق تمتد على ساحل الأعظميَّة وأبو نواس وساحل المحيط بالكاظميَّة. كان الوقت بين الضحى والظهيرة، والسَّماء ملبدة بسحائب غير ماطرات، لمحتُ مِن بعيد شاباً وشابةً، فقررت السؤال عن الطريق إلى معرض الكتاب كعذر للحديث معهما، على الرغم مِن اعتراض صاحبي كي لا نقطع عليهما تلك اللحظات المسروقة مِن الدراسة أو الأهل، فكنا سألنا أحد العاملين وعرفنا الطَّريق تماماً.

سلمت عليهما فردا بعربيَّة مفهومة، وأخذ الشَّاب يشرح لنا كيفية الوصول إلى المعرض، حتى انتهى، سألتهما: هل تدرسان أو تعملان؟ قال الشَّاب، والشَّابة تتبسم بحياء: نحن ندرس في الجامعة، وهذه ساعات ليست فيها دراسة، فقررنا التجوال في الحديقة، بعد زيارة معرض الكتاب. قلت: أتحبان بعضكما، قال: نعم، وكلانا ندرس في قسم التَّاريخ. دعيت لهما بالموفقيَّة على أن يبق أحدهما إلى جانب الثَّاني، ولا يفرطا بهذه اللحظات في المستقبل، وهي التي تعين على تجاوز ما تأتي به الحياة بعد الزَّواج، بل هي الرابط الحقيقي.

تركتهما مسرروين، مع أن طه يلح عليَّ بتركهما، لكنْ ظهرت لي ذكريات ما قبل أربعين عاماً . اتجهنا وسط شارع مظلل داخل الحديقة وتذكرتُ ما كنت قرأته لأبي القاسم محمود بن عمر الزَّمخشري (ت 538 هـ): قيل: “عشق رجل امرأة فقيل له: ما بلغ من عشقك لها؟ فقال: كنتُ أرى القمر على سطحها أحسن منه على سطوح النَّاس”(ربيع الأبرار ونصوص الأخيار).

ابتعدنا قليلاً عنهما لاحظت محبين آخرين، يتهاديان بمشيتهما تعبيراً عن شعورهما بالأمان، إلا مِن عين الرَّقيب، ولم يكن سواي وصاحبي، فقررت التحدث إليهما، والعذر السؤال: أين طريق معرض الكتاب، وهذه المرة تحدث الاثنان، وأخذا يشرحان، بعد أن سألا: مِن أين أنتما؟ قلت مِن بغداد، فرحبا. وتكرر الموقف أكثر مِن مرة، وأنا انظر إليهما كأطيار لا بشر، لخفّت الأرواح وألق الوجوه، والغرق في الأحلام، ولا يلفت هذا المشهد نظر العاملين، مِن مزارعين وحراس، لينغص عليهما، بمعنى أنه أمر صار اعتيادياً. سافر طه، فقررت الذهاب في الطَّريق نفسه، لجمال ذلك المشهد، فتكررت الحكايات، والمدخل هو السؤال: “أين طريق معرض الكتاب”؟

عندما يشعر النَّاس بالاطمئنان والأمان يتحابون ويعشقون، بل يؤثر ذلك على المستوى الدراسي أو الإنتاجي، فأي المدن بلا حبٍّ وعشق، ومَن لا يجد خلوة حديقة وخميلة يستظل بها يفتش عن أي سبيل إلى ذلك. لكني عندما قررت الكتابة عن عشاق حديقة سامي عبد الرَّحمن، وهو الذي استقبلنا (أكتوبر 2000) للاحتفال بالجواهري وفي هذه الحديقة، التي سميت باسمه، ربطت بينه وبين عشاق حديقته، بقدر ما خشيت مِن الإسلاميين الكُرد طبعاً، إذا ما تمكنوا قد يأخذوا ما كتبته شاهداً أو دليلاً لمواجهة (الفساد)، مع أن عدد بعض مَن رأيناهنَّ كن مِن المحجبات.

كنت ضمنتُ كتابي “بعد إذن الفقيه” (مدارك 2011) فصلاً خاصاً بالعشق والعُشاق، بما يتعلق بمعاملات وأحكام النِّساء، تحت عنوان “أحكام العشق إباحة اللذَّة أهون الشَّرين”. معتمداً على ما صنفه الفقهاء الكبار في العُشق، مثل أبي الفرج عبد الرَّحمن بن الجوزي (ت 597 هـ) “ذم الهوى”، وكتاب ابن قيم الجوزيَّة (ت 751 هـ) “روضة المحبين ونزهة المشتاقين”، والكتاب الشَّهير “طوق الحمامة في الألفة والألاف” لابن حزم علي بن محمد الظَّاهري (ت 456 هـ)، وكتاب الحافظ مغلطاي (ت 762 هـ) “الواضح المبين في ذكر مِنْ أستشهد مِنْ المحبين”.

مَن يقرأ هذه الكتب يشعر أنها تجارب شخصيَّة أكثر منها حكايات عن آخرين. فابن حزم يقول قبل الأبيات التَّالية عن العشِق: “ولقد جربناه فكان مُرَّاً”، ثم يقول: “أرى دارها في كل حين وساع/ ولكن مِنْ في الدَّار عني مغيبُ/وهل نافعي قرب الدِّيار وأهلها/على وصلهم مِنْي رقيب مرقَّبُ/ فيا لك جار الجنـــب أسمع حسه/ وأعلم أن الصِّين أدنــى وأقربُ”(طرق الحمامة).

على أية حال الكُرد مثل العرب لهم عشقهم وأساطيرهم فيه، فـ”ممو” هو قيس، و”زين” هي ليلى، وإذا كانت نظرية العرب في العشق النهايَّة بالموت أو الاكتئاب الشَّديد فكذلك هو عند الكُرد. غير أن الدُّنيا تبدلت فلا حجب لمحب عن حبيبه، إذا لم يكن لقاء في حديقة، كحديقة سامي عبد الرَّحمن، فالتويتر والفيسبوك قد يعوضان. تبقى المدن غير آمنة إذا لم يملأ الحب حدائقها وبساتينها، لهذا أقول: وجدتُ أربيلَ آمنة.

Share: