on : الأحد, 20 Apr, 2014
Comments Off on محقق فذ.. مسلسل فذ!

محقق فذ.. مسلسل فذ!

أبطال مسلسل True Detective

أبطال مسلسل True Detective

في مارس الماضي وبعد نهاية الحلقة الثامنة والأخيرة من مسلسل True Detective غرَّد حساب شركة HBO الشهيرة في تويتر يشكر المتابعين للمسلسل ومعجبيه الذين بلغوا رقمًا قياسيًّا في مشاهدة الحلقة الأخيرة لم تحققه الشركة مع مجمل إنتاجاتها الضخمة منذ الحلقة الأخيرة الشهيرة لمسلسلهم الدرامي الرائع SIX FEET UNDER .

بالنسبة لشركة عملاقة امتازت بإنتاجاتها المذهلة والتي تتسيد الدراما التلفزيونية مثل مسلسل الجريمة والمخدرات THE WIRE أو مسلسل العصابات المنظمة THE SOPRANOS أو المسلسل الفانتازي الدرامي الضخم الذي حظي بمتابعة عالمية غير مسبوقة حاليًّا GAME OF THRONES ومسلسل الدراما الكوميدية الشهير SEX AND THE CITY فإن إنتاج مسلسل غموض وتشويق بنجوم سينمائية لا بد وأن يكون هناك شيء مختلف وفذ بالفعل.

لنقل مبدئيًّا أن القصة بحد ذاتها كجريمة غامضة يسعى محققان لكشفها والقبض على الفاعل ليست جديدة كليًّا بقدر ما فيها من تشويق وحبكة، لكن التميز الرائع لهذا المسلسل جاء من معايير أخرى متباينة بداية بالأداءات المذهلة لأبطال المسلسل، والذين عرفناهم كنجوم سينمائيين – وهما بالمناسبة شاركا في الإنتاج – وودي هارليسون بطل فيلم ميلوش فورمان “The People vs. Larry Flynt” و فيلم أوليفر ستون ” Natural Born Killers” والنجم الذي يعيش أوج توهجه “ماثيو ماكنوهي”، والذي حصل على أوسكاره الأول كأفضل فيلم عن دوره الاستثنائي في Dallas Buyers Club في الوقت الذي ما زال المسلسل يعرض للمشاهدين. يؤدي “وودي” شخصية المحقق “مارتي هارت” أب غير مخلص لعائلة مستقرة وزوجة محبة وإن كان مخلصًا في عمله تحكمه قيمه الدينية، ويلمس في المحقق الجديد صديقًا محتملاً ومحققًا حاذقًا يمكن العمل معه، فيما يؤدي ببراعة “ماثيو ماكنوهي” شخصية “رست كول” كمحقق هادئ جدًا وصبور حاد الذكاء، صريح بعقلانية مفرطة وخلفية ثقافية متنوعة، وازدراء عام للتشبث البشري بمعتقداتهم، واطلاع واسع في عالم الجريمة والقتلة التسلسليين، واضطراب نفسي متفاوت بسبب ماضيه المجهول، والذي يبدو متحفظًا عليه.

وتبتدئ الحكاية التي تجمع الاثنين في التحقيق بقضية مقتل فتاة خارج المدينة يعثر عليها عارية وموضوعة بطريقة طقوسية مريبة، وهنا نصل لمعيار آخر في نجاح هذا المسلسل بطريقة فريدة، وهو السرد الذي نشاهده يتنقل ما بين عدة أزمنة تتعلق بالماضي للشخصيتين، والحاضر الذي يشكِّل الوعاء الوحيد لرواية الماضي من خلال قيام اثنين من المحققين في استجواب طويل لمارتي ورست منذ بداية علاقتهما قبل سبعة عشر عامًا، حيث ينجح ببراعة كبيرة الكاتب والروائي الناجح “نيك بيزولاتو” مؤلف القصة، وبحوارات لن تنسى في التنقل ما بين هذه الأزمنة ممسكًا بخيط الإثارة المشوق في تتبع القضية وحل غموضها طيلة حلقات المسلسل تاركًا مساحة كبيرة من النص لمعرفة طبيعة الشخصيتين وفق حياتهما الخاصة، وانعكاس العمل عليها، وهو الكاتب الذي يمكن اعتباره -رغم نجاحه المشهود في كتابة القصة والرواية- كاتبًا جديدًا في عالم التلفزيون؛ حيث لم يسبق له سوى كتابة حلقتين من مسلسل THE KILLING عام 2011 لكن المؤكد أن نجاحه في هذا المسلسل سيعني مستقبلاً آخر لهذا الكاتب في عوالم السينما والتلفزيون.

وبما أننا نملك قصة جيدة ومشوقة مكتوبة بطريقة إبداعية مختلفة يقدمها بتأثير بالغ نجوم سينمائية، فهنا سنصل إلى معيارية شديدة الأهمية تتعلق بالإخراج، والذي تتصاعد أهميته حينما نعلم أنه وخلافًا للتقليد المتبع عاد في المسلسلات أن هناك مخرجًا واحدًا فقط تولى إخراج الحلقات الثمان وفق رؤيته الخاصة التي بدت بهذه القوة من التماسك، وهو الشاب المخرج “كاري فوكوناغا”، والذي لا يسبق عمله هذا سوى تجربتين سينمائيتين ناجحة هما الفيلم المستقل Sin nombre عام 2009 حول فتاة هندوراسية في مغامرة مع والدها بتحقيق حلمها في التسلل إلى أمريكا عبر المكسيك في رحلة مصيرية، وفيلمه الآخر عام 2011 والمعتمد على قصة الكاتبة البريطانية الشهيرة “شارلوت برونتي” Jane Eyre قبل أن يتولى بجدارة تقديم هذا المسلسل الفذ بطريقة مغايرة عادة لمسلسلات الجريمة والتشويق، فهو هنا كان قد عزل القصة عن الاستحكام الكامل على المشهد، ولم يعتمد سرعة الإيقاع كمحفز للتشويق بقدر ما كان يلقي بمشاهد الإثارة بشكل متباعد وهادئ ليخلق انسجامًا واضحًا مع شخصيات المسلسل، ويعكس المعادلة تمامًا لتكون قصة الجريمة الغامضة هي الوعاء الدرامي لتقديم شخصيات المسلسل، وهو ما يتناسب كثيرًا مع رؤية وهويّة شركة الكيبل التلفزيونية الاستثنائية HBO والتي جرت العادة أنها لا تقدِّم شيئًا تقليديًّا أو مماثلاً لغيرها!

Share: