on : الأحد, 20 Apr, 2014
Comments Off on ليبيا: ميليشيات متنافسة في مسرح موت الدولة!

ليبيا: ميليشيات متنافسة في مسرح موت الدولة!

الفوضى تعصف بليبيا

الفوضى تعصف بليبيا

من الواضح أن روح “العيش المشترك” وفلسفة المواطنة، تحتاج لأكثر من أغانٍ شعبيّة وتاريخٍ مُشترَك ضِدَ “عدوّ غاصب”، وادّعاء أن النسيج واحد والتركيبة واحدة، ويصحّ أيضًا النّفط وحده لا يشّكل دولة ولا يبني اقتصادًا، ولا يحقق استقراراً، هذا أبسط درس يخرج به أيُّ متابع لأخبار ليبيا، التي تعاني التصدّع، وتفتت الدولة، وتتجه إلى سيناريوهات ليس أسوأها أن تنفصل إلى ثلاث دويلات؛ والخبر الأسوأ بين كل ما يأتي من ليبيا؛ هو “شرعنة الخروج على القانون”، والرضوخ لفكرته.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اتُهمِت “غرفة عمليّات الثورة” التي يتزعمها هدية شعبان المعروف –بين الجهاديين- بلقب “أبو عبيدة الزاوي” بعدد من العمليّات، فاختطفت “دبلوماسيين مصريين” طلبًا في الإفراج عن “هدية” الذي أوقفته السّلطات المصريّة؛ وكان العجيب أن برلمانيين ليبيين تمادوا في التنديد باعتقال “هديّة” بل إن عدنان كعوان قال: إن اختطاف “دبلوماسي مصري” ردًا على اعتقال السلطات المصرية لهديّة “ردة فعل طبيعية”، وبعد جهود دبلوماسيّة “تفاوضية” قامت السلطات المصريّة بالإفراج عن “هديّة”، بعد أن قام “الثوار” بالإفراج عن الدبلوماسي المصري، وتبارى المسؤولون المصريون في التأكيد على أنّ الإفراج عن هديّة لم يكن في إطار صفقة، ولكن أحدًا لم ينف ما رُوِّج عن وساطة قادها “علي الصلاّبي”.

يذكر الجميع أنه في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 3013 أنّ رئيس الوزراء علي زيدان جرى اختطافه بسبب مواقفه، وأقيل لاحقًا واضطر إلى الخروج من ليبيا محذرًا من سطوة مليشيات إسلامية، أما رئيس الوزراء الليبي عبد الله الثني المؤقت فقد قدّم استقالته في الأسبوع الثاني من أبريل (نيسان) الجاري، بعد أن تعرّض وأسرته لمحاولة اغتيال، وقال إنه لا يريد أن يكون سببًا في الاقتتال بين الليبيين! أي أنه تنازل بعد محاولة الاغتيال، وفهمها –حسب مواطنين ليبيين- على أنها تُمثِل وجهًا مسلحًا للضغوط الموجودة داخل البرلمان من قبل كتلة الوفاء لدماء الشهداء التي تدفع لاعتماد “عبدالحكيم بلحاج” رئيس الحزب الوطني وزيرًا للداخلية.

في الثلاثاء الماضي، 15 أبريل (نيسان) قامت مجموعة مسلحة باختطاف السفير الأردني فواز العيطان، وعرضت إطلاق سراحه مقابل إطلاق السلطات الأردنية عن “محمد المدرسي” الليبي المحكوم عليه في قضيّة محاولة تفجير مطار أردني في 2007، وسارع بعض الإسلاميين في الحديث عن أن المدرسي “عاجز” و”مريض”، وأن الإفراج عنه لا يَضر، وتحرّكت الوساطات التي تستمر إلى لحظة كتابة المقال، وبالتزامن مع بشريات بانفراجة في “ملف” السفير الأردني، بعد الحادثة بيومين، تمّ اختطاف القنصل الثقافي التونسي، وتمّ رفع المطالب لإطلاق سراح “سجناء” موجودين في تونس، وفي الجمعة الماضية اختطفت سيارة دبلوماسية تابعة للسفارة الأميركية!

هذا السلوك لا يؤخذ في إطاره الأمني فقط، فهذا شأن آخر، ولكنّه يؤخذ في إطار الرضى به؛ فهو مؤشِّر دال على تداعيات “موت الدّولة”؛ وحلول بديلٍ لها لم يُعترف به دوليًا، فبينما ضمير المجتمع، بدأ يفقد الثقة في وجود “كيان” يمثله، ويحمل هم رعاية “الرغبة في العيش المشترك”، فإن هذه الجماعات تطرح ذاتها على أنّها هي القادرة على ذلك، وإن كانت تفرض العيش المشترك فرضًا، وهذا السلوك في شقه الآخر أي: حينما يصبح التفاوض مع من يمارس الإرهاب والعنف خيارًا، فإنه يدل على إشكاليّة مركبة؛ لا تنفصل عن “تفكك الدّولة” وسيناريو التقسيم الذي تمضي إليه.

مرسى الغربي، الكاتب في صحيفة “ذي ناشونال إنترست”، علّق على استلهام أهل فزّان (جنوب ليبيا) نموذج برقة، وإعلانهم جنوب ليبيا منطقة للحكم الذاتي”، إنها معركة لا تقتصر على القبائل والحكومة، بل إنها تتحول إلى مصدر للصراع القبلي بين “العرب” والتبو” و”الطوارق”، وأشار إلى أن انخفاض عائدات النفط ليصل إلى 12.5% يقوّض بشدة قدرة الدولة على فرض سيطرتها، وتقديم الخدمات الضرورية؛ ما يؤدي لتراجع “شرعية الدولة” في أعين كثيرين، وبالتالي تمكين الانفصاليين من هذه المناطق المهمة.
المرحلة الأخطر في الأزمة الليبيّة، هي مرحلة امتطاء الحلول؛ بمعنى أنّ “حل” مشكلة السِّلاح -الذي هو سندان الشرعيّة في الحالة الليبية- حُوِّل إلى “مشكلة”؛ من واقع التلاعب بعمليّات الإدماج؛ والتهيئة لتحويلها إلى غنائم ذاتيّة، ففي 5 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2013، أقرّ وزير الدفاع –آنذاك- عبد الله الثني بأن ما يزيد عن 170,000 فرداً كانوا يتلقون أجوراً رغم تزايد عدد من يتخلفون عن الخدمة. كما أقر بأن العديد من الوحدات العسكرية غير موجودة سوى على الورق، وأنه “تم إنفاق مبلغ هائل من الأموال على هذه الوحدات الوهمية. وحسب “أندرو إينجل” -الباحث بمعهد الشرق الأدنى- فإنّه في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2013، ذَكَر “الأدميرال وليام ماكرافين”، رئيس “قيادة العمليات الخاصة” الأمريكية، إن الولايات المتحدة ستتولى تدريب ما بين 5000 إلى 7000 فرد من القوات اللّيبية التقليدِية وقوات مكافحة الإرهاب، ووصف أكبر المشاكل في إعادة بناء الجيش الليبي هي تشكيل الوحدات التي تتقاطع عبر خطوط إقليمية وقبلية وأيديولوجية. فربط نجاح جهود “نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج”، بالحاجة إلى عملية مصالحة وطنية شاملة. وبخلاف ذلك، فإن المساعدات التي ستقدمها الدول ربما تعزِّز -بكل بساطة- من وجود هيكل ضعيف في زي أنيق، أو الأسوأ من ذلك أنها قد تساعد على وجود فصيل مسلح آخر. ( آندرو، ليبيا على شفا الهاوية، نوفمبر (تشرين الثاني- 2013).

اكتسبت المليشيّات الأيدلوجية والجهوية والقبائلية وغيرها، شرعيتها “الشعبيّة” من مرحلتين، الأولى مرحلة “إسقاط” النظام السّابق، عبر الحرب الأهليّة بعد المظاهرات الشعبية ضد نظام العقيد القذافي، التي أطاحت بالقذافي والدولة معًا، وحاولت استبقاء “شرعيتها” الثوريّة وتحويلها إلى شرعية ممتدة، في محاولتها “الحفاظ على الأمن؛ حماية منسوبيها ومواليها؛ تأمين حدٍّ أدنى من التدبير الإداري للعيش؛ وخلال هذه المرحلة تقلصت شعبيّة الدّولة وانفك انتظامها، وصارت عالة على المليشيات، ويمكن قراءة ذلك من حادثة طريفة؛ إذ كان قائد إحدى المليشيات يخاطب الشعب عبر قناته مطالبًا البرلمان الحكومة فورًا، وبدا منتقدًا “تبجح زيدان ببناء جيش”، وقال له: “من كان يؤمن الدولة أثناء احتفالات التحرير”؟

في أدبيات التعامل مع الإرهابيين، تمنع الدول المعتبرة نفسها من الدخول معهم في “مفاوضات”، وصارت قاعدة أن الرضوخ لمطالبهم من قبل الدول أمر غير مطروح؛ لأنه يكسبهم شرعيّة وجود، وذلك للتأكيد على مبدأ سيادة “القانون”، ولكن في الحالة الليبية، تقوّض الإحساس بالقانون لصالح جهة أخرى، وصارت الدولة كـ”مليشيا منافسة”، تمثّل نخبة لا حول لها ولا قوّة سوى الرضوخ للضاغطين الدوليين والداخليين، ويبدو أن الأمر بات في طريقه إلى أن تنغلق كل الأبواب في وجه الإصلاح الداخلي، ويبقى التعويل على “قوّة خارجيّة” ذات موثوقيّة، تفرض المصالحة الوطنيّة وخارطة الطريق.
يقول الباحث والإسلامي السابق عمير بن عثمان، في سجالاته التويترية “تراجعت إنجازات ثورة فبراير حتى انحسرت في نشيد “بميوزك” أكثر رومانسية وعلم مخطط بدل العلم السادة”. في الحقيقة إنّهم لم يخطفوا السفراء فقط؛ بل خطفوا الدولة.

Share: