on : الجمعة, 18 Apr, 2014
Comments Off on أَربيل للكتاب.. يكفي اللِّقاء بعبد الحميد الرُّشودي

أَربيل للكتاب.. يكفي اللِّقاء بعبد الحميد الرُّشودي

الباحث العراقي عبدالحميد الرشودي

الباحث العراقي عبدالحميد الرشودي

كان معرض أربيل للكتاب، الدَّورة التَّاسعة، زاهيَّاً، مِن غير الكتب على أشكال وأَنواع اتجاهات عناوينها، بالمناسبات الثَّقافيَّة والفنيَّة. جمعت الصَّور التي تزينت بها قاعة النَّشاط الثَّقافة والفنون العِراقيَّة كافة: جميل صدقي الزَّهاوي، فلك الدين كاكائي، محمد مكية، زهور حسين، محمد القبانجي، مصطفى جواد، معروف الرُّصافي، جواد سليم، عبد الله كوران، محمد سعيد الصَّكار، وسواهم.

كانت مناسبة مرور خمسين عاماً على وفاة المطربة زهور حسين(1968)، ومرور خمسة وعشرين عاماً على وفاة قارئ المقام العِراقي محمد القبانجي (1989) في مقدمة البرنامج الفني للمعرض. كذلك كانت مرحلة التنوير، التي ندعو لإعادة ولو طيف منها، حاضرة في معرض أربيل للكتاب، قدم الباحث حسين هنداوي كتابه “فلاسفة التنوير والإسلام” تلته ندوة عُقدت للناقد المصري جابر عصفور تحدث فيها عن طه حسين وإسهامه التنويري، وسبق ذلك ندوة للباحث العراقي فارس كمال عمر نظمي، قدم فيها كتابه “الأسلمة السياسية في العراق”، ولهذا الباحث والأكاديمي عمق في الرؤيا نابع مِن قلق على بلاد يصر أنها ليست هكذا عبر التاريخ ويصيرون أنها ذات تاريخ دموي، وهذا يراه وأراه أيضاً ظلماً واجحافاً بحق العِراق والعِراقيين.

كانت أروقة المعارض مكاناً للتعارف بالجيل العراقي الجديد، مِن ولادات الحروب والحصارات، لكنهم تجاوزوها بإصرار على الحياة بتقدم لا بتراجع، وهذه بحد ذاتها مفخرة مِن المفاخر، حصلت بفضلهم لا فضل نظام أو دولة. إلى جانب إعادة تعارف بعد عقود مِن الغياب بالسَّابقين. احتشد في معرض أربيل فنانات وفنانون وصحافيات وصحافيون وكاتبات وكُتاب. كان اللقاء بالقاضي عبد الرحيم العكيلي، وترى على ملامحه سحنة الحزن بخيبة ما آل إليه الحال معه، وتلتقي بالذين بعدوا أو أُبعدوا مِن بقية المحافظات.

تجد آثار ما حصل بالأنبار وبهرز وسواهما، إلى مَن شد الرِّحال مِن البصرة والنَّاصرية، إلى المسيحيين الذين احتضنتهم كويسنجق وأربيل، ومَن ضاقت بهم عينكاوة مكاناً لا قلباً، ينتظرون تحسن الأحوال للعودة إلى ديارهم، التي سمعنا أنها صارت نهباً لجماعات مسلحة، مع أثر الآلام التي يشعرها المراقب القلق لتلك الأجواء. لذا نقول كان معرض أربيل مناسبة للوصل بين الشتات، والوصل بين مدن تكاد السياسة تُقَطّع أوصالها، هذا ما جرى الحديث عنه في ندوة “العراق خلال مئة عام 1914-2014”.

مِن بين الوجوه لمحت شيخاً جالساً أمام “دار الحكمة”، داخل معرض أربيل، محتضناً عكازته، سلمت عليه، وقال: ألست فلاناً؟ فقبلتُ رأسه، تقديراً لما صحح لي مِن أخطائي عبر رسائله. أتذكر أول رسالة وصلتني منه، وأنا ببيروت، بعد قراءته لكتاب لي، وفيها الاعتذار والتردد عما سيرسله لي مِن تصويبات، لعلمه بمَن يعتقد بنفسه الكمال فيرد بنرجسية عليه، ولو عَلم بعظمة فرحتي بها ما كتب تلك المقدمة، وطمعتُ أكثر فكتبت له، لو قرأت كتبي الأُخر ونورتني بما فاتني أو ما خل به يراعي هناك وهناك. نعلم أن الأولين كانوا إذا أخذوا حديثاً أو استفادوا بمعلومة من أحدٍ عدوه أستاذاً.

يحمل عبد الحميد الرُّشودي على كاهله خمسة وثمانين عاماً، قضاها منذ ريعان شبابه بمتابعة الأدب، وبفضله وصلنا تراث جميل صدقي الزَّهاوي، ولما دخل كلية القانون وتخرج منها (1949-1953) وعمل في مجال الحقوق، وجد نفسه غريباً فيه، فميوله كانت في الأدب، فعاد إلى مقاعد الدِّراسة تلميذاً مرة أخرى، ودخل الجامعة المستنصريَّة، عند أول افتتاحها ليتخرج منها (1963-1967) حاملاً شهادة الآداب.

قلت بفضله تعرفنا على كوامن الزَّهاوي التَّنويري فله كتاب “الزَّهاوي دراسات ونصوص”، وعَرف بمعروف الرُّصافي أكثر، وكم جميلة تخرج مِن شفته ضمة الراء مع الشدة التي لابد منها عند العارفين بطبيعة الحروف الشَّمسية وما تفرق عنه الحركات في الحروف القمريَّة، فينطقها (الرُّصافي) بلا تكلف وتقعر.

كانت بداية عبد الحميد الرُّشودي مع التَّأليف بالرُّصافي، فأصدر كتابه الأول “ذكرى الرُّصافي” (1950)، ثم “آراء أبي العلاء المعري للرُّصافي”(1955)، فالأدب الرَّفيع للرُّصافي (إشراف وتصحيح). قدم عبد الحميد الرُّشودي شخصيات الأدب والفكر العراقية، ككتاب “مقالات فهمي المدرس(1970)، “مصطفى علي حياته وأدبه”(1989)، ويمكن اعتبار الأخير كاتب الرُّصافي، لأنه كان يترك إليه كتابة ما يسود مِن النُّصوص، وذلك لحِسن خطه، وكان أحد المساهمين في معركة التَّنوير في العشرينيات، مِن القرن الماضي.

للرشودي كتاب في محمد مهدي الجواهري(ت 1997) “تحليلات عروضية لشعر الجواهري”(2002). وله أيضاً “تراث مصطفى جواد في اللغة والنقد والتَّاريخ”. لكنه شُغل كثيراً بالرُّصافي، فظهر له مِن غير ما قُلنا “الآلة والأداة للرُّصافي”، و”الرُّصافي في حياته وآثاره”.

سمعت مِن المحامي والمحقق عبود الشَّالجي (ت 1996) أنه أخذ يجمع شعر أبي عبد الله الحسين بن الحجَّاج (ت 391 هـ)، ولم يقدر على إكماله بسبب مرضه، فقال رميت المهمة على عبد الحميد الرُّشودي، فهو يعلم أن الرُّشودي أهل لها، مِن ناحية الالتزام والأمانة والعِلم، هذا ما كان يقصده الشَّالجي مِن تكليفه بهذه المهمة. ومعلوم، أن كتباً صدرت بشعر ابن الحجَّاج، ككتاب “درة التَّاج في شعر ابن الحجاج” بتحقيق جواد علي الطَّاهر (ت 1996)، وكتاب “تلطيف المزاج مِن شعر ابن الحجاج” جمعه ابن نباتة المصري (ت 768 هـ)، وحققه ونشره الباحث العراقي نجم عبد الله مصطفى. على العموم، يحتاج شعر ابن الحجَّاج إلى جامع ومحقق وشارح جريء، فهو محرم عند أهل الحُسبة، لبذائته وجزالته في الوقت نفسه.

ولد عبد الحميد الرُّشودي في بيت تزينه المكتبة، فنشأ مع الكتاب، وتربى على حفظه والعناية به، فتكاثرت رفوف الكتب، مع فكر نهضوي زرعته فيه تلك الكتب، وهذا ما جعله يميل إلى الزَّهاوي وثورته والرُّصافي وتمرده.
تحدثنا كثيراً عن زمن يحار به جامع الكتب بكتبه، مَن سيهتم بها بعده، ولحظتها تذكرتُ بيت الجواهري وهو يقول لأبي العلاء المعري (ت 449 هـ) في ألفيته (1944): “على الحصير وكوز الماء يرفده/ وذهنه ورفوف تحمل الكتبا/ بكى لأوجاع ماضيها وحاضرها/ وشام مستقبلاً منها ومرتقبا”.

تلك ليست محنة الرُّشودي بمفردة إنما هي محنة محبي الكتب وجامعيها كافة. فالدول المتقدمة تستوعب مكتباتها ومراكزها تراث الرَّحالين، أما ببلد مثل العِراق فما زال على قلق! فالرُّشودي عاصر انقلابات وهزات ليس مِن السِّهل عليه الاطمئنان لوضع ما.

كانت أيام معرض كتاب أربيل جميلة، توج جمالها، بالنِّسبة لي، بلقاء آخر يوم منها مع عبد الحميد الرُّشودي، أقول سرتني كثيراً الوجوه واللقاءات والنشاط الثَّقافي، وإن لم يكن كلَّ هذا موجوداً، فيكفيني اللقاء بعبد الحميد الرُّشودي، أطال الله بعمره.

Share: