on : الأحد, 13 Apr, 2014
Comments Off on صراع الخير والشر.. كيف ينتهي العالم في الرسوم اليابانية المتحركة؟

صراع الخير والشر.. كيف ينتهي العالم في الرسوم اليابانية المتحركة؟

مشهد الانفجار الأخير!

المفهوم الأخروي ليس حكرا على دراما الرسوم اليابانية المتحركة «الأنمي»، فهو سمة تجد لها حضورا بارزا في أكثر أشكال الأدب تعبيرا، النخبوي منها وحتى الشعبي، بل يمكننا أن نتوسع في الفكرة لنقول، إن مفهوم نهاية العالم والأخروية، هو هاجس يتملك أكثر المجتمعات الحضارية وثقافاتها المختلفة. لكنه في «الأنمي» يبدو أكثر كثافة وأشد حضورا، حتى ليبدو في كثير من الأحيان أنه ليس من موضوع يشكل هاجسا مسيطرا على الرسوم المتحركة اليابانية، غير نهاية العالم أو انتظارها.
من المسلسل الياباني "مذكرة الموت"

من المسلسل الياباني “مذكرة الموت”

«اندلعت الحرب العالمية الثالثة عام 2008م، استخدمت فيها الشعوب المتحاربة، أسلحة مغناطيسية تفوق في خطورتها الأسلحة التقليدية، ونتيجة لذلك حل الدمار في البر والبحر، وباتت الكرة الأرضية تعيش كارثة مؤلمة. قضت الحرب على معظم أجزاء هذه الأرض.. ولكن الآن أخذت الأشجار والحشائش تنمو من جديد، وأخذت الأسماك تملأ مياه البحر، لقد انتعشت الأرض وامتلأت بالحياة من جديد».
هذا المقطع الشهير من مسلسل «كونان فتى المستقبل – مغامرات عدنان ولينا» عام 1978م، الذي أخرج أجزاء عدة منه «هاياو مايزاكي»، لم يكن فريدا من نوعه، سواء من الناحية الزمانية، إذ سبق ظهور مثل هذا المقطع، بشكل أو بآخر في عدد من الأعمال الرسومية اليابانية السابقة واللاحقة، كما أنه لم يكن فريدا من نوعه من ناحية المضمون والموضوع، فقد درجت أعمال «الأنمي»، على طرح مثل هذه النظرة للمستقبل، في عدد لا يحصى منها.

المفهوم الأخروي ليس حكرا على «الأنمي»، فهو سمة تجد لها حضورا بارزا في أكثر أشكال الأدب تعبيرا، النخبوي منها وحتى الشعبي، بل يمكننا أن نتوسع في الفكرة لنقول، إن مفهوم نهاية العالم والأخروية، هو هاجس يتملك أكثر المجتمعات الحضارية وثقافاتها المختلفة، ويمكن لأي منا إدراك ذلك، في حال أعطى لنفسه الوقت في سبر القشرة الخارجية المجردة، لبعض الروايات والقصص أو الأعمال السينمائية لأي ثقافة فاعلة في العالم اليوم، لكنه في «الأنمي» وهو ما يهمنا بشكل أكبر في هذه الدراسة، يبدو أكثر كثافة وأشد حضورا، حتى ليبدو في كثير من الأحيان وعبر الأعمال الأكثر تميزا في الصناعة، أنه ليس من موضوع يشكل هاجسا مسيطرا على الرسوم المتحركة اليابانية، غير نهاية العالم أو انتظارها.
هذا لا يمنعنا من القول، إن هناك حالات اندماج واسعة في الكثير من أعمال «الأنمي»، بين هذا الموضوع وغيره من المواضيع المسيطرة عليه مثل الرثاء والاحتفال، لكن اللافت للنظر أن هذا الاندماج غالبا ما يجري في وجود المظهر الأخروي، وفي الغالب ما يكون هو المظهر الأبرز، الذي يمكن التقاطه في العمل بسهولة، وفي بواكير المسلسل أو الفيلم أحيانا.

في استقراء المفهوم

مفهوم الأخروية المترجم عن المفردة الإنجليزية «أبوكاليبس»، يفسر في معظم الأوقات على أنه التسلسل المتتابع للدمار الكوني، لكن المعنى الأساسي المستند على الشروح الدينية والتفاسير الكتابية، يأخذ بالمعنى منحى روحيا، يمكن اختزاله في عبارة «كسر جوهري لطبيعة الأشياء»، وهو ما يمكن حمله على الأخروية الشخصية، المتمثلة في نهاية حياة الفرد بحلول أجله.

الكلمة اليونانية «أبوكاليسس» يجري تفسيرها على أنها النزاع التدميري الأخير بين الخير والشر.
في الكثير من أعمال «الأنمي»، لا يكثر السرد المتواتر عن «انتظار نهاية العالم»، بل من الوحي لـ«لماذا وكيف ينتهي العالم؟».
بإعطاء المسافة بين المرويات الدينية اليابانية، ومقابلها في المسيحية، يبدو فاتنا للغاية وساحرا للعين، كيف أن النظريات اليابانية الحاضرة اليوم، التي تروي نهاية العالم، تأخذ صداها من الوحي الكتابي.

الثقافة اليابانية التقليدية والتراثية، مظهر أساسي يؤثر في تركيبة المجتمع الياباني المعاصر، وعلى فهمه للتصور الأخروي، لكن وعلى مرحلة ما، فإنه يمكن القول إن «الأنمي» أثر وبشكل كبير، على فهم اليابانيين المعاصرين للأخروية.
لمزيد إيضاح، يجب أن نعود لاستقراء التاريخ أولا، لنفهم التأثير الجمعي للثقافة اليابانية التقليدية والتراثية، وكيف أثرت في التصور الأخروي عند اليابانيين، الذي نجد آثاره اليوم في كثير من الآداب والفنون ومن ضمنها «الأنمي». إنها تغذية راجعة بشكل ما.
كتب البوذية وشروحاتها المتعددة القراءات، لا تأتي على ذكر أي رؤى، للمعركة الفاصلة بين طائفتي الخير والشر في نهاية العالم. هناك نهاية ولكن ليس بحسب مرويات الوحي الكتابي. قد يكون تعليم «المابو» البوذي أو ما يطلق عليه «الأيام الأخيرة للقانون»، وفي تفسير آخر «العهود الحديثة من الناموس»، هو ما يمكننا الوقوف عليه كمفهوم يعطي تصورا واضحا عما يظنه البوذيون عن النهاية أو السقوط بمعنى أصح.
تعليم «المابو» يتحدث عن مرور آلاف السنين بعد موت بوذا المعلم الأول، يبدأ العالم في الانحطاط والتفسخ ويعتريه الفساد بشكل أبلغ مما كان يتوقع، إذ فقدت تعاليم بوذا قوتها وتأثيرها على الأتباع الذي أغراهم العالم بزخرف الرفاهية والمتع الزائلة، إلا أن العالم يجري إنقاذه على يد «مايتريا بوذا»، الذي سيظهر في هذه الساعة الحرجة من الحاجة، ليكون دليلا لعهد جديد من التنوير البوذي. يستغرق المايتريا بوذا سبعة أيام، لإنجاز ما تطلق عليه السوترا البوذية «اليقظة» أو «التنوير»، ويسبق ظهور المايتريا بوذا، بعض التغييرات الطبيعة في المناخ وحتى التضاريس، مثل انحسار مياه المحيطات لكي يتمكن من الوصول إلى الأرض بسلام.

مؤثرا في كلتا الثقافتين العليا والدنيا في القرون الوسطى من التاريخ الياباني، فإن عقيدة ومذهب «المابو»، أصبحت واسعة الانتشار بشكل أكثر في القرن الحادي عشر، وبتوازٍ تاريخي مع عودة مفهوم «الألفية» في الغرب، حيث ينتظر النصارى مخلصهم بعد الألفية الأولى للسيد المسيح عليه السلام، انتشرت في اليابان حركة إحياء للتعاليم البوذية الأصلية، – التي طُمست بالتعاليم السطحية من تربة البوذية الشديدة الخصوبة لتعدد التفسيرات – ، في المدن والقرى اليابانية، وبات من الطبيعي سماع أصوات ترانيم الاجتماعات الدينية للأتباع، وهم يؤدون صلاة «الننبوتسو» في بحث شديد الاهتياج عن الخلاص.

عدنان لحظة اكتشافه للينا، ضمن مسلسل (مغامرات عدنان ولينا).

عدنان لحظة اكتشافه للينا، ضمن مسلسل (مغامرات عدنان ولينا).

«الأنمي» أثر بشكل كبير، على فهم اليابانيين المعاصرين للأخروية، وقدم رؤى واتجاهات جديدة

أيا كان التشابه بين الطريقتين في الخلاص، إلا أن تعليم المابو تعليم يوتوبي فاضل، هيئة أكثر سلمية للخلاص، لا تعتمد صورة المنقذ ذاته، أو مملكة السماء في الوحي الكتابي، أو العالم المطهر في السوترا البوذية المتأخرة.
في القرون الوسطى أيضا، ظهر مفهوم أثر في الآداب والفنون بشكل واضح، لكنه استمر حتى غمر الحياة اليابانية كلها، كان ذلك مفهوم «مونو نو آواري»، الذي يعني بالعربية «كآبة الأشياء»، وهو فلسفة جمالية تؤكد طبيعة الحزن للحياة، وأن هذا الحزن جزء لا يتجزأ من السعادة التي تحققها أشياء هذه الحياة، وهو سبب يقف خلف النظرة اليابانية المعاصرة للعالم وإمكاناته، والتوجس الدائم لنهاية الأشياء كطبيعة أصلية فيها، وهو نوع يمكن إضافته إلى تكون الوعي الأخروي في الثقافة اليابانية الحديثة.

يقال إن أول من خرج بمصطلح «مونو نو آواري» هو الناقد الياباني الشهير «موتوري نوريناجا»، الذي عاش بين عامي 1730م و1801م، إذ أصبح يُطلَق هذا الأسلوب على كثير من أعمال المدرسة الرومانسية الأدبية، ثم تجاوز ذلك حتى أصبح اليوم يطلق على بعض الأعمال الأكثر حداثة في اليابان مثل رواية «الغابة النرويجية» للروائي الكبير «هاروكي موراكامي»، كما أن هذا المصطلح توسع من أن يكون حكرا على عالم السرد، ليصبح تعبيرا ضمن تعابير أخرى مؤثرة في السينما اليابانية، مثل أعمال المخرج البارز «ياسوجيرو أوزو»، أو «المانجا» عند هيتوشي أشينانو، كاورو موري، وكوزوي أمانو.

ما وراء الأخروية!

موضوع الأخروية هو موضوع متأصل في الهوية اليابانية الوطنية المعاصرة، هذا الجزم بتأصله في الهوية، يأتي على صورتين شكليتين، فهو إما طبيعي أو مفاجئ، تقول الأستاذة سوزان ج. نابير في كتابها «الأنمي من أكيرا وحتى الأميرة مونونوكي»:
«لو أن التصور الأخروي ومواضيعه لم توجه بسبب الزيادة في التغير الاجتماعي واتساعه غير المتوقع، فإن اليابان اليوم ما زالت تظللها ذكريات القنبلة الذرية، والإخفاقات الاقتصادية التي تقفل بين كل عقد وآخر، بعد حقبة من الانفجار الاقتصادي، الذي يبدو غالبا المرشح الواضح الظهور، لبروز الرؤى المتعددة للنهاية، ومن هنا يمكن تفهم هذا الشعور وسبب احتضان الجمهور له».

لكن كلام الأستاذة نابير، يمكن سحبه وبشكل كامل ما عدا في جزئيته الخاصة بالقنبلة الذرية، على الكثير من الحضارات والثقافات المعاصرة، فالقرن العشرون مع موروثه الاجتماعي، ومعتركاته السياسية المتعددة، والمعدل الهائل والمتلاحق بشكل فادح السرعة للتغيرات التقنية التكنولوجية، تبدو هي المتهم الرئيس خلف هذا الكم الضخم من الرؤى الأخروية، التي تظهر في العالم اليوم، ما يجعل البعض يرى في الغاية القصوى لمنتجات العصر الحديث، وبالذات في مجال الرفاهية الإنسانية، دلائل على نهاية السعي الحثيث لكل ما يمكن أن يتفتق عنه العقل البشري.
الوعي الأخروي حاضر في الفنون والأشكال الأدبية المختلفة، لكن حضور هذا الوعي، يبدو واضحا بإيقاع أكثر وضوحا وكثافة في الولايات المتحدة الأميركية، إذ ولدت طوائف وملل يوم القيامة من «الشاكرز» في القرن التاسع عشر، إلى أتباع ديفيد كورش وجيم جونز في القرن العشرين، مما يجعل استحضار عبارة الكاتب الأميركي «جون و. نيلسون» مناسبة للاستشهاد، حيث يقول: «الأخروية أميركية مثلما هي النقانق».

يقول جوناثان كيرتش: «يحظى سفر الرؤيا في أيامنا هذه بجمهور واسع من القراء في الأوساط الأصولية المسيحية، إلا أن الحبكة والشخصيات تبدو مألوفة حتى بالنسبة لمن لم يسبق له أن اطلع على آخر أسفار العهد الجديد. وفكرة أن العالم سينتهي قريبا، بكل ما تتضمنه من صور بصرية وهمية وكلمات وأرقام وألوان وصور وأحداث كما يصورها سفر الرؤيا، تعد جزءا من نسيج الحضارة الغربية، سواء في الثقافة العليا أو في الثقافة الشعبية، بدأت في العهود التوراتية السحيقة، واستمرت إلى عصرنا هذا. فمعركة أرمجدون، فرسان الرؤيا الأربعة، الختم السابع، عاهرة بابل العظيمة، المسيح الدجال، حاصد الأرواح الشرس، عناقيد الغضب، غادرت مكانها على سفر الرؤيا، ووجدت طريقها إلى أرفع الأعمال الأدبية والفنية والموسيقية، وصفحات الرياضة، في الصحف وشاشات السينما، وأفضل الكتب مبيعا في الغرب».

إن الأمر الذي يجعل أوروبا وأميركا بمعزل عن اليابان في التصورات الأخروية هو اشتراكهما في الوحي السماوي الذي يحدد النهاية في معركة فاصلة بين قوى الخير وبين قوى الشر الشيطانية، وتنتهي الأحداث بأن يحيق الشر بالشيطان وحزبه، ويرسلون إلى الجحيم، بينما يرفل أهل الخير في السعادة إذ يدخلون الجنة مملكة السماء، التصور نفسه بشكل عام، هو ما نعتقده نحن المسلمين، عبر آيات القرآن ومرويات السنة النبوية.
الثقافة التقليدية اليابانية لم تشارك قط في تصور هذه الرؤية بسبب منابع التلقي، فالمرويات البوذية لم يرد فيها ذكر لمثل هذه المعركة الفاصلة على الإطلاق، وفكرة النعيم أو الجحيم ليس هناك أي تصور عنها في المفاهيم الشنتوية الأقرب للمذهب الأخلاقي منها للمذهب النحلي أو الديني. رغم ذلك وكأن الأمر أشبه بنكاية ما، فإن كلا طرفي الثقافة اليابانية العليا والدنيا مغمور بشكل لافت بالرؤى الأخروية الكتابية.
في رواية «مياه الطوفان فاضت على روحي» للروائي الكبير «كنزابورو أو»، هناك كثافة غير عادية لفضيان الرؤية الأخروية، والهولوكوست النووي.
الروائي المعاصر «هاروكي موراكامي» كتب عددا من الروايات التي تحتقن بالرؤى الأخروية منذ بداياته في «بلاد العجائب الفائرة بعنف ونهاية العالم» عام 1985م، حتى أعماله الأخيرة مثل «كافكا على الشاطئ» عام 2005م، نظرة مونولوجية من طراز (الأنا) عن نهاية العالم من منظور شخصية واحدة منفردة في «الغابة النرويجية، تتعدد لثلاثة في «كافكا على الشاطئ».

شخصية جودزيلا الشهيرة

شخصية جودزيلا الشهيرة

قضية نهاية العالم، ونهاية صراع الخير بالشر تشكل هاجسا كبيرا يسيطر على الرسوم المتحركة اليابانية

موراكامي كتب بعد «بلاد العجائب الفائرة» بما يقارب السنوات العشر، كتابه الشهير «تحت سطح الأرض» الذي نشر في عام 1997م، تأملات واقعية غير متخيلة عن الناجين من الهجوم بغاز السارين في مترو طوكيو عام 1995م، من قبل الطائفة الدينية المتطرفة «آوم شينيركيو».
عبر الوعي الأخروي لدى طوائف مثل الآوم شينيركيو، يمكننا الإدراك بأن الثقافة اليابانية ليست الوحيدة التي يحدوها هوس غريب للرؤى الأخرى، الأمر في الحقيقة معتقد عميق الإيمان يشترك فيه المجتمع الياباني بمشاهده المختلفة. هناك الكثير من طوائف الأخروية الشبيهة بطوائف الألفية في الغرب، تلك التي نشطت وازدهرت منذ بداية القرن التاسع عشر، ولم تلبث أن انتكست واضمحلت مع ذهاب أوهامها، أو ما بدت أوهاما في وقت لاحق بشأن الألفية الجديدة، مثلما حدث مع طائفة «آوم شينيركيو» نفسها، التي بدأ فيها تناقص حاد لأعداد المؤمنين والأتباع الذين بدأوا يحسون بفساد المعتقد، الأمر الذي تم ملاحظته في عام 1999م.

في تقارير مختلفة تم إعدادها عن الطائفة بعد العملية التي نفذها الأتباع في نظام الأنفاق الياباني بطوكيو، كانت هناك أطروحة مشتركة، بأن أتباع الطائفة، وعلى رأسهم الزعيم الروحي «شوكو أساهارا»، كانوا من المهتمين بالمانجا والأنمي ذي المواضيع الأخروية، كما أن أساهارا كان يبدي تقديرا بالغا لمانجا «ناويشكا وادي الريح».

وبدل البحث عن سبب ظهور الطوائف ذات التصورات الأخروية، وتطرفها في ممارسة معتقداتها التي تعدت إلى الغير، كما في حادث مترو الأنفاق، اختار السياسيون، «المانجا» و«الأنمي» كمنابع تلقٍ لمثل هذه الأفكار، بينما التصورات الأخروية التي اعتنقتها تلك الطوائف، اعتنقها «الأنمي» كذلك، حاله في ذلك، حال كل أشكال الفنون والآداب، مثل بعض الروايات التي ذكرناها سابقا، أو الأعمال السينمائية.
المخرج الشهير أكيرا كوراساوا حقق فيلمين يحملان تصورات أخروية مختلفة «سجل كائن حي» 1952م، و«أحلام» 1990م، وقد توحي المسافة الزمنية بين العملين، أن كوراساوا كغيره من أبناء قومه لم يستطع أن يتخلص من الوعي الأخروي والتعبير عنه. في استقراء آخر لفيلم «ألعاب نارية» للمخرج المعاصر «تاكيشي كيتانو» عام 1998م، يمكن ملاحظة سيطرة التصور الأخروي عن النهاية، على تفكير أحد أبرز مخرجي السينما اليابانية الحديثة، وفي اعتقادي أن الكلفة الإنتاجية للسينما الحية، سبب رئيس في كثافة التصور الأخروي في «الأنمي» دون السينما.
أعتقد أنه من المهم إدراك أن الوحي الكتابي ومرويات الديانة البوذية فقط، لا تبدو مسؤولة بشكل مطلق عن الوعي الأخروي شديد التأثير في منظومة المجتمع الياباني، ففي كثير من الأحيان أشعر بأن الاستفادة من تلك المرويات والآثار لا تتجاوز التشكيل الظاهري لعملية النهاية، لأنها تبدو معقدة ومتعددة الصور ومليئة بتفصيلات متخيلة، ليس مسؤولا عنها الوحي الكتابي أو الميراث المروي سوى في استثارة كيفيتها.

القنبلة الذرية

في عام 1945م، قام الطيران الجوي الأميركي بإلقاء قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي، حاصدا أرواح المدنيين الذين بلغ تعدادهم ما يزيد على مائة وأربعين ألف إنسان في هيروشيما وحدها وثمانين ألفا في ناجازاكي، ومسببا أمراضا جينية مفجعة لأجيال عدة لاحقة من نسل الهيباكوشا (الذين تلقوا القنبلة الذرية ونجوا منها). وحتى اليوم فإن اليابان هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعرضت للقنبلة الذرية، ولا تزال تعاني من آثارها حتى اللحظة.

هذا التجلي المأساوي للنهاية التي لم تستغرق دقائق معدودة، كان له أثره العميق على نفوس كل اليابانيين حتى اليوم، لا يريدون نسيانه لدرجة الاحتفال كل عام، بذكرى ضحايا هيروشيما وناجازاكي، مما يعيد المأساة للأذهان، مذكرا إياها بأن النهاية ليست مفاجأة كما قد يعتقد أحد، وهو ما يجعل مفهوما مثل «العيش في الكابوس»، هو من أدق ما يمكن به التعبير عن أحد أسباب الوعي والتصور الأخروي، الكثيف الحضور في الأجناس الأدبية والطرائق الفنية المختلفة في اليابان، ولعل أبرز من قدم مفهوم العيش في الكابوس، المخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا في فيلمه «أنا أعيش في خوف» عام 1955م.

ظهور القنبلة الذرية في الأجناس الأدبية والفنية، ليس متعمدا على الإطلاق كما ترى الأستاذة «سوزان نابير» الباحثة في دراساتها عن «الأنمي»، بل إنه يتسلل خلال مقدار لافت للنظر، وبدرجات أكثر عمقا مما يبدو ظاهرا على السطح، لكل أجناس الأدب والفنون والثقافة لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي «الأنمي» فإن حضور القنبلة الذرية يأخذ صورا مختلفة، لا ترتبط بالمفهوم العام لقنبلة فطر عش الغراب الشهيرة، بل صورا متنوعة عن انفجار غالبا ما يحصد الأخضر واليابس، مثل الانفجارات التي تخلقها آلهة الحرب «كيوجيشي» في «ناويشكا وادي الريح»، كل هذا الغلو في استحضار النهاية عبر الانفجارات الحربية المدمرة، أصبح مع الوقت سمة جمالية للأنمي، أعرف أنه من الطريف الوصول إلى استنتاج كهذا، لكن يمكن إدراك مثل هذا الكلام، عند رؤية النجاح الجماهيري والشعبية الصاخبة التي يحققها فيلم يسيطر عليه التصور الأخروي متمثلا في الانفجارات التي لم تعد غريبة عن الوعي الياباني منذ عام 1945م، وبالتحديد في اللحظة التي سقطت فيها قنبلتا هيروشيما وناجازاكي.
جدير بالذكر في مقطع القنبلة الذرية أنها لا تتوقف عند حدود الدمار بل تتعدى إلى آثارها الناتجة على سقوطها، حيث الوحوش الممسوخة والطفرات الجينية التي تسببت في امتساخها، والتي تبقى على الأرض من أجل حصاد معاناة مزدوجة على ذاتها وعلى غيرها من البشر الأصحاء، وغودزيلا لشهرته مثال نموذجي على ما نقصده بهذا الكلام.

هاياو مايزاكي مخرج مسلسل «كونان فتى المستقبل - مغامرات عدنان ولينا»

هاياو مايزاكي مخرج مسلسل «كونان فتى المستقبل – مغامرات عدنان ولينا»

ظهرت القنبلة الذرية بشكل بارز في الرسوم اليابانية باعتبارها لحظة فاصلة، ومشهدا أخيرا للعالم

لهذا السبب ليس مفاجئا على الإطلاق أن نعلم أن الأيقونة الأكثر حضورا وشعبية، أي الأخروية، مغمورة بصور الانفجارات المفجعة، ويتذكر الكثيرون منا، ممن حظي بمشاهدة فيلم «أكيرا» الذي يبتدئ بمشهد القنبلة النووية المدمرة، أو مسلسل «تراي جن» الذي كان يعيد مشهد الانفجار مقطعا لتكتمل صورته والأحداث التي تقف خلفها في نهاية المسلسل، وأمثلة كثيرة قد يستحضرها القارئ أثناء قراءة هذا الكلام.

النكسة الاقتصادية

النكسة الاقتصادية في عام 1989م، والتي كانت الحلقة الأخيرة لما أطلق عليه «اقتصاد الفقاعة» التي اكتشف الشعب الياباني أن كل ما كان بداخلها كان مجرد هواء، فهوس «الإنتاجيزم» وجنون التنمية الاقتصادية، الذي بدا وكأنه سيقفز باليابان فوق العالم، لكنه انحسر كاشفا عن كثير من الأخطاء التي تسببت بها العجلة في المقام الأول، كذلك أزمة النفط في عام 1973م التي سبقت النكسة الاقتصادية الكبرى، كانت ضمن النكسات الاقتصادية التي حررت الكثير من اليابانيين من الوهم، وجعلتهم مستوعبين بشكل أكبر لمدى هشاشة الحياة البشرية اليوم في ظل التحالفات الاقتصادية الضخمة وسيطرة العولمة والاعتماد المطلق على النفط، ورغم أنه يحلق بالإنسان في مراحل لم يكن يتوقعها من الرفاهية، لكنه يمكن أن يسقطه إلى الأرض التي لم يعد معتادا على العيش عليها، فضلا عن التعايش معها، كل ذلك من مجرد اختلال بسيط قد يكون سببا في تعطل هذه العجلة الضخمة، ليكون السقوط رد فعل مساويا في المقدار ومعاكسا في الاتجاه للصعود.

قد ينظر البعض إلى أثر النكسة الاقتصادية، على أنه عارض لا يمكن أن يؤثر كثيرا في العمق الفكري أو الثقافي لصناعة «الأنمي»، لكنه رأي يتراجع أمام النسيج المتشابك للاقتصاد الياباني الذي يؤثر بلا شك ليس في اليابان فقط بل في كل الدول الصناعية ذات الاقتصاد القوي، إذ يؤثر اقتصاد الصناعات على بعضها تكامليا بالسلب أو الإيجاب، وفي اليابان الاقتصادية، وتحديدا في صناعة «الأنمي»، فإن الأثر ظهر بشكل واضح لدرجة ظهور بعض الأعمال في آخر الثمانينات بعد أزمة النفط وقبل انفجار الفقاعة كما يقال، تحمل اسم الأزمة مثل مسلسل الفيديو المنزلي «كارثة الفقاعة» الذي نزلت أفلامه الثمانية تباعا منذ عام 1987م وحتى عام 1991م من إخراج كاتسوهيتو أكياما، وحققت سمعة قوية في الغرب، كما فعلت في اليابان، وتلتها أعمال أخرى تحمل العنوان مع بعض المتغيرات لكنها تعتمد على فكرة الكساد الاقتصادي وآثارها على المجتمع في ظهور جرائم من نوع مختلف يحتاج إلى معالجة من نوع مختلف، إذ تبني القصة حبكتها على ظهور جيل المنقذات في نوع معين من بذل الميكا مثل الكاندام.
الطبيعة الجغرافية لتضاريس الأراضي اليابانية، والمناخ المتقلب الذي يحتشد بتاريخ كبير للأعاصير والمدود البحرية، هناك الزلازل والبراكين، التي تقف خلف الكثير من الدمار الذي عرفته اليابان في كثير من حقبها، أشهرها زلزال (كانتو العظيم) كما يسميه اليابانيون، الذي دمر طوكيو عام 1923م، وآخرها كان الزلزال الكبير هانشين الذي دمر مدينة كوبي عام 1995م وحصد أرواح ستة آلاف وخمسمائة نسمة وخلف ثلاثمائة ألف شخص دون منزل، مضافا إلى ذلك الحرائق والنيران متكررة الحدوث في العصر الأول من الحداثة مثل حريق مياريكي الهائل الذي دمر نحو 70٪ من مدينة إدو (طوكيو الحالية) في عام 1657م، كل ذلك خلق من وقت مبكر تصورا أخرويا عن مدى هشاشة الحضارة الإنسانية المتمثلة في البناء والإعمار، وهو ما نجد ظلاله في حمى البناء العشوائية اليوم في طوكيو كرمز للمدينة اليابانية المثالية، حيث يمكن أن تتغير بعض ملامح الأحياء في حال غيابك عنها مدة قصيرة، فثبات البناء لم يعد يثير في الياباني حسا بالأمان، فالحوادث الطبيعية متوقعة باستمرار.

الانفجار السكاني هو الآخر، ظاهرة مقلقة، وهو المسؤول الأبرز عن إحدى أشهر ظواهر الأخروية، أعني بها المستعمرات الفضائية، إذ نشاهد في عدد من الأعمال، عيش بعض الأرضيين في مستعمرات فضائية على كواكب أخرى، نرى مثلا نموذجا بارزا في أعمال مثل سلسلة «الكاندام»، «تراي جن»، «قطار المجرة 999»، «دالوس».

في الوقت الذي تناقش فيه الكثير من الأفلام والمسلسلات الرسومية ظاهرة الأخروية، فإن الغالب منها ينتهي بمشاهد تعبيرية عن سنة الاستخلاف التي تحمل هي الأخرى مظاهر متعددة، حيث الطبيعة تجدد نفسها، بذور الأمل تتبرعم في الأرجاء، المياه تنساب في مجاريها، وأحيانا تتطرف بعض الأعمال، في تصوير تحول تنويري لبعض الأرواح الشريرة، التي كانت سببا في حلول النهاية، التي يختلف شكلها الخارجي من عمل لآخر، لكنها تحمل جميعا مضمون الانهيار والتبدد نفسه.

المخرج الياباني أكيرا كوراساوا

المخرج الياباني أكيرا كوراساوا

الانفجار السكاني في اليابان أصبح ظاهرة مقلقة، وهو المسؤول الأبرز عن إحدى أشهر ظواهر الأخروية

في الأعمال الأخرى تبدو النهاية أبدية فليس من حلول لما بعد، كل شيء ينتهي بسبب عوامل الأخروية كما يبدو، لكن هذه الأعمال ذات الجرعة شديدة التأثير ليست كثيرة كما يتوقع البعض بسبب عوامل كثيرة ومهمة أبرزها سوق النشر والتوزيع، إذ تظهر معدلات البيع والتسويق رغبات الجمهور ومتطلباتهم، لذا فإن هذه الأعمال في عدد لا بأس به منها، تميل للانضمام إلى النوع الأول من الأعمال الأخروية ذات النظرة التفاؤلية، ولكن بتلميحات رمزية بشكل مقصود. في بعض الأحيان يطرح هذا المفهوم عكسيا في الأعمال التي تتناول إنقاذ العالم من الدمار، أحد أبرز ملامح التصور الأخروي في «الأنمي»، فنجد أنه بعد استقرار الأمور، تبقى بذرة هنا أو هناك، تهدد هذا الاستقرار بعدم الدوام، يمكننا تذكر كثير من الأعمال التي انتهت بمشهد يوحي بأن سبب الدمار لا يزال هناك على الرغم من أنه يختتم أحداثه بما يوحي بالنهايات سواء كانت نهاية سعيدة أو غير ذلك.

باعتقادي أن النمط الأخروي لا يتوقف عند الهيئة التي يتخذها، التي وإن تغير شكلها فإن مضامينها العامة تبقى موحدة المفهوم في الغالب إلا فيما ندر من بعض الأعمال المميزة، فكثير من أعمال «الأنمي» تجنح للتصور الأخروي لقدرته على إثراء العمل بالأفكار التخيلية التي برع في طرحها اليابانيون في كثير من أفلام ومسلسلات «الأنمي»، لكن الأمر أكبر من هيئة نمطية يمكن إدراكها بسهولة، فالكثير من الأعمال الأخرى التي يتابعها الجمهور على اعتقاد أنها ليست ذات علاقة بالتصور الأخروي، تكون مليئة بهذا التصور باطنيا، وناهيك عن الاستشهاد ببعض الأعمال التي يمكنني بها تدعيم هذه الفكرة، فلك أن تقف عند الكثير من الأعمال التي لا تحتوي على عناصر يمكن من خلالها، تصنيفها ضمن هذا الموضوع بسهولة، لكن مسلسلا مثل «بيرسرك»، الذي يبدو أنه يسير في خط لا يمت إلى إحدى مواضيع «الأنمي» الكبرى الثلاثة التي من أجلها تمت كتابة هذا الفصل، ناهيك عن أن بيئة المسلسل تتخذ من أوروبا العصور الوسطى مسرحا للأحداث، إلا أن الدهشة تصيبك في الربع الأخير من أحداث المسلسل بمقطع تظهر فيه شخصية جامبينو قائد جاتسو، ولكن في طور تحول شيطاني، وتنتهي الحلقة ونحن نسمع جامبينو الشيطاني يقول «لقد اقترب موعد الكسوف العظيم»، إنها إشارة أخروية، في عمل بدا لنا وكأنه خالٍ من هذا الهاجس ذي الأذرع الأخطبوطية المسيطرة.

على الرغم مما سبق ذكره، عن فعالية المفهوم الأخروية وتأثيره في صياغة الثقافة التي تقف خلف الأفلام الرسومية في اليابان، فإن هناك عددا لا بأس به من الأعمال التي تحاول التسلق على المفهوم في تسويق نفسها على الرغم من رداءة العمل ككل أو على الأقل عاديته المفرطة، هذه النماذج الرديئة من الأعمال ليست نادرة في صناعة «الأنمي»، لكن وعي الجمهور يجعلها نادرة الوجود في قوائم الأفضل وتوصيات الأوتاكو والنقاد.

Share: