on : الأحد, 13 Apr, 2014
Comments Off on باراك وميشيل أوباما يحضران عرضا مسرحيا يطرح إشكاليات التفاوت العرقي والعنصرية

باراك وميشيل أوباما يحضران عرضا مسرحيا يطرح إشكاليات التفاوت العرقي والعنصرية

مسرحية «زبيب في الشمس».. وعلاقتها بالسياسة الأميركية

تناول الرئيس الأميركي باراك أوباما وزوجته ميشيل العشاء في مطعم بنيويورك مساء السبت ثم حضرا عرضا في أحد مسارح برودواي شاهدا فيه مسرحية «زبيب تحت الشمس» بطولة النجم دينزل واشنطن
اتانيا ريتشاردسون، من اليسار، و دينزل واشنطن وصوفي اكونيدو ليلة افتتاح " مسرحية الزبيب في الشمس" الخميس 3 أبريل، 2014 - "برودواي" نيويورك

اتانيا ريتشاردسون، من اليسار، و دينزل واشنطن وصوفي اكونيدو ليلة افتتاح ” مسرحية الزبيب في الشمس” الخميس 3 أبريل، 2014 – “برودواي” نيويورك

ليس مستغربا أن نرى باراك وميشيل أوباما في مسرحية «زبيب في الشمس» ليلة السبت الماضي؛ فقد حدث ذلك مرات عدة خلال ولايته؛ حيث كان الرئيس الأميركي يأخذ زوجته ميشيل في زيارة إلى «برودواي» في نيويورك، عاصمة المسرح الشعبي في الولايات المتحدة، لحضور عمل مسرحي.

تجري أحداث هذه المسرحية الكلاسيكية في شيكاغو في الخمسينات، وهي تروي قصة عائلة سوداء متواضعة الإمكانيات تنتظر بفارغ الصبر إيصال تأمين بقيمة عشرة آلاف دولار، بكل ما يرافق ذلك من توترات عائلية وخلافات حول ما يجب القيام به بذلك المال. في الحكاية، ينحدر أحد الوالدين من أفريقيا، مثلما كان والد الرئيس أوباما. كما تطرح أحداث المسرحية مفاهيم مثل عدم المساواة والعنصرية، وذلك على خلفية التفاوت العرقي في أميركا الخمسينات.

انحناء دينزل وتحية الرئيس

كان نجم المسرحية في الليلة قبل الماضية الممثل الأميركي من أصول أفريقية دينزل واشنطن، وهو أيضا نجم فيلم «افعل الصواب» للمخرج «سبايك لي»، ذلك الفيلم الذي كان باراك وميشيل قد شاهداه معا في أول «لقاء لهما. وعندما انحنى دينزل لآخر مرة للتعبير عن شكره للجمهور على تصفيقهم الحار، قام بتحية الرئيس، وهي لحظة بلا شك ذات معنى عاطفي كبير لكلا الرجلين.
ولكن كلما قرأ الرئيس الأميركي كتابا أو شاهد فيلما أو حضر مسرحية، تكون للحدث أهمية أكبر بكثير من مجرد متعته الشخصية. يُدرك الرئيس، تماما، مثل أسلافه في البيت الأبيض، أنه مع كل نشاط ترفيهي يقوم به فإنه يُرسل إشارة إلى العالم حول اهتماماته وما يشغل عقله، وكذلك عن روح العصر وربما ما يمكن التكهن به من السياسات الأميركية المستقبلية. وبالنسبة لهذا الرئيس على وجه الخصوص، كونه أول رئيس أميركي من أصل أفريقي، تشهد وجهات نظره بشأن هذه المسألة الشائكة المتعلقة بالعلاقات العرقية اهتماما كبيرا.

الرئيس باراك أوباما وعقيلته ميشيل أوباما في طريق العودة إلى البيت الأبيض بعد حضور مسرحية "الزبيب في الشمس" في "برودواي"

الرئيس باراك أوباما وعقيلته ميشيل أوباما في طريق العودة إلى البيت الأبيض بعد حضور مسرحية “الزبيب في الشمس” في “برودواي”

منذ تولى الرئيس منصبه، ارتفعت قضية العلاقات العرقية إلى أعلى المناقشات الوطنية الأميركية لمرات عديدة. بطبيعة الحال كان الشعب الأميركي، في البداية، محتفيا بانتخابه؛ ورأى العديد من الأميركيين أن هذا الخيار كان علامة بارزة للبلاد وإشارة لانطلاق تصحيح الظلم التاريخي الذي كان الأميركيون من أصل أفريقي يقاسونه، أولا كعبيد، ثم كمواطنين من الدرجة الثانية. وقد ألقي القبض، في بداية رئاسة أوباما في عام 2009، على أستاذ بارز في جامعة هارفارد، وهو أيضا أميركي من أصول أفريقية، على يد شرطي أبيض لأسباب مشكوك فيها. كما أنه في عام 2012، جرى إطلاق النار على شبان سود في ولاية فلوريدا برصاص رجال الأمن الأهلي البيض. كان على الرئيس مواجهة هذه الحوادث التي تؤجج المشاعر العنصرية في البلاد، وذلك يمثل تحديا صعبا في أعدل طريقة استعمال الرئيس منصبه القوي في مواجهة هذه الاستفزازات. لقد ألقى بوزنه في هذين الحالين، واتُهم من قبل المحافظين بأنه يجاوز الصواب. في حالات أخرى، تجنب الإدلاء بتعليقات عامة واتُهم من قبل الليبراليين أنه لم يكن في مستوى مسؤوليته كأول رئيس من أصل أفريقي.

العلاقات العرقية

وفي الوقت نفسه، قدّم المحافظون حججهم في مهاجمة أوباما بالنسبة لموضوع العلاقات العرقية. وقد أكدوا، على سبيل المثال، أن نسبة بطالة السود باتت أعلى في ظل إدارة أوباما مما كانت عليه تحت إدارة جورج دبليو بوش، فعلى الرغم من أن البطالة بين جميع الأجناس قد ارتفعت بسبب الأزمة الاقتصادية من ناحية، ومن ناحية أخرى أثر الانكماش الاقتصادي على الأميركيين الأفارقة أكثر مما أثر على الجاليات الأميركية الأخرى. فإن أعضاء الحزب الجمهوري قد تجادلوا أيضا فيما بينهم على أن أوباما كان أقل نشاطا في القارة الأفريقية من سلفه، الذي استثمر مبالغ كبيرة من المال كمنحة أميركية لمكافحة وباء الإيدز في القارة.

وبشأن هذه المسألة كذلك، فإن الجمهوريين لديهم نقطة قيد القابلية، وهي أن الدعم لأفريقيا تحت الصحراء كان واحدا من الجوانب الأكثر نجاحا من إرث السياسة الخارجية الخاص بالرئيس بوش. من ناحية أخرى، أعطى الرئيس أوباما مؤشرات على أنه سوف يستغل السنوات الأخيرة من ولايته الثانية لدعم أفريقيا بطرق جديدة. وفي وقت لاحق من هذا العام، سيعقد قمة في واشنطن تجمع قادة أكبر الدول في القارة للحديث عن الشراكة الأميركية للتنمية الاقتصادية. (ومن منظور المغرب العربي، هناك أيضا مؤشرات مثيرة للاهتمام؛ حيث إن الرئيس يود أن يقدم المغرب كشريك في ترتيبات اقتصادية «ثلاثية» – بين الولايات المتحدة والمغرب وأفريقيا تحت الصحراء – التي من شأنها أن تعود بالنفع على المملكة في وقت تعاني من ضائقة مالية). كل هذه التدابير تصل إلى محاولة للاستفادة من الفرص الجديدة الاقتصادية في القارة الأفريقية، وهو أيضا جهد لتحقيق الاستقرار في القارة من أجل الحد من استغلال «الدول الفاشلة» من قبل تنظيم القاعدة، ويفترض كذلك التدابير التي من شأنها أن تكون ذات أهمية شخصية كبيرة إلى الرئيس الذي تنبع من هناك أصول عائلته.

الافتراءات العنصرية

الليبراليون الديمقراطيون، من جانبهم، نقلوا مظالمهم السابقة ضد المحافظين إلى الرئيس أوباما نفسه منذ بداية رئاسة أوباما الذي قال إنه تعرض لهجوم مستمر من قبل اليمين الأميركي بسبب أنه لم يولد في الولايات المتحدة، أو بزعم أنه كان مسلما سرا بينما يدعي أنه مسيحي. الليبراليون يعتقدون أن مثل هذه الاتهامات هي «كلمات السر» في الاعتراض العنصري للرئيس، في مجتمع لا يقبل أبدا الافتراءات العنصرية علنا.

الممثل دينزل واشنطن يعانق الرئيس الامريكي باراك أوباما بعد تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة – يناير/ 2009

الممثل دينزل واشنطن يعانق الرئيس الامريكي باراك أوباما بعد تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة – يناير/ 2009

في الوقت نفسه، استخدم كل من الرئيس أوباما وزوجته الهوية الأميركية الأفريقية بطرق غير متوقعة من أجل المضي قدما وبلطف في تنفيذ أجندة السياسة الخارجية الأميركية. على سبيل المثال، زارت ميشيل أوباما الشهر الماضي الصين، القوة العظمى الصاعدة، الدولة غير الديمقراطية والتي لها علاقات متوترة مع الولايات المتحدة الأميركية. وفي سياق خطبها وتصريحاتها العلنية المتنوعة، أوضحت للجمهور الصيني أن الولايات المتحدة قد قامت طويلا بالتمييز ضد الأميركيين من أصل أفريقي، ولكن بالكفاح من خلال المظاهرات العامة ضد القوانين الأميركية الجائرة، فإنهم حققوا العديد من الحقوق، وكان الدليل على ذلك أن أميركيا من أصل أفريقي هو الآن رئيس للبلاد. واعتُبرت هذه التصريحات بمثابة وسيلة غير مباشرة لتشجيع الأقليات العرقية في الصين والقطاعات الأخرى المهمشة من السكان على شن حملة من المظاهرات العامة ضد الحكومة المركزية في بكين.
في هذا السياق، يرى البعض أن حضور الزوجين أوباما للمسرحية هو إشارة إلى كل البلاد وإلى العالم بأن هذين الزوجين القويين لا يمكن أن ينسيا أبدا جذورهما العرقية. ويمثل حضورهما بيانا مستترا بأنهما لا يزال في نيتهما إيجاد فرص جديدة لتعزيز حقوق الأميركيين الأفارقة، ومن ثم كل الشعوب المهمشة في جميع أنحاء العالم الذين قد يتعلمون منهما ويقتدون بهما.
ومع ذلك، وبالنظر للوضع من منظور الشؤون العربية – وهي المنطقة التي تضم شعوبها أناسا من أصول عرقية مختلفة كثيرة بما في ذلك ما دون صحراء أفريقيا – فإن نقاش أوباما والعرق ربما يكون أيضا نقاشا مشوبا بالحزن إلى درجة ما. فسياسات الرئيس بعدم التدخل في سوريا وغيرها من النقاط الساخنة للصراع اليوم تترك كثيرا من الناس في حالة شك تجاه التزامه بسياسة خارجية حازمة. ومن هذا المنطلق، فإن تحمس أوباما الواضح للشأن الداخلي في الولايات المتحدة قد يلعب دورا في التقليل من تحمسه لمناطق أخرى من العالم، والتي هي بطبيعة الحال يُرثَى لَها في وقت به كثير من الأخطار والمآسي، في الشرق الأوسط وما بعده.

Share: