on : الأحد, 13 Apr, 2014
Comments Off on العميم يجدل شعراء فصحى وشعراء عامية في ضفائر ست

العميم يجدل شعراء فصحى وشعراء عامية في ضفائر ست

نثر فني يتقاسمه شجن وإيقاع راقص

صدر أخيرا عن «دار جداول» كتاب عنوانه «هؤلاء.. وشعرية المكان» لإبراهيم العميم. المؤلف في كتابه هذا جدل بين شاعر فصيح متقدم وشاعر عامي متأخر في ضفيرة واحدة: الأول من الشعراء المخضرمين الذين عاشوا بين عصرين: الجاهلية والإسلام، كالأعشى والحطيئة والخنساء، ومتمم بن نويرة، فيما عدا شاعر واحد هو قيس بن الملوح الذي عاش ما بين فترة صدر الإسلام ومطلع العصر الأموي، والآخر من شعراء العامية من وسط الجزيرة العربية وشمالها وشرقها، كحميدان الشويعر ومحمد بن عمار ومحسن الهزاني ونمر بن عدوان وموضي البرازية ومحمد بن لعبون.

قيس ومحمد بن عمار

الضفيرة الأولى عنوانها «قيس بن الملوح ومحمد بن عمار.. أوهام القبيلة وغار الجنون».
يوجز لنا إبراهيم حكاية ابن عمار بقوله: «هام ابن عمار بحب فتاة، وتعلق فيها حد الجنون، حاول بجميع وسائله، لكن حال بينه وبين ذاك حساد وأعراف، وعادات اجتماعية لا يحاد عنها في تلك الفترة الزمنية، فمن قائل إنها من قبائل الظاعنين حول القرى، وهؤلاء لهم ناموسهم و(سلومهم) في الزواج والنسب، وراو آخر يقول: إنها من جماعة (الصلب) الذين ينزلون على البلدات والقرى يخدمون في البيوت ويحترفون الأعمال اليدوية، راحلين إلى قرى وبلدات بعد إتمام عملهم، وهؤلاء للناس معهم في الزواج والنسب عرف مقدس، من خالفه أصبح مذموما مطرودا.
ارتحلت الحبيبة في ليلة لا قمر فيها، فصحا وقد أخفت الرياح خطى اتجاهات الحب، فهام حزنا، واعتزل الناس جنونا بها في غار على مشارف القرية، وعندما غادر ذلك الغار وجدوا ألفيته مكتوبة بدمه على جدران غاره».

عندما نصل إلى موضع هذه الحكاية التي أوجزها نفهم دلالة الكلمات الرثائية الحزينة التي بدأ بها نص ذلك العنوان:
«الزمان مختلف والمكان واحد، وهذا الغار (العماري) لا يغادره الحمام ينوح على صاحبه، يحيي ذكراه في مواسم التزاوج والتوالد، وهذه الصخور التي حكت وخدش وجهها، بأشعار كتبت بدم شاعرنا. هي الأخرى تنوح على ذكرى أنيسها وجليسها أيام الحزن والفراق.
كلما أطل وجه ثادقي (نسبة لقرية الشاعر ثادق)، ناشدته وتوسلت إليه أن يدلها على ابن عمار».

يعرف بالشاعر، فيقول: «ولد محمد بن راشد بن عمار في سنة 1856 تقريبا وقيل 1863 في قرية ثادق التي تقع شمال غربي الرياض، وتوفي سنة 1932».
يقول عن شعره: «لم يدون له في كتب دواوين الشعر العامي إلا ألفيته التي عرفت بألفية ابن عمار التي طار بها الركبان مغردة في آفاق الجزيرة وخارجها، حتى نسجت حولها حكايات وأساطير، لما فيها من أساليب جديدة وتعابير ووصف دقيق، لحال العاطفة في فورانها وسكونها، لامست شغاف قلوب المحبين، وكذلك لما في رواية حبه من ألم الصبابة وغموض القصة».
ثم يشرح معنى «الألفيات» ويفصل فيه، بعد أن يذكر أنه فن وأسلوب تميز به الشعر العامي عن الشعر الفصيح. وأن ابن عمار فاق الشعراء في هذا الفن، وهذا الأسلوب، وصار تحديا للشعراء فلم يأتوا بمثل «ألفيته» إلى زماننا الحاضر.
ويقرر في ختام الشرح أنه أصبح حرفا في ألفيته ولغزا بين بيتين.
ابن عمار عند إبراهيم امتداد للحب العذري العذب، الذي يرى الحبيبة أقرب من البؤبؤ، وأبعد من رمش العين، وأقدس من العادات والتقاليد، وأعظم من نجوم الليل وغيوم النهار حبا، بتجاوز الجسد ويرسي في مراكب الروح، مطيحا بكل النظريات الغريزية والعقلية التي صاغها أرباب المدن وأهل الجسد من بني البشر.
ولأن ابن عمار عنده هو امتداد لهذا الحب، فقد جعله يلتقي صدفة بالعامري.
يعين لنا مكان اللقاء ويصفه ويسمي شهوده، ويروي ما جرى بينهما من حوار ابتدأه العامري في الأول مع نفسه، فيقول: «التقى التائهان في مفازات الهيام في واد لا زرع فيه ولا شجر، يسكنه من الجن عشاق وأحباب، يلمح العامري طيف ابن عمار من بعيد، ويقترب منه، فيرى شعرا طويلا ووجها قمحيا، وقامة مديدة.
أنفسي أرى أم طيفا أرى أم أن ليلى في حبها تتشابه الوجوه؟!
قيس: بربك هل رأيت ليلى؟
محمد: أراها في عينيك وعيني، مع حفيف الخيام وهديل الحمام.
قيس:
بربك هل ضممت إليك ليلى
قبيل الصبح أو قبلت فاها؟
وهل رفت عليك قرون ليلى
رفيف الأقحوانة في نداها؟
محمد: لو كنت قبلتها لما همت في نجد مثل (خشف) يبحث عن أمه أو (خلوج) أضناها فراق وليدها قبل الهناء.
قيس: تشبثت بها فغيبوها عني.
محمد: حال بيني وبينها أوهام القبيلة.
قيس: رحلت الظباء عن نجد، وأصبح المطر أملا.
محمد: بعدها لم يتبق لنا سوى الذكرى والبكاء.
قيس: أأنت أنا أم أنا أنت؟
محمد: من هواها شغفا نحن توحدنا جسدان في روح أوحدا».
ثم انتقل الحوار بينهما إلى حوار شعري بدأه قيس، واستمر حوارهما الشعري بما مجموعه سبعة وعشرين بيتا. كان المعنى والصور والكلمات فيها متقاربة.

إبراهيم العميم

إبراهيم العميم

المؤلف جمع بين البحث التاريخي والإبداع اللغوي في إهاب واحد، فهو أول كتاب كرس في جزء منه لقضية التناص بين الشعر العامي والشعر الفصيح

يخبرنا إبراهيم أنهما – وهما ينشدان شعرهما – «طربا وأطربا، وتجمعت أسراب القطا وحمائم اليمامة حول صدى الهوى، مرددات نشيد الذكرى، ونزل من سهيل الفرقدان والثريا، دموع تساقطت على (الجرعاء)، فأنبتت العرار والرند، والخزامى والنفل، واهتز جبل (البتيل) فتدحرج من أعلاه حجر سقط على (اللوى) فأدمى رمله، وعوت الذئاب فأصغت الظباء لزغاريد ملوك الصحراء وأحنت رؤوسها خجلا من عشاقها، وتطاير الجن في الفلوات وتصايحوا، فهم الآخرون أفناهم وأخفاهم العشق».

الحطيئة وحميدان الشويعر

الضفيرة الثانية عنوانها «الحطيئة وحميدان الشويعر.. رحلة بين أطناب الخيام وجدران الطين»، وفي هذه الضفيرة يخاطب الحطيئة بقوله: «إيه يا حطيئة. لك مع الفقر فكرة، ومع الجوع صحبة، كلما غادرته بهبة من أمير، ورضا من غني، عدت إليه مهرولا متلهفا، وهذا هو حال الفقير المخلص لفقره يرى الغنى ترفا وعجزا وقعودا عن السعي، ومواجهة الحياة».
إن الحطيئة «شاعر يتقاطر رقة، ورحمة، ولولا الزوج والولد، لأصبح سيدا وأميرا للشعراء المخضرمين. ولكن هذا الحصار الأسري جعله يركز طاقته وموهبته في مجال المدح والذم حتى يطعم الأفواه الجائعة، التي تطالبه كلما حل الظلام برائحة التمر وطعم اللبن. وما أدل على رقته وعطفه وصراعه مع دنياه من أجل أبنائه، من تلك الأبيات الاعتذارية التي رققت قلب القاسي اللين – رضوان الله عليه – وأبكت عينيه، ومنحت الحطيئة حريته:
ماذا نقول لأفراخ بذي مرخ
زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
فاغفر سلام الله يا عمر
ومن ذلك الحوار الشعري القصير جزل المعنى بينه وبين ابنته: حمل متاعه وزاده القليل على حماره، فقد حان رحيل الجائع إلى ديار الشبع، فالفقير محكوم عليه ألا يبقى في بيته إلا أياما، ويغادر شهورا، وسنين، سألته ابنته سؤال المترجي: متى ترجع؟
فقال:
عدى السنين لغيبتين وتصبري
ودعي الشهور فإنهن قصار
فأجابته:
واذكر تحننا إليك وشوقنا
واذكر بناتك إنهن صغار
فحط رحله بعدما تبدى له من الشوق ما تبدى، وحنينا إلى صبح مليكة ومسائها».

ثم يلتفت المؤلف إلى مليكة ويخاطبها بقوله: «لله درك أيتها العربية، التي إذا نطقت غنت، وإذا سكتت تكلمت عيناها فأبكت. أي عذاب تحملت؟ وأي صبر تصبرت؟ أقسوة الصحراء أم قسوة الناس أم قسوة الزوج؟ أنت الوحيدة التي تعرف زوجها حق المعرفة، يعود إليك بعد النهار منهكا، لا يكاد يحمل لسانه، فقد حارب وبارز به أعداءه، تهنئينه بالنصر، ولا تأبهين أجميل وجهه أم قبيح، فقد رأيت وجهه الداخلي الذي أجمل من خد القمر، وأصفى من عين الديك، فتضمينه إلى صدرك ملجئه الذي هو دنياه، وتسمعينه صوت بنياته فيزداد تمسكا بالحياة. لو كان بيدي من الأمر شيء لكتبت اسمك بماء الذهب على بوابة الزلفي، وظللته بسعف النخيل الخالدي الذي يشهد انتظارك للحطيئة كل نهار».
يرى المؤلف أن حميدان الشويعر، الحبر الفهيم المتهم بالعيارة (السخرية الثقيلة) امتداد لسلفه وجده الحطيئة، فهما في الفقر سواء وللجوع أوفياء. كونهما المكان سهاما من كلمات، لغة تظللها السماء الصحراوية. يذكر أنه ولد في قرية القصب الواقعة شمال غربي الرياض. عاش في القرن الثامن عشر الميلادي، وقيل إنه توفي عام 1773م.

يقول عنه: «تشققت يدا حميدان وأعياه صراخ (مسْحاته) من لطم الأرض لها، أدمى الأرض، وأدمته ولم يأخذ منها إلا الألم والتجهم والضيم:
أجير أنا لا أملك بيتا، ولا أرضا، وملكي الوحيد حقول القوافي، وبساتين الحروف، وإذا نصحت قومي، أشاحوا وجوههم عني، وقالوا: دميم الخلفة، شيخ بذيء».
تلك معاناة حميدان – كما يقول المؤلف – الشاعر القروي، ومثقف المشافهة الذي نهشته دنياه، حتى أصبح نحيلا فقيرا، يوزع حكمته، وشعره على قرى أشغلها جمع التمر، وصراع الإمارة، يكويهم بنقده اللاذع، ويعريهم بصريح العبارة.
يقول المؤلف:
«هجا حميدان نفسه والأهل والأقارب والعشيرة، وقريته والقرى المجاورة لها، ذم فيه بعدهم عن الخير والفضيلة، وتهافتهم على المال تهافت الجياع على القصعة.

ناح نوح البرق على الرعد، من هموم أثقلته، وأعباء أضنته، فلم يكن الفقر وشح الموارد هي ألمه وحزنه الوحيد؛ فهناك آلام وأحزان أخر.
تلك التحولات الدينية والاجتماعية والسياسية في عصره التي لمزت تدينهم وأثرت في أخلاقيات القرية، وغيرت في طباع النفوس، فتن تستعر وحروب لا تدع ولا تذر فنادى ناصحا، وناقدا، وشاهدا، وأزجاهم نهرا من حكم الفاهم العارف، وأمطرهم سهام الفضح واللوم من مثقل بهمومهم، وآسف على مصائبهم.. لقد أعطي حميدان قدرة على التحليل، وكشف التضليل ومعرفة ببصائر الأمور، وكان أكثر ما يثير سخريته أولئك الطامعون بالثراء، وجمع الأموال وهم جالسون عند زوجاتهم، لا يغادروهن إلا لقضاء الحاجة، وأولئك الشجعان الذين يتابعون الأحداث من على سطوح البيوت، ومن وراء ثقوب الأبواب!!».

يسرد لنا المؤلف واقعة لقاء حميدان بجده الحطيئة، فيقول: «يرى حميدان شبحا نائما تحت شجرة السدر في وادي ذات عرق، يرى ثيابا رثة، ووجها أكله البؤس، فيغبطه على ما فيه من عز وشرف:
– قم أيها المستظل بظله قل لي من أنت؟
فيقوم وقد أعياه الزمان، وآنسه المكان:
– ابن الفقر.
– إذن نسبنا واحد.
– أمعك تمرة؟
– جائع يرجو من هالك عظمة.
– أأنت الحبر الفهيم؟
– نعم أنا التائه بلا زاد.
– حدثني عن (مانع)؟
– أخذته بنت المدينة مني. وماذا عن مليكة؟
– جميلة. كلما نظرت إليها كسا جمالها قبحي…».

ثم يبدءان بالمحاورة شعرا وعندما ينتهيان من المحاورة، يلخص المؤلف قصتهما بعبارات مكثفة هي: «لقد ارتضيا الفقر والجوع، فأضحى الفقر مسكنا والجوع ملبسا، تغنيا به، وأشادا بأمجاده، وسلَّا الكلمات سيوفا في مواجهة عدويهما الأزليين (الغنى والبخل)، فأصبح لهما مريدون وسالكون في دروب العوصاء، يحطون ويبطون، يأخذون حقوقهم من جيوب الأغنياء، ومن براثن البخلاء.
كان الشعر باب رزقهما، وسبيل عيشهما، لا يريان في أخذ العطايا منة أو عيبا، بل حق طالبا به فاستحقاه، وتفضلا منهما على صاحب العطاء بقبول عطائه والرضى به. كان بإمكانهما أن يصبحا من الأغنياء والوجهاء، تمتلئ جيوبهما بالدنانير والبارات بعدد حروف قصائدهما».
يحدد لنا مكانته في الشعر العامي في الجزيرة العربية بـ«أنه أحد المبدعين المجددين في الشعر العامي، فقد طعمه بجو من الفكاهة والظرف والسخرية الناقدة. كانت بعض قصائده مسرحا يضفي بعض الأنس والسرور على تلك النفوس المتعبة، من سعير الحر ولهيب الحروب».
ويضيف موضحا ميزته وتميزه في هذا الشعر، فيقول: «أبرز ما يلفت النظر في شعره، قدرته على تحويل اللهجة المحكية اليومية إلى لغة شعرية، وفكاهته المكحلة بمجون العبارة مع تدينه، والنقد الديني والاجتماعي والسياسي الذي يفتح نافذة لدراسة الأحوال الاجتماعية والأحداث السياسية في تلك المرحلة الزمنية من منظور آخر».

كتاب: هؤلاء.. وشعرية المكان

كتاب: هؤلاء.. وشعرية المكان

الكتاب تتبع شعراء العامية من وسط الجزيرة العربية وشمالها وشرقها، كحميدان الشويعر ومحمد بن عمار ومحسن الهزاني ونمر بن عدوان وموضي البرازية ومحمد بن لعبون

يقف المؤلف على قبري الحطيئة وحميدان ويناشد التراب الذي ضمهما بالكلمات التالية: «أيها التراب، يا سيد الطبيعة يا رحم الإنسانية، لقد عادا إليك، عادا إلى الرحم الأول، فكن بهما رحيما رفيقا، وآنسهما كما آنساك أيام الترحال بين جبالك وكثبانك، لا تنس خطاهما الخفيفة عليك، ويديهما النديتين على خدك الخشن، لا تنس غرس الشجر، ومسح الحجر، والجباه التي ترويك بعرقهما خمس مرات، أشبع بطنيهما فجوعهما لا يطفئه إلا الشوق. الشوق إلى ندى الأيام الآتية».

ويضيف قائلا: «زفرة زفرة، وينهض الحطيئة: قم يا حميدان، فالكريم لا يموت على فراشه، يركب كل منهما على أتانه، ويبدأ نشيجهما الذي لا ينتهي، حتى الآن نسمعه كلما مررنا بوادي ذي مرخ أو أطلينا على القصب، تشيعهما الضواري، وسحب الجفاف ذات الظل الشفاف، وأعشاب الصحراء اليابسة، ويلوح الأثل لهما من بعيد مودعا، ويئن الجوع من فراق آخر فرسانه. علا نشيدهما الذي ما فتئ الشاعران يرددانه منذ أمد طويل، حتى رددته معهما أطناب الخيام وجدران الطين».

متمم بن نويرة ونمر بن عدوان

عنوان الضفيرة الثالثة «متمم بن نويرة ونمر بن عدوان.. القتل خطأ والقتل صبرا»
يكلمنا المؤلف في هذا العنوان عن مأساة متمم بن نويرة، فيقول: «كم تكون المأساة والحزن أكثر حرقة عندما يكون المفارق أخا حبيبا، لك معه ذكريات في الظهر وفي الرحم، وفي الإناء وفي الخباء، أي ذكريات أقرب من رؤيتك عضده يقوى وجسمه يفرز وهو متكئ عليك: يا ابن أبي وأمي كنت أفضلك علي، فأقدم لك الثدي الأيمن وأخذ الأيسر، وإذا لم تكتف أزحت فمي وتركته لك وانضويت عند قدم أبي لترتوي. أهديتك عيني ترى بها، فرأيت العالم من خلالك.
قتل مالك بن نويرة الفارس الإنسان ظلما، غادر دنياه تاركا وراءه أفراخا أنعم من الزبد، بكاءهم يفجع الذئاب، ويصدع الحجر، تلك مأساة متمم بن نويرة.

إن الظلم الذي وقع على أخيه، والطريقة التي قتل بها، جعلت الحزن يتغلغل في جسده ويسري مع دمه، لا الزمان ينسيه ولا المكان يسليه، ولا المرأة التي زوجوها إياه حملت عنه بعض الهم، بل زاده لومها له انفجاعا.
وأصدق الشعر ما كان رثاء، لأنه ينبع من الداخل من عمق المشاعر، ونبض القلب وأحاسيس النفس، فيفضي كالمطر، لا يعصي انسيابا. رثاء المحب تغيب عنه الزلفى، ولا يرجى منه عطاء أو ثناء. يموت الحبيب، فتنفجر أحاسيس كونية أولها صدق، وآخرها حق. الرثاء ليس كالهجاء يشوبه الحق والضغناء، ولا الفخر يعتريه الاعتداد والافتخار، ولا كالغزل تطاله المبالغة والذاتية والشهوة.
الرثاء حديث النفس للروح، فيه تتجه بالكلية إلى عزيز لم يعطك الفرصة لتبوح له ما في قلبك من عواطف تجاهه، وما في نفسك من عتب عليه. فما أنقى وأصدق هذا الحديث».

يعادل المؤلف مأساة متمم بمأساة نمر بن عدوان. مأساة متمم كانت في أخيه مالك، ومأساة نمر بن عدوان كانت في زوجته وضحاء.
«أن تموت الزوجة في ريعان شبابها، ذلك منتهى الألم والأسى للزوج، وخاصة إذا كانت جميلة، ومحبوبة وأما لوردتين. فكيف إذا كانت تلك زوجة نمر بن عدوان التي كانت أجمل من تفتح الزهور، وأرق من رذاذ المطر طيبة المعشر كاملة الخصال.
هذا الحزن لا يستمر على وتيرة واحدة إلى آخر العمر، بل يتصاعد مع تساقط السنين، إلا إذا كان هناك أمر أكثر مرارة وألما، نعم ماتت الحبية على يده، وبفعل يديه، عاجلها برصاصة ظانا أنها ابن ليل آت ليسرق فرسه المحبوبة، لم يدرك أن الحبيبة هي التي كانت عند المحبوبة».
يقول عنه: «صنع منه الحزن شاعرا كبيرا، حوله من شاعر يطوي البيداء مسابقا فرسه، متغنيا بسيفه ورمحه إلى شاعر رقيق عذب، رفيق حزن وآهات يخاف على الورد من قطر الندى.

نسي أمير البلقاء أمور الرياسة والإمارة، وانشغل عنها، وقوفا عند رسوم ديار الحبيبة، التي رحلت قبل أن يغادر الزغب صدغي طفلتيهما وقبل أن تنسكب خصلة بيضاء فوق حاجبيها. ندية اليد، كأن الأغصان أخذت منها ليونتها.
بكاها حتى آخر العمر، بكي سنوات الهناء القليلة التي ظنها ستطول معها. تمنى أن تمتد إليه يدها، لتهديه وتحميه من عثرات الشيخوخة».
يقص المؤلف كيف التقى متمم بنمر عبر هذه الحكاية:
كان نمر «عند القبور ينفث دخان غليونه، ويناجي زوجته، يتصل معها بلمس الرمل والحصى، باستنشاق أقاحي الصحراء. فذاك الرحيق تطاير من قبرها.
انحنى نمر ليلتقط حجرا، فسمع صيحة حزينة، اقترب منه الصوت، فرأى رجلا قوي البنية، أعور العين. فقال نمر:
ماذا تريد؟
رد عليه وهو ينظر إلى الحجر.
– دع مالك!
– لقد تدحرج من قبر وضحى.
– إذن ضعه على القبر حتى لا يشعر بالوحشة.
– أنت متمم، سيد الحزن وراثي العالمين.
– نعم يا سيد الندم، تهديك وضحى السلام، وتخبرك أنها صفحت عنك.
ويروي لنا شعرهما الذي تناجيا به عند قبر مالك وقبر وضحى.
تهيج عند المؤلف ذكرى مالك مرة أخرى، فيقول: «كم هي مأساوية تلك اللحظات الأخيرة من حياة مالك. كم هي مؤلمة تلك الأسئلة التي أدارت رؤوس المحاربين، وهزت قلوبهم، فأغمضوا العين عن وهج الحق، وأخفوا دموعهم خوفا من قائدهم.
ومتمم هو الوحيد الذي إذا رأوه أفجعتهم الذكرى، ونزفت ضمائرهم، وهاجهم ما هاجهم من الاستعبار والندم… طارت معظم أعناق القبيلة، لم تشفع لها كلمات الشيوخ، وشهقات الأمهات، وبكاء الزوجات، وهمهمات الصغار.
وجاء دور مالك، فوقف صلبا جلدا، فهو سيد في قومه، فارس تعرف الخيول وثبه، وتعرف المعارك جسارته وبأسه.
لم يكن يخاف الموت، فمن خاض الطعان، يدرك أن الأجل أقرب من ظله».

يجمع المؤلف مالكا بخالد بن الوليد، فيسأل مالك خالدا:
– أتقتلني وأنا مسلم أصلي القبلة؟
– أنا مثلك تنهال دموعي في اليوم خمس مرات، وأستحيي من الله أن أفعل معصية. ويلتفت مالك – ويا ليته ما التفت – فينظر إلى امرأته التي فيها من الجمال شارات ولمسات. ويقول: يا خالد، بهذا تقتلني. مالك! بالله كم من (عمر) أبكيت».
وفي خاتمة النص يحدثنا أنه «صفت في السماء غيوم سوداء، ونعقت الغربان، وناحت حمامات البطاح وتحول الحائط إلى فدفد. رحل مالك. وأي فتى كمالك.
أطلق متمم ونمر صرخة الشجا، فتطاير غبار القبور، ردد صيحتهما متالع وسلمى. وانحنت أعشاب القبور ترحيبا بألحان القلوب، وانتفض الموتى وطارت أرواحهم مرفرفة فوق رأسي شاعرينا. فقد أطربها هذا المديح وهذا الثناء».

عمر بن أبي ربيعة ومحسن الهزاني

الضفيرة الرابعة عنوانها «عمر بن أبي ربيعة ومحسن الهزاني.. شهوة الكلام ولذة النظر في قرى الحب ووديان الغرام».
يفتتح المؤلف هذا النص بهذه الكلمات الجذلى الراقصة: «عندما يذكر اسم عمر بن أبي ربيعة تشدو الحناجر، وتفرقع الأصابع وتهتز الرؤوس. وتبدأ النشوة تحرك الأكتاف، والخطوة تتبع الخطوة، والأيادي تتراقص كأجنحة النعام في مبارزات الحب والزواج.
لم تكن بداية الغناء مع (الجراداتان) ومضر بن نزار، وليست (وإيداه وإيداه) أول موسيقي حلقية تخرج من الصحراء. لقد بدأ الغناء مع أنين الرياح، وصرير العواصف، بمرور الهواء بين الأشجار، واصطدامه بالجبال، وعبوره من شقوق الجدران والأبواب، في ذلك التجاذب والتناغم بين الورقة والغصن، بين الصوت والحجر بين القمر والماء.

بدأ الغناء مع أزيز الرعد، وحين تمر سحابة فوق كثبان الرمل، فيوقفها جمال الطبيعة وصفاء الصحراء، فتمتد لها يد البرق سلاما وإعجابا.
إن الغناء ليس فقط علاقة بين كلمة ووتر، يربطهما ببعض حنجرة صادح وصوت مترنم.
الغناء تسريب المحسوس، وفيض اللامحسوس. حالة من الإيغال في الماضي، تعيده لك صورا تنقلك من مكان إلى مكان، نظرة حاضرة تستشرف الحياة نعمة، وحالة من اشتهاء ما لا يأتي، تغمسك في عوالم خلقتها المخيلة وتوهمتها العين».

يصيح المؤلف بالصوت عاليا، فيقول: «جودي يا رياح الحج على عمر بالسحر والإلهام، فقد لسانه منذ غادر حسناوات العرب مكة، منذ ودعنه عند أستار الكعبة. حمل شعره وجد المسير يتبعه رفيقه ومغنيه (العريض)، يباري قوافل الحجاج الآفلين إلى ديارهم وعيناه – أبدا – لا تفارق خصور نسائهم. والعريض يسمعهم لحن الشوق والحب للائي من أجلهن تنثر ورود الألحان، وعلى ترائبهن تتدلى هبات الإله، ومن بين أعطافهن تتوالد القصائد. يشير عمر بيده مودعا بعدما أخذ منهن مواثيق العودة في الموسم القادم، وشفتاه تتمتمان بآيات الرجاء والأمل، بأن يحنن عليه، وينظرن إليه نظرة لقاء، حتى لا تترمل عيناه، ويشكل لسانه.

ابتعد الركب والهوادج تتمايل مودعة عاشقها، فينوح عود العريض، كنواح الأرض عندما تتفصد عروقها من فقد المطر، ويشيخ وجهها في مواسم الجفاف».
ثم يضيف شارحا: «الحج عند عمر بن أبي ربيعة ليس موسما للعبادة وحسب، بل أيام وأعراس للجميلات اللاتي تقاطرن من كل فج عميق، حفلة يعرف فيها للجمال ويترك للعين فيها حرية التجوال بين أزهار حدائق الرحمن، ويسمح للسان بهتك سر الأسرار، بوحا بما يحتمل داخل النفس والوجدان. يصفهن من مفرق الشعر إلى أذيال الثياب، فيجسد أمام أعيننا لوحة رسمت بريش الكلام إطارها الكون، وتاريخها لا يحده الزمان. صورة تسلب عقول الشباب، وتعيد للعجائز وهج الصبا والتصابي».
عمر بن أبي ربيعة، كما يقول المؤلف، شاعر المرأة والغناء، دخل إلى حيث تريده المرأة أن يدخل. تغزل فيها ووصف جسدها فانتشت طربا، واهتزت أردافها فخرا. ربط بين الشعر والغناء بعقد من العشق للطبيعة والمرأة، فصنع شعره لا ينشد محفليا، بل ليغني طربا صاغه على أنغام العود ونبض أوتاره وزفير المزامير، ورقص أصابع عازف على عيون الناي. لا شيطان شعر زاره، ولا أناخ يوما بوادي عبقر ركابه. كان مع نعم الطبيعة وصدى الوتر.

الممثل ياشر المصري يجسد دور نمر بن عدوان

الممثل ياشر المصري يجسد دور نمر بن عدوان

يعادل المؤلف مأساة متمم بن نويرة بمأساة نمر بن عدوان. مأساة متمم كانت في أخيه مالك، ومأساة نمر بن عدوان كانت في زوجته وضحاء.

… هو مرحلة تحول في الشعر العربي. هجر الأطلال لم يقف بها، ولم يصف الخمر ومجالسها، ولم يجن من العشق. كان يعشق بعقله لا بقلبه، بشهوته لا بمشاعره، وهذا الفرق بينه وبين العذريين. أعطى للشعر غرضا واحدا، هو الغزل وبنى القصيدة، امرأة مشتهاة.
يقدم المؤلف تعريفا بالهزاني هو كالآتي: «أما محسن بن عثمان الهزاني، شاعر من كبار شعراء العامية. ولد في النصف الأخير من القرن الثاني عشر الهجري، وتوفي سنة 1805. تقريبا في (الحريق). وهي قرية من قرى نجد».

أما إنه «ولد من بيت شرف ونسب، أمير ابن أمير، ذو مال وجاه وجمال، نام على النعيم من صرخته الأولى إلى شهقته الأخيرة. كان فاتكا يخشاه الرجال، وجميلا تهواه النساء. ترك الإمارة وهوى السلطة، من أجل هوى حسان الوجوه، وولعا بوتر ونغم ربابة فوق كومة رمل في ليلة بدرية ضوءها سهر ونسيمها طرب، يتناغم العود مع صوت الطبيعة، مكونا لحنا أبديا تصغي له النجوم، وتتجه نحو قطعان السحاب.
يدخل الصوت شجيا أذن الجسد، فيطير الجسد مع ارتفاعه (جوابا) ويهبط مع انخفاضه (قرارا) منفصلا عن الزمن. يصبح زهرة عوسج تلاعب ظلاها. وريشة في الأعالي تغازل بازا. يجول الصوت في الصحراء، تهديه الريح للأشجار فينتقل بين شجيرات الصمود والمواعيد، حاملا حفيفها وحكايتها، مكونا لحنا آخر يدخل مع الإنشاد الذي يقفز على الأغصان، ويطير مع مناقير قمري الحمام من قرية إلى قرية إلى ما وراء حدود الأنهار.
اشتهر بالغزل، فصار مثالا لمنتهى الغزل، فقيل لمن نظم غزلا: (لو كنت محسن). واشتهر بالغرام، فصار كلما رزق رجل فتاة جميلة وبشر بها، صرخ قائلا: (ويلي من محسن).

إن في شعره ثراء لغوي ومعرفي، تسمع فيه امرأ القيس وجميل بثينة والمتنبي. شعر فصيح لكنه بلسان عامي».
يزيدنا تعريفا بقيمة الهزاني وأهمية شعره في الشعر العامي، فيقول: «كان الهزاني ذا نزعة تجديدية، فأدخل الجناس على الشعر العامي، وطور بحر المسحوب وأشهره حتى اعتمده الشعراء في نظمهم وشعرهم، فاستبد بحر المسحوب بأكثر الشعر العامي. وكانوا من قبل ينظمون على بحر الهلالي.
وأدخل نظم (المربوع) على الشعر العامي، مظهرا براعته جناسا وطباقا. ملونا الشعر العامي بلون زاه بهيج، متلاعبا بألفاظه بديعا ومعاني وزخرفة ورونقا، وبدأت أوزان وموسيقى الشعر العامي مرحلة جديدة من التطور، ألفاظه خفيفة رشيقة، سهلة القراءة، صيغت على وتر الربابة وإيقاعات السامري.

إن لديه روحا قصصية نجدها في الحوار بينه وبين فتياته، أو في حديثهن عند الغدير عنه أو في نصح عجوز لفتاة همست باسمه، فحذرتها من الوقوع في سحر كلامه، وفتنة بهائه».
يقول المؤلف: «إذا كان عمر بن أبي ربيعة يذهب في جميع الاتجاهات وينطلق من مكة إلى (الكريد) يتلقى الشاميات وإلى (ذات عرق) ينتظر العراقيات، وإلى (مر) يستقبل المدنيات، وإلى (قرن المنازل) يلتقي النجديات، سهم حب يفتح القلوب ولا يغلقها يلوح لهن بيديه وبعودي صاحبيه العريض وابن سريج، يلبي معهن حتى يصلن مكة، فإن محسن لم يعن نفسه وعثاء السفر، وجهد القفز على ظهر فرس والتعلق بحبال هودج، وتسلق قمم الجبال متعلقا بأكتاف الأصحاب. بل كان يقعد عند باب بيته هنيئا. عين على فنجان قهوة وعين ترقب قوافل الراحلين إلى مكة، وما إن تغيب رؤوس الجمال وتلج القافلة في السراب، حتى تناديه الأيادي: هيا أقبل نعانق، ونفرش النمارق، وترقص الأرجل المخدنجة المحجلة، ويرفع محسن صوته ملبيا، فقد بدأت مشاعر حجه في بيوت موردات الخدود، وفي مضارب نجل العيون».

جاء اجتماع عمر بن أبي ربيعة بمحسن الهزاني، – كما يروي المؤلف – على النحو الآتي:
«في ليلة غاب قمرها ونامت نجومها، كان محسن متوسدا سرجه في قرن المنازل، وقد هجعت عينه، وعندما أفاق، رأى فرسا نجباء مخضبة بالحناء، عليها قطوع وديباج، وفارسها حسن المظهر، قد أسبل لمته واقفا عند قدميه. قال محسن: من أنت؟
– فقال: أشعل نارا لأراك.
– فأشعل محسن نارا عمرها بالرمث والغضى.
– قال الفارس: أنا عمر بن أبي ربيعة. ومن أنت؟
– أنا محسن الهزاني.
– كأني أرى فيك نفسي أيها المرودن البهي، لولا أن ثنيتك ليس فيها سواد.
– يد (قويتتي) أحن على خدي، من يد ثرياك على خدك.
– كانت صفعتها لي قبلات.
– قبلات أحرقت سويداء القلب.
– أين أهلك يا فتى.
– أهلي في نجد.
– آه كانت لي هنا مع جداتك صولات وجولات.
– وكانت لي هناك مع حفيداتك حكايات وغزوات.
– أضعت ثريتي من سمائي.
– وفقد قويتتي من بين يدي».
ثم يتحاوران شعرا، ويختم المؤلف نصه بهذا النعي:
«مات عمر ومات محسن، فانقطع الوتر الأول والأخير من عود الحياة، وبين هذين الوترين ضاعت النغمة التي تبنت للحب قصورا، وأقامت للحسان أفراحا. وإذا كانت الأرض وارت جسديهما، فروحاهما نجمتان في السماء تهديان المحبين لدروب الحب والهوى، تلمعان كلما بلغت عذراء، وبان خد خريدة وسط الظلام».

الأعشى وابن لعبون

عنوان الضفيرة الخامسة «الأعشى وابن لعبون.. سيرة الكأس وأحاديث الطرب»
يستقبل المؤلف في مفتتح هذا النص الأعشى، ويلقي بين يديه كلمة متدفقة في شعريتها ومنسابة في غنائيتها:
«هو الكاس ينساب أعشائيا يماميا، يتمايل مترنحا حاملا أهازيج المسافات وحكايات الأماكن.
من قرية (منفوحة) يلتحف (السباسب) إلى بلاط كسرى وقصور روما، شوقا لكعبة نجران، ومعاصر اليمن، موقظا بـ(صنجة) أفيال النجاشي غربا، وشرقا مراقصا جواري كابل والترك الشغاميم.

الأعشى ترحال الاتجاهات، سيرة الكأس بنشوة وحياة، عصر الشعر أعنابا منتبذة وخمورا معتقة. دقت نواقيس كنائس اليمامة إيذانا بميلاد إمام الخمر، وسيد المجون والخلاعة وعراف التهتك، أبي الشعر المغنى، صناجة العرب: أعشى قيس.
من بساتين النخيل وأغصان السدر المتدلية على جدران بيته الطيني المتهدم، غنته (منفوحة)، ورثته جوارح الطير وأليفها بين ضفتي وادي حنيفة إلى واد العقيق، زحفت الرياض خانقة قبره عابثة برطوبته، فجف واختفى، تحت أطنان الحديد وجبروت الخرسانة.
هم الشعراء يعمرون المدن والقرى، كحمامة الدوح يبنون القصور أبياتا شعرية، وينسجون الصحارى خياما على عمود الشعر. ترك الزرع والضرع وأسرج الريح تطوافا للخمر حبا وفداء عند أبواب الحانات، وصال وجال بين المدائن والقرى والبوادي فارسا مدججا بالصهباء والشمول و(الزق) و(الدن) والشلاشيل وأشاوس الندماء، فاتحا حوانيت الشهوة والنغم، رافعا كؤوس الوجود بين الصدور، حاميا خباء اللذة من الفناء ومشرعه للعبث والجود، محررا كل معتقة من أسر الدن وجور الحداد.

… عقر النسيب في خمارة بين ساقيات وقينات. ما تلك اللاتي تغزل بهن إلا قينات يطربنه عزفا وجواري يسقينه ماء الحياة، ويزلن العشى عن عينيه بتلمس أعناقهن، وغرس أنفه بين ترائبهن. وذلك الردف الذي على اهتزازه يقرع الطبل. وتلك الخصور التي من هول أمواجها تصدح أوتار العود، جعلت الأعشى في عتمة الليل بصيرا. الأطلال رسم يزول ويهجر، والحانة تبقى وتعمر، دار معاد لا يهجر.
هو العشق إذن للمكان بما يحويه، هو المجد الذي ابتغاه سائلا مستنذلا من أجله، ملهبا ظهور (العيس) سياطا لا يستريح حتى تناخ (عتريسته) أمام حانة (هريرة)، وخباء (الأزيرق).

في مدينة الزلفي

في مدينة الزلفي

حميدان الشويعر هو أحد المبدعين المجددين في الشعر العامي، فقد طعمه بجو من الفكاهة والظرف والسخرية الناقدة

أقام للخمر معبدا شعريا جاعلا إياه غرضا أساسيا، فأصبح الأخطل مريدا والنواسي تابعا».
يقدم المؤلف في هذا النص بعض اللمحات عن تاريخ اليمامة، بحكم أنها موطن الأعشى ومعلومات عن أصناف الخمور التي ذاقها الأعشى في موطنه وفي العراق وفي بلاد فارس والشام وأفغانستان واليمن والحبشة، وعن الغناء والرقص في تلك البلدان. ويقدم لمحة عن الزبير التي عاش ابن لعبون فيها وعن الصراع السياسي بين الأسر الحاكمة في هذه المدينة الذي كان فيه ابن لعبون فيه منحازا إلى آل زهير.
يرى المؤلف أن الاحتكاك بالشعوب والتجوال بين الحواضر، والجلوس مع الملوك والأمراء والسادة من العجم والعرب، أعطى للأعشى زخما معرفيا وثقافة غزيرة وأفقا رحبا، يتعدى سماء الجزيرة، وبسبب هذا «جاء شعره مليئا بالمفردات الأعجمية والطقوس الدينية والمعرفة بالأديان والقصص والحكايات الأسطورية».

وفي أثناء حديثه عن محمد بن لعبون المولود في قرية ثادق سنة 1790م والمتوفى في الكويت سنة 1831م، يقدم إضاءات حول تاريخ أسرته وبلدة حرمة الواقعة في إقليم سدير التي عمرها جده الثاني، والزبير التي عاش فيها، ويبسط القول في أصول الغناء الخليجي وأنواعه لارتباطه بشعر ابن لعبون.

يقول المؤلف: «عند ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رفضت معظم القرى والبلدات الدخول فيها، لا رفضا للتوحيد ونقائه، فالقوم جلهم حنابلة، ولكن رفضا للتوحد في ظل إمام واحد وأسرة واحدة، فكل منهم يريد أن يكون أميرا وحاكما على بقعته الصغيرة. هذا هو العامل الرئيس، أما العوامل الأخرى، تتعلق بمسلك الدعوة في فرض السلوك القويم بالقوة لا بالحسنى، وخلافات أخرى هامشية مع مفهوم التوحيد كما يراه الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وكانت الخلافات أمرا يذكى، كي لا يتم توحيد البلاد تحت راية واحدة. ودليل ذلك أن أهل تلك البلدات من إقليم سدير عندما نزحوا إلى بلدة الزبير حملوا معهم نجدا بعاداتها وأعرافها ومذهبها الحنبلي وصراع أسرها على إماراتها».
ويورد ملحوظة بخصوص الزبير، التي يقول عنها إنها بوابة نجد على العراق وبوابة ابن لعبون على الحب، مفادها أن الزبير «كانت حنبلية لكنها متسامحة، المذاهب فيها متآلفة والاختلاف لم يكن مطروقا ومطروحا، فالمدينة التجارية – والزبير كانت هذه المدينة – خليط من الأفكار والأجناس، دكاكينها مسرح للوئام، وبضاعتها الاندماج والتصالح».

و«في الزبير نبغ محمد وذاع صيته، خالط أناسا جاءوا من جميع الاتجاهات، وكانوا مختلفي التوجهات واللغات واللهجات، فازداد ثقافة على ثقافته التقليدية، وصار أكثر انفتاحا ووعيا بالبيئة التي اختار العيش فيها».
ويشير إلى أنه متأثر بالشعر العربي القديم. وهذا التأثر – كما يقول – بمن سبقه جلي من خلال تضميناته الشعرية.
ويحدد نسبه في الشعر العامي بأنه «ينحدر من مدرسة محسن الهزاني. فهو متأثر بإيقاعاته الشعرية وغزله الفاضح الذي يتناول مغامراته النسائية وتفاصيلها الحميمة. فمعظم قصائده تأتي على (المربوع) الذي برع فيه الهزاني، وأخذ كذلك عنه لحن السامري، فطوره وزاد عليه، ناقلا إياه من الصوت والدف والتصفيق إلى طور العود والمرواس والكمنجة».

يصف المؤلف دهر ابن لعبون بأنه «غزل وتشبيب ونسيب، يرق له العاذل والحبيب، ومع اعتداده بنفسه، وكماله المظنون، فإن خطو قدمي امرأة وصوت خلخال فتاة من بعيد، يفز قلبه وترتعد حواسه منه. يفزه قافلا من مجالس الرجال إليه من دون حياء، ولا استئذان.
سار في دروب اللهو يتصيد أماكن الطرب، ويرسم قصائده على أوزان الوتر، أجاد العزف على الربابة، وبنى أوزانه الشعرية على وترها، وكان يضرب على العود ويجيد الغناء، أعطى لربابته اسم (فريجة) نادمها وشكا لها أشجانه. كان صريح الغزل، كاشف ستر الغواني، ذواقا مجاهرا بغزواته وسكره يأتي من صافي أرياقهن. تجد في شعره بعضا من المفردات التركية والفارسية والهندية».
ويقول عنه: «هذا الشاعر العاشق للحياة الثمل بالطرب، الواهب للحسان، غيث القصائد، العازب من أجلهن حتى راح العمر، الساكب في فناجينهن، أماني من عبث ووعود من سراب، لا تخلو قصائده من حكم تدير الرأس، وأمثال تثير الإعجاب، تحكي عن تجربته وخبرته في صروف الحياة، وما زال الناس يضربونها مثلا ويروونها حكمة. ولا يدرون أن قائلها سكن القلوب قبل العقول، ورقص الفكرة على (حس الطار)».

الخنساء وموضي البرازية

عنوان الضفيرة السادسة «ديك الخنساء وحمامة موضي البرازية»
من يقرأ متن هذا النص، سيلحظ أن عنوانه الموجود في الكتاب «ديك الخنساء وموضي البرازية» وقع فيه سقط طباعي، لذلك أعدت لموضي حمامتها؛ فموضي فيما كتبه عنها المؤلف، لم تصاحب ديكا كما الخنساء.
نظم المؤلف الخنساء وموضي البرازية في لؤلؤة واحدة، لصفة مادية – أولا – تجمع بينهما ألا وهي الجمال وطول القامة. وقد عيرهما بعض الرجال لما زهدتا فيهم بطول قامتيهما، فشنعتا عليهم بقصر قاماتهم، وتغنيا بمزايا القوام الطويل.
وثانيا، ثمة سمة مشتركة في شخصيتهما، فكلاهما كانتا ذواتي بأس شديد، ومجبولتين على روح التحدي، فنافستا الرجال وغالبتاهم، فتفوقتا عليهم.
وثالثا، كلاهما جوبهت بموقف شعري ذكوري، أسخط الشعراء والنقاد والدارسين أن تكونا في شعرهما صنوا لفحول الشعراء، وفي شخصيتهما ندا للطراز المميز من الرجال.

كان أول الخيط في هذه اللؤلؤة المنظومة ديك الخنساء الذي اتخذت منه – كما يقول المؤلف – خليلا تبدي له من أحزانها شجنا صباحيا، ونواحا ليليا. وحمامة سمعتها موضي تغرد على جريد نخل حين كانت تتلوى من الألم بعد أن ألهب العبد سلامة جسدها بالسوط، بجريرة أنها صدحت بشعرها غناء في أندية القوم! فموضي حين سمعت الحمامة تغني أسرعت تحبو على ركبتها إلى النخلة، ورفعت رأسها إلى جريد النخل، مناجية الحمامة شعرا، مشفقة فيه عليها، بما مضمونه:

«ويلي! إن سمعك سلامة، عاد ليسومك سوء العذاب، فيبكيك مثلي، وينتف ريشك، ويخنق غناءك السماوي»، مختتمة هذه المناجاة بتوجيه النصح لها بـ«أن ترحل إلى بلاد أخرى، تحفظ فيها الكرامة، ويحترم الفن، فديارها أهلها فيها غرباء، عمائمهم منكسة، وحقوقهم مبخوسة، ديار صار العبد فيها سيدا. والسيد طريدا ومشردا».
قد لا يخفى على البعض أن التركيب أو المزج أو التأليف أو النظم يكون عاديا حين يتم بين شيئين أو كيانين أو كينونتين هما، أصلا، متماثلان في الصفات والسمات واللون والمزاج أو الطبيعة، فالأمر في هذه الحالة لا يحتاج إلا لشيء من اللحم أو الرتق أو السبك أو الجبر أو التنسيق أو الوصل البسيط.
أما في حالة أخرى، وهو أن العمل الذي أشرنا إليه بأسمائه المختلفة (التركيب، المزج…)، يتضمن عنصري اختلاف جذري، فإن ذلك يكسبه لمعانا ويمنحه بريقا.

واللؤلؤة التي نصفها الخنساء ونصفها الآخر موضي البرازية، جاء لمعانها وبريقها من كونهما من مزاجين متضادين ومن مذهبين متناقضين، فالجدة الخنساء كانت باكية نائحة ومتشائمة وسوداوية وعاشقة للموت، ومنها – كما يرى المؤلف – استمد المعري عشق الموت. بينما الحفيدة موضي البرازية كانت ضاحكة ومرحة وطروبا ومتهكمة ومغرمة بحب الحياة.
يبحث المؤلف في تاريخ موضي فيقول: «في زمن الرواية الشفهية تختلط الأزمنة، ويصعب تحديد التاريخ، ويضيع عام الولادة ترجيحا، وتصبح سني الوفاة حتى لا زمنيا وطنا تاريخيا».

في البادية

في البادية

تعد موضي البرازية شاعرة من أشهر شاعرات العامية، جاءت تمردا على قوانين المكان وأعراف البادية وتقاليد السلطة

لذا اختلف الباحثون حول الفترة الزمنية التي عاشت فيها موضي. أهي عاصرت الدولة السعودية الأولى (1157 – 1233هـ) أم الدولة الثانية (1240 – 1308هـ) أم تراها لحقت على بدايات الدولة الثالثة (1319هـ)؟ والبعض يؤكد بعد المقارنات الشعرية للحدث الزمني أنها عاشت في فترة الدولة السعودية الثانية.
يعرف المؤلف بموضي، فيقول: «هي موضي بنت أبو حنايا البرازي من قبيلة مطير. شاعرة من أشهر شاعرات العامية، جاءت تمردا على قوانين المكان وأعراف البادية وتقاليد السلطة. شعرها يمتاز بالمتانة وقوة المعاني وجزالتها، وجرأة العبارة، والتغني بالبطولات والحث على بلوغ محامد الأمور، وكذلك بنقد لاذع يتساوى فيه الكل، قبيلتها والقبائل الأخرى، الحلفاء والأعداء، عقيد القوم وحقيرهم.
دخلت في نقد المجتمع الذي تحكمه عادات وتقاليد ومحافظة دينية مذهبية شديدة الصرامة، رافضة بعض عاداته متمردة على قسوة أعرافه مناكفة متدينة، فكان لها السبق في هذا الميدان الذي لم تمخره امرأة قبلها، وأضحت رمزا لنساء الجزيرة. فكشفن الصمت وقارعن العقوق بغلاب الحقوق».
قد يشد بعض القراء فضول إلى معرفة أي نوع من الأزواج تفضل امرأة جبارة وفذة كموضي. وقد أطلعنا المؤلف على هذا الجانب من حياتها الذي سجلته شعرا، فيقول: «تزوجت موضي (حجول) أحد فرسان القبيلة وشجعانها، ذو الفراسة والقيافة، كان مضرب مثل بفروسيته ومعرفته بمتاهات الصحراء وأفلاك المتاهات.

لم يطب لموضي المقام معه، مع أنها الشاعرة التي تتفاخر بأمجاد القبيلة، وتشيد بشجعانها، وتقدر فروسية، المعارك وإباء الرجال.
فالزوج أولى أن يكون فارس فراش لا فارس طعان، وهذا الشيء لم تره في حجول، فيوم عندها وباقي الأشهر في ميادين الغزو والغارات والثأر، لا تراه إلا مثار نقع فوق رأسها، كانت تطلب منه الطلاق فيرفض حتى بلغ الصبر منه حدا، هجته فيه، فطلقها.
اختارت زوجا على هواها، ابن حلال ليس له في العير ولا في النفير، من أبناء عمومتها يمتهن الرعي ويجيد الحب، عاشت معه في دفء ومودة لم يؤذها يوما حتى ولا بـ(لا) جوابا للسائل المتحكم، مطالبها أوامر يتبعها (سمي)، وتناديه دوما: يا شوق.
هي العارفة بمعادن الرجال، فراستها تفترسهم فرْسا، فلكل مجال وناحية رجال، وهي الرحالة الخبيرة بثعالب الصحراء، اختارت ولخيارها أسباب ترد بها على أختها (بنا) التي تفاخرت عليها بزوجها، وبغلبة معالية على زوج موضي منقصة من قدر (شوق) موضي.
أجابتها: وهل يخفى علي مناعيرك (شجعانك) فأنا بهم أخبر، وأريدهم مثلك، لكن للطعان فرسان وللعناق فرسان، إنما أبعدني عنهم صلف طبعهم وخشونة معشرهم، وشوقي أريده بجنبي يفيقني صبحه ويدفيه ليلي، يناديني بعذب الغزل، غايته خدمتي وطاعتي. لا كمثل فارسك تنتظرينه شهورا فيعود إليك جراحا أو كفنا، وإن عاد صحيحا فحديثه جلمود صخر، ووقته يقضيه بين أضيافه، أو رفقة سمره.

ما هو بخافيني رجال الشجاعة
وديهم بس المناعير صلفين
أريد مندس بوسط الجماعة
يرعى غنمهم والبهم والبعارين
إذا نزرته راح قلبه رعاعة
يقول ياها في الحشا وش تبغين».
يقارن المؤلف ديك الخنساء بحمامة موضي، فيقول: «ديك الخنساء ليس له من الحمام غير الريش، لا يذكر بحبيب، ولا يعزي بفقيد، ولا يعرف أصول الغزل، بصوته يزعج النيام مبددا سكرة المنام، متباهيا بصياحه، معلنا ذكورية الصباح. موقظا شجى وأحزان الخنساء مؤذنا ببدء نواحها، وبسيل دمعها الذي لا يوقفه إلا نومة المحزون مع خشوع الليل».
هذا الديك الذي اتخذته الخنساء خليلا تبدي له من أحزانها شجنا صباحيا، ونواحا ليليا، يؤكد المؤلف أمرا عجيبا يفعله، وهو أنه يصغي «إليها غير نافش ريشه كبرياء – كعادته – فهو بحضرة الخنساء، قطب نحابة الصحراء»!
إنه يسعنا وصف الكتاب من حيث الشكل وهو أنه كتاب يتقاسمه شجن حزين وإيقاع راقص. أما من حيث المضمون ففيه جدة وطرافة، والجاذب فيه أنه جمع بين البحث التاريخي والإبداع اللغوي في إهاب واحد، ولنا أن نقول عنه إنه أول كتاب كرس في جزء منه لقضية التناص بين الشعر العامي والشعر الفصيح.

Share: