on : السبت, 12 Apr, 2014
Comments Off on الاستراتيجية الإيرانية في التأثير على القرار الأميركي

الاستراتيجية الإيرانية في التأثير على القرار الأميركي

التلاعب بالخصم!

السياسة الإيرانية سياسة معقّدة لمن لا يفهم طريقة التفكير الإيرانية والأدوات التي يوظفها النظام في سبيل الحفاظ على وجوده، لكنها في نفس الوقت سياسة قابلة للفهم والتفكيك والمواجهة إذا تمّ استيعاب الخلفيّة الاستراتيجية التي يتحرّك الإيراني ضمنها. لقد طوّر النظام الإيراني مع الوقت سلسلة من المفاهيم والأدوات والممارسات المستمدة من خلفيته التاريخية والثقافية والطائفية وحوّلها إلى عقائد إستراتيجية يجري استخدامها وتوظيفها في إطار رؤية سياسية محددة الأهداف والمعالم أولويتها حماية النظام وتفكيك وتحييد المخاطر الخارجية عليه.
إيرانيتان تمشيان قبالة حائط ينشر رسوماً مضادة للسياسية الأمريكية في طهران

إيرانيتان تمشيان قبالة حائط ينشر رسوماً مضادة للسياسية الأمريكية في طهران

رغم أن إيران لا تملك من القوة المادية ما يخوّلها فعل ذلك، فإنّ هذه العقائد الاستراتيجية القائمة بشكل أساسي على مفاهيم كالغموض والخداع والتقيّة والفبركة والتلاعب والتمويه والتشتيت والتغطية والإنكار والاستغلال والتوظيف والازدواجية والاختراق والترهيب والردع والمواجهة غير المتوازية، نجحت حتى الآن في أن تشكّل توليفة من الأدوات التي تسلحت بها سياسيا وعمليا وتحوّلت جميعها مع مرور الوقت إلى جوهر ما يمكن تسميته بـ«فن البقاء الإيراني» الذي يتمحور حول تأكيد حالة عدم اليقين لدى الآخر تجاه نوايا وتحرّكات إيران.
عندما يكون الخصم على دراية تامة بخلفية المستهدف وتاريخ وطريقة تفكير وتصرف ورد فعل خصمه، فإنه يكون قادرا على توقّع الخطوات التي من الممكن أن يقوم بها، وهو ما يساعده على استهدافه بشكل فعّال وربما استباقي أيضا. أمّا إذا كان الخصم في حالة من عدم اليقين إزاء قدراتك أو طريقة تفكيرك أو تصرّفك فعندها لن يكون قادرا على توقّع تصرّفك، وبالتالي لن يكون قادرا على التفكير بشكل صحيح أو اتخاذ القرار الصحيح بشأنك، وهو ما يعني أنك استطعت التأثير في سلوكه بما يخدم مصالحك، وربما شلّه عن الحركة تجاهك، وهو ما فعلته إيران بالضبط تجاه الغرب خلال مراحل متعددة.
لقد استخدمت إيران هذه التكتيكات بشكل منهجي مدروس لحماية نفسها، وقد شكّلت الولايات المتّحدة كما غيرها من الدول مسرحا لممارسة هذه المفاهيم، إذ ركّزت السياسة الإيرانية على استهداف الجانب الأميركي كما غيره من اللاعبين الإقليميين والدوليين من أجل التأثير على قراره السياسي والعسكري خصوصا. ولأن تناول هذه التكتيكات بشكل مفصل غير ممكن في مقال، فإننا سنتناول بعض النماذج المحدود للإشارة إلى جوهر السياسة الإيراني في التأثير على السياسة الأميركية تجاهها، ومنها:

نموذج التلاعب: سياسة توزيع الأدوار.. المعتدل في مقابل المتشدد

تؤدي هذه السياسة إلى إعطاء انطباع للخارج بأن هناك شقّين داخل إيران مختلفين بشكل جذري عن بعضهما البعض، مع العلم أن اختلافهما ليس جذريا حول طبيعة النظام وإنما داخله. ويخلق هذا التقسيم نوعا من التشويش لدى الطرف المراقب أو الذي يتعامل مع إيران من الخارج:
* في حال وجود محافظ في السلطة: يبقى لدى الخارج أمل على الدوام في إمكانية التوصل إلى حل حال وصول وجه إصلاحي معتدل إلى صناعة القرار في إيران. وهذا النوع من التفكير يجعله يحجم عن أي ضربة شاملة لإيران أو عن أي ضغط كبير مخافة أن يؤدي ذلك إلى ضياع الفرصة (المأمولة)، أو أن يتحوّل الجميع إلى متشددين محافظين، أو أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الإصلاحيين.

* في حال وجود إصلاحي في السلطة: يحاول الخارج الانخراط الفعّال مع إيران دون حذر ما يؤدي في النهاية إلى أن يجري خداعه واستغلال جهوده لكسب المزيد من الوقت. أما في حال انخراطه الحذر فإنه يصطدم في النهاية بالقرار النهائي الذي يعود للمرشد، ويعود بعدها للمربع الأول، صعود محافظ، وهكذا يدور في هذه الحلقة المفرغة، وفي هذا الوقت تتقدم إيران نحو هدفها.

سعت طهران إلى بناء لوبي إعلامي وأكاديمي في أميركا يكون صوتها المؤثر والفاعل في دوائر الصحافة والجامعات ولدى صناع القرار

تخلق هذه الثنائية وَهما لدى الطرف الخارجي بالأمل دوما في التوصل إلى حل يعتقد أنّه حقيقي، لكنّ هذا الوهم يوفر للنظام الإيراني دوما الوقت اللازم للمراوغة السياسية، ولتفكيك أي نوع من التحالف الخارجي الذي قد ينشأ وذلك نتيجة توزّع الآراء بين من يرى أن هناك توجهات متناقضة في الداخل الإيراني يمكن الاعتماد على أحدها في إضعاف الآخر وبين من يعد أن ذلك غير ممكن. بمعنى آخر، فإن هذه الثنائية قد تنقل الخلاف أيضا حول طريقة التعاطي مع النظام الإيراني إلى داخل دائرة الخصم. وقد اختبر الخارج ذلك في مراحل متعددة سواء في عهد خاتمي أو أحمدي نجاد أو الآن في عهد روحاني.

نموذج الاستغلال والتفكيك: سياسة التفاوض المفتوحة

وهي سياسة تقوم على الدعوة الدائمة إلى التفاوض (بشرط أن يكون وضع إيران أفضل من الطرف الآخر في الغالب، أو إذا كان وضع الطرف الآخر سيئا وبحاجة إلى مساعدة طهران وفق الرؤية الإيرانية). والتفاوض في المفهوم العام يعني الاستعداد لبحث مسألة ما لتجنّب التصعيد. وفي الثقافة الغربية الحديثة فإن الرسالة المباشرة التي تُفهم من دعوتك إلى التفاوض هي رسالة إيجابية تعني أنك مستعد لأن تبحث المسائل الخلافية وأن تجلس على طاولة المفاوضات في سلوك حضاري للتوصل إلى تفاهم. لكن في الثقافة الإيرانية فإن التفاوض هو مجرد أداة ليس الهدف منها الوصول إلى حل بقدر ما هو:

* الإيحاء بأنّ طهران طرف موثوق وحضاري ويسعى إلى حل، لكنها في حقيقة الأمر تكون تسعى إلى المماطلة وكسب الوقت قدر المستطاع.
* التحضير لجولة أخرى من المفاوضات عبر الانسحاب من المفاوضات، بمعنى أن التفاوض في هذه الحالة هدفه التحضير للتفاوض المقبل وليس للوصول إلى هدف أي حلقة التفاوض المفرغة.
* في حال شعرت إيران بوجود فرصة لتحقيق أهدافها، فإن هذه المفاوضات تتحول فورا إلى محطّة لتحقيق انتصار موضعي على الخصم عبر الحصول على المكاسب من دون تقديم أي تنازلات.
* المفاوضات أيضا في السلوك الإيراني هي عبارة عن أداة لتفكيك الخطوة التي من الممكن للطرف الآخر الإقدام عليها حال شعرت أنه جدي وأنه يحضّر لشيء ما ضدّها. وعندما تنجح في مسعاها هذا وتفكك خطوة الخصم، فإنها تعود إلى سلوكها القديم، فإذا عاد، عادت هي بالدعوة إلى التفاوض.
وقد استخدمت إيران هذه التكتيكات التفاوضيّة مع الولايات المتّحدة بشكل مباشر وغير مباشر في عدد من المحطات في أفغانستان والعراق والملف النووي. ويكفي أن المفاوضات في الملف النووي لا تزال تمضي منذ عام 2003، وخلال هذا الوقت أصبحت إيران قاب قوسين أو أدنى من تحقيق برنامجها النووي بشكل كامل في الوقت الذي لم يحقق فيه الطرف الآخر أيا من أهدافه الرئيسة في منع إيران من التقدّم حتى الآن.

نموذج الردع والمواجهة غير المتكافئة

تعاني إيران من نقاط ضعف هائلة من ناحية قدراتها العسكرية التقليدية، ولذلك فهي تعتمد على استراتيجية تقوم على تطوير قدرات المواجهة اللاتناظرية. ومضمون هذه الاستراتيجية هو طالما أنك لا تمتلك الموارد أو الأدوات اللازمة لمواجهة الخصم بنفس الطريقة والأسلوب وبنفس حجم ونوعية الأسلحة التي يهددك بها في لعبته، فالأفضل تغيير قواعد اللعبة برمتها عبر تحصين الذات من الناحية الدفاعية أولا، ومن ثمّ مواجهته بطرق غير تقليديّة لا ترقى بالتأكيد إلى حجم ونوعية ما يمتلكه الخصم ولكنها قادرة على إيلامه ورفع تكلفة أي انتصار محتمل له لدرجة تدفعه إلى إعادة حساباته طالما أن نجاحه سيكون مكلفا للغاية هذا إذا نجح به.

ويمكن إعطاء مثال صغير (لتقريب الفكرة وحسب) على هذا التوجه وهو أنّك وبدلا من أن تستخدم طائرة لمواجهة طائرة طالما أنك غير قادر على شرائها أو صناعتها أو تطويرها، فإنك تستخدم صاروخا مضادا للطائرات في مواجهة الطائرة، فالصاروخ أقل تكلفة بالتأكيد وأقل حجما وأسهل شراء وتخزينا واستخداما، وهكذا على كافة الأصعدة العسكرية.

هذا النوع من الاستراتيجية يحتاج إلى تخطيط معقّد وإلى إدارة مجموعة واسعة جدا من الأدوات الدفاعية والهجومية لإعطاء النتيجة المأمولة وأن تكون قادرا في نفس الوقت على تحمل الضربة الأولى ومن ثم الرد المباشر وغير المباشر وتوسيع دائرة المواجهة والاعتماد على الإرهاب والاستعداد لتحمل الخسائر البشرية بشكل يزيد على قدرة الخصم على تحمل خسائره البشرية وجعل الخصم في حيرة من أمره حول الطريقة المثلى للتعامل معك انطلاقا من عدم يقينه حول حقيقة كونك تتصرف بناء على حسابات عقلانية أو بناء على توجهات غير عقلانية انتحارية.
وتتضمن هذه الاستراتيجية أيضا تعزيز القدرات الاستخباراتية ووسائل الحروب غير التقليدية والقيام بعمليات تضليلية وبحروب بالوكالة واستخدام الإرهاب والجماعات المسلّحة نصف الحكوميّة أو شبه العسكرية (بمعنى أنّها ليست جماعة إرهابية بسيطة وليست في نفس الوقت جيشا نظاميا كحزب الله في لبنان والحوثيين وبعض الجماعات الشيعية في العراق) ومجموعة واسعة من التشكيلات العسكرية المتخصصة (كالحرس الثوري والباسيج). وهو ما تفعله إيران بالضبط عبر تطوير قدراتها اللاتناظرية البريّة والبحرية ورسم خطوط حمراء وسياسة حرب نفسية.

نموذج الاختراق والتوظيف: بناء لوبي إيراني في أميركا

بذلت إيران خلال العقد الماضي جهودا كبيرة لبناء لوبي لها داخل الولايات المتّحدة الأميركيّة انطلاقا من حقيقة أن النظامي السياسي في واشنطن يبقى مفتوحا بطبيعته على التأثير من قبل اللوبيات، وبالتالي فإن محاولة التأثير على صناعة القرار من داخل واشنطن ليست بالأمر المستحيل.
وقد استفادت طهران أيضا من الشعور القومي للإيرانيين في الخارج ليصب في مصلحتها، إذ من المعروف أنّ الإيرانيين لا يتهاونون في الدفاع عن بلدهم ضد أي نوع من أنواع الأذى الذي قد يلحقه سواء أكان اقتصاديا أو عسكريا وإن كان بعضهم في مرحلة ما ولسبب ما أو ظرف ما على خلاف أو عداء أو صدام مع نظام الملالي. وقد ساعد هذا المنطق النظام الإيراني على تجنيد الكثير من الإيرانيين المعروفين الذين يشغلون مواقع مرموقة في الخارج للعمل لصالحه ولعل أكثرهم جدلا في هذا السياق «تريتا بارسي» الإيراني المولد.

وعلى الرغم من أنّ بارسي كان قد ألّف كتاب «التحالف الغادر: التعاملات السريّة بين إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة الأميركية» وهو أحد الكتب القليلة القيّمة التي تكشف طبيعة العلاقات والمصالح المتبادلة بين هذا المثلث، لكن سرعان ما قامت إيران باستغلال المؤلف وتوظيفه لصالحها كما تفيد المعلومات، وسرعان ما أسس بارسي وترأس «المجلس الوطني الإيراني الأميركي» الذي أصبح بمثابة «لوبي إيراني غير رسمي» يعمل لصالح إيران في واشنطن تحت يافطات مختلفة، كما أنّ بارسي عمل مستشارا لعضو الكونغرس الأميركي بوب ناي (نياك) عضو المجلس الإيراني الأميركي وهو ما أوجد لإيران منفذا آخر أيضا للدخول إلى الكونغرس.
بالإضافة إلى ذلك، أوجدت طهران نوعين من اللوبيات الإيرانية في الولايات المتّحدة الأميركية:

تتلاعب إيران في سياستها الخارجية عبر إيهام خصومها بأن لديها جناحين مختلفين الأول معتدل والآخر متشدد

1) لوبي الوسط الإعلامي والبحثي والأكاديمي: استطاعت طهران الدخول إلى الوسط الإعلامي والدوائر التي تساعد على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار، فأوجدت صحافيين وباحثين وناشطين في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل والمراكز البحثيّة في الولايات المتحدة ويركزون على استهداف مستويات متعددة من صناعة القرار الأميركي بدءا من الرأي العام ووصولا إلى الكونغرس. وهؤلاء الأشخاص يشكّلون مجموعة لها درجات مختلفة من التواصل مع الحكومة الإيرانية، ويقال إن نائب وزير الخارجية الإيراني سابقا صادق خرازي الذي عاش لفترة جيدة من الزمن في الولايات المتحدة كان صاحب الفكرة في إنشاء هكذا لوبي وتطويره.
2) لوبي التجارة والأعمال والمصالح الاقتصادية: ويعمل بموازاة المصالح والتجارة والأعمال الأميركية وخصوصا في قطاع الطاقة والنفط. هؤلاء لديهم تواصل مع السوق الإيرانية بطريقة أو بأخرى بشكل مباشر وغير مباشر وعلني وسري وبمستويات متعددة ويرتبطون أيضا بالأسواق العالمية، ويخشون أن تعرض إيران لمزيد من الضغوط قد يضر بمصالحهم على المستوى العالمي. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن المصالح المادية والمكاسب المالية تتجاوز بالنسبة لهم أهمية الأمن القومي الأميركي وهي نقطة ضعف تستغلها إيران إلى أبعد الحدود.
لقد ساعدت كل هذه الأدوات على التلاعب بالموقف الأميركي والتأثير به وتفكيك توجهاته لضرب إيران واختراق قلب واشنطن أيضا في محاولة لاستمالتها في ظل تحوّلات دوليّة وإقليمية جيو – سياسية تفتح الباب واسعا أمام إمكانية حصول تحوّلات في المواقف التاريخية بين النظامين، وهو ما سيجري اختباره عمليا في الفترة اللاحقة.

Share: