بقلم :
on : الخميس, 10 Apr, 2014
Comments Off on الجالية الإيرانية في امريكا.. تحديات الاندماج وطريق الهجرة

الجالية الإيرانية في امريكا.. تحديات الاندماج وطريق الهجرة

الإيرانيون الأميركيون

يعج تاريخ تبني الجماعات والجاليات المهاجرة للثقافة الأميركية ونظامها الاجتماعي بالاضطرابات؛ وذلك حيث كان المزيج من بعض العناصر الطبيعية مثل توقيت الهجرة والتعليم والمرحلة السنية والوضع الاقتصادي بل وحتى نوع الهجرة سواء كانت قسرية أم تطوعية يمكنه أن يصنع فارقا هائلا في تلقي الدولة المضيفة لتلك الجماعة ونتائج الهجرة بالنسبة للأقلية المهاجرة.
شارك جون كيري احتفلات الجالية الايرانية في واشنطن بعيد "النيروز"ويستمع الى شرح عضو مجلس الجالية حول تقاليد الاحتفال بالمناسبة (20 مارس 2014)

شارك جون كيري احتفلات الجالية الايرانية في واشنطن بعيد “النيروز”ويستمع الى شرح عضو مجلس الجالية حول تقاليد الاحتفال بالمناسبة (20 مارس 2014)

على الرغم من أن أميركا كانت تشتهر دائما بالزيادة السريعة لعدد المهاجرين إليها، حيث إن واحدا من بين كل خمسة أميركيين من المهاجرين، فمن الواضح أن العلاقات السياسية السلبية بين إيران والولايات المتحدة أسفرت عن الكثير من الصعوبات بالنسبة للجاليات الإيرانية في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد استخدمت الجالية الإيرانية التي تطلق على نفسها اسم «الفرس» انتماءها العرقي كوسيلة لحماية نفسها ضد تلك التوترات.
كان الإيرانيون من بين المهاجرين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة، حيث بدأت موجات هجرتهم في الستينات من القرن الماضي عندما كانت العلاقات الإيرانية الأميركية قوية، ثم تزايدت موجات الهجرة في أعقاب ثورة 1979 الإيرانية. وكما مثلت ثورة 1979 نهاية عصر الشاه، فإنها كانت بداية لموجة واسعة من الهجرة من إيران وكان أنصار الشاه وأفراد الجيش السابقين والنشطاء السياسيين ضمن المجموعة الأولى من الإيرانيين الذين لم يشعروا بالأمان في وطنهم الأم وهاجروا للنجاة بحياتهم. كما اختار البهائيون أيضا الهجرة من إيران لأن الحكومة الحاكمة الجديدة والتي مأسست القيم الإسلامية، وجدت أن دينهم ينافي العقائد الإسلامية. كما اختار الأشخاص الذين لم يؤيدوا الجمهورية الإسلامية وآيديولوجيا آية الله الخميني الهجرة حتى وإن كانوا لا يمارسون النشاط السياسي.

تداعيات أزمة الرهائن

ولكن الأمل الذي كان يعقده الإيرانيون على البدء من جديد في الولايات المتحدة لم يدم طويلا، وذلك حيث هاجم مجموعة من الطلاب الإيرانيين المسلحين السفارة الأميركية في طهران وأخذوا نحو 52 من الدبلوماسيين الأميركيين والمواطنين كرهائن في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979. وأدت أزمة الرهائن التي امتدت لنحو 444 يوما إلى نشأة سلوك عدائي ضد الإيرانيين، كما زادت التقارير الإعلامية المنحازة الأوضاع سوءا مع عرض بعض الإيرانيين إلى التمييز لمجرد كونهم قادمين من إيران، حتى اضطر بعضهم إلى تغيير اسمه لأسباب اجتماعية، فغير البعض اسمه من علي إلى ألان ومن فريد إلى فرد ومن باتول إلى بيتي، ومن كونه إيرانيا إلى كونه إيطاليا أو إسبانيا على أمل التماهي والتكامل مع ثقافة الدولة المضيفة.

وعلى الرغم من عدم انتهاء حالة عدم الثقة المتبادلة بين الحكومتين منذ ذلك الوقت، تمكنت الدولتان من أن تبقي المشكلات على الصعيد الحكومي. ولكن ذلك لا يعني أن التغيرات الاجتماعية السياسية لم تمثل أية فارق في حياة المهاجرين. فبعدما جاء الإصلاحي السابق محمد خاتمي إلى السلطة في عام 1997، بدأ زيارة البلدان الأخرى وعقد اجتماعات مع القادة الأوروبيين والجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان أول رئيس إيراني يفتح حدود البلاد أمام الزعماء الأجانب ويتحدث عن «الحوار» بدلا من «الحوار أحادي الجانب» في أعقاب 1979.
كما أعادت الأخبار المتعلقة بشيرين عبادي، حائزة جائزة نوبل للسلام في 2003، إيران تحت أنظار وسائل الإعلام مرة أخرى، خاصة وأن شيرين عبادي كانت دائما ما تقدم نفسها كامرأة مسلمة ساعدت العديد من الناس على الاحتفاء بدينهم بغض النظر عن جنسيتهم.

من الذي شكل الموجتين الأولى والثانية من الهجرة؟

حدثت موجتان من الهجرة من إيران إلى الولايات المتحدة قبل وبعد ثورة 1979، حيث بدأت الموجة الأولى في أواسط الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي وتضمنت طلاب الجامعة والأسر الثرية التي كانت تبحث عن فرصة أفضل في الولايات المتحدة.

تفيد التقارير بأن فانيسا برادفورد كيري، الابنة الصغرى لجون كيري من زوجته الأولى، قد تزوجت من طبيب إيراني أميركي

وكانت إيران تشهد نموا سريعا في تلك الفترة نظرا إلى اقتصادها الذي يعتمد على البترول والتصنيع الذي هيمن على البلاد. وفي ذلك الوقت كان الطلاب الإيرانيون يسافرون إلى الولايات المتحدة إما عن طريق المنح التي تقدمها الحكومة في ذلك الوقت أو على نفقتهم الخاصة. وكانت العائلات الموسرة في تلك الفترة تتمتع بصلات وثيقة بأسرة الشاه محمد رضا. ويقدر عدد السكان الذين غادروا البلاد في تلك المرحلة الأولى بنحو 34 ألف نسمة.

فانيسا كيري

فانيسا كيري

ومنذ ثورة 1979، وبالتحديد قبل عام من وصول الثورة إلى ذروتها وحتى وقتنا الراهن، كانت هناك موجة ثانية من الهجرة، حيث شكل اللاجئون السياسيون وطالبو اللجوء والأشخاص الذين اختاروا النفي الذاتي في ظل الاضطرابات التي وقعت في إيران في الثمانينات، الموجة الثانية من الهجرة. بالإضافة إلى الشباب الذين كانوا يرغبون في الفرار من الخدمة العسكرية والحرب الإيرانية – العراقية والنساء الشابات والعائلات التي سافرت لأغراض تعليمية وسياسية.

سكان الجالية الإيرانية في الولايات المتحدة

أظهر تعداد السكان الذي أجري في عام 2010 والذي لم يكن يتمحور حول العرق ولكنه كان يسأل عن الأصول، أن عدد من يصفون أنفسهم بأنهم إيرانيون في الولايات المتحدة الأميركية يقدر بنحو 450 ألف نسمة.
وتشير تقديرات «مجموعة الدراسات الإيرانية»، وهي منظمة أكاديمية مستقلة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأن عدد الإيرانيين الأميركيين تجاوز 691 ألف نسمة في 2004 – وهو أكثر من ضعف العدد 338 ألف نسمة المذكور في تعداد الولايات المتحدة لعام 2000.
ووفقا لبيانات التعداد الأميركي التقديرية والمسح المستقل الذي قام به إيرانيون – أميركيون في عام 2009، هناك ما يقدر بنحو مليون إيراني – أميركي يعيشون في الولايات المتحدة. ويتمركز نحو 520 ألفا منهم حول لوس أنجليس وهو ما دفع المواطنين الإيرانيين الأميركيين بالمنطقة في بعض الأحيان إلى الإشارة إلى لوس أنجليس كـ«طهران أنجليس» أو «إيران أنجليس».

كما تستضيف بيفرلي هيلز وإرفاين أكبر الجاليات الإيرانية الأميركية. ويفسر وجود أعداد كبيرة من الإيرانيين بها كيف تمكن الإيرانيون الأميركيون من التعايش في بيفرلي هيلز حتى أصبح جيمي «جامشيد» ديلشاد وهو إيراني أميركي عمدة لبيفرلي هيلز في عام 2007 ثم أعيد انتخابه في 2010.
كما تمكن الإيرانيون من ولوج عالم السياسة الأميركية أيضا، وكان من أبرزهم سيروس أمير مكري، السكرتير المساعد بوزارة الخزانة الأميركية.

كيف تمكن المهاجرون من التعامل مع المجتمع الأميركي؟

أظهرت دراسة أجراها موقع «إدارة الأعمال الصغيرة SBA» في عام 2008 أن المهاجرين الإيرانيين ضمن أعلى 15 جماعة مهاجرة من حيث عدد المشروعات التي يمتلكونها، حيث أشارت الدراسة إلى أن المهاجرين الإيرانيين بينهم نحو 33.570 من أصحاب المشروعات الإيرانيين الفاعلين، وهو ما يعني أن الإيرانيين – الأميركيين يتمتعون بنحو 21.5 في المائة من معدل ملكية المشروعات. ووفقا لهذه الدراسة، يعادل صافي إجمالي دخل المشروعات التي يقدمها الإيرانيون الأميركيون نحو 2.560 بليون دولار.

وكان ستيوارت كريمي، المعروف باسم بيغان، والذي لديه متجر خاص في بيفرلي هيلز يوصف بأنه أكثر المتاجر ارتفاعا في الأسعار على مستوى العالم، من رجال الأعمال الرواد والناجحين بها.
ويلعب التعليم دورا محوريا في الإسهامات المالية في الدولة المضيفة. فبينما تشير الإحصاءات القومية إلى أن أقل من 30 في المائة من الأميركيين يحملون درجة البكالوريوس، فإنها تؤكد أن أكثر من 51 في المائة من المهاجرين الإيرانيين يحملون درجة البكالوريوس أو أعلى منها حيث يحمل أكثر من ربعهم درجة الماجستير أو الدكتوراه.

هناك صورة نمطية شائعة عن الإيرانيين تؤكد أن الآباء الإيرانيين يدفعون أبناءهم، خاصة إذا ما كانت لديهم القدرة على المذاكرة، لكي يصبحوا مهندسين وأطباء ومحامين، وأخذا في الاعتبار تخرج نحو 5000 إيراني من الكليات الطبية بالولايات المتحدة، يبدو أن هذه الصورة النمطية صحيحة إلى حد كبير.

وتفيد التقارير بأن فانيسا برادفورد كيري، الابنة الصغرى لجون كيري من زوجته الأولى، قد تزوجت من طبيب إيراني أميركي. وعلى الرغم من أن صورة جون كيري وهو يجلس على طاولة الطعام المزينة بزينات فارسية احتفالا بالسنة الإيرانية الجديدة ربما تصبح صورة سارة للعديد من الإيرانيين داخل الولايات المتحدة أو في إيران، فإنها تثير بعض الانتقادات والشكوك حول موقف كيري من القضية الإيرانية وكذلك القضية السورية.
ومن بين أشهر العلماء علي جوان، الذي شارك في اختراع أول ضوء ليزر مستمر بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 1960.

المطربون والممثلون أم المقاتلون السياسيون؟

تتضمن لوس أنجليس أعلى تركز للجالية الفارسية الأميركية بالولايات المتحدة. فبعد الثورة الإيرانية، تحولت لوس أنجليس إلى مركز جذب للعدد الأكبر من المطربين والفنانين الذين هربوا من بلادهم للنجاة بحياتهم.

وفقا لبيانات التعداد الأميركي التقديرية في عام 2009، هناك ما يقدر بنحو مليون إيراني – أميركي يعيشون في الولايات المتحدة

وقد عملت الجالية الإيرانية في لوس أنجليس، سواء عمدا أم لا، كواحدة من أقوى حركات المعارضة الثقافية لنظام الخميني. وانتشرت أعمالهم الفنية، التي كانت تحظرها الدولة الإسلامية، على مستوى واسع وعرضت سرا سواء بمنازل الإيرانيين أو حفلاتهم أو مناسباتهم. وسرعان ما بدأ العديد من المطربين غناء الأغنيات السياسية التي عادة ما كانت تنتقد القمع الذي تمارسه الحكومة الجديدة ضد النخب والحريات.

وقد دافع العديد من المطربين، دون الانتماء إلى أية أحزاب سياسية، عن الإيرانيين المقموعين. وحتى في أغانيهم المرحة وغير السياسية، كانوا يعربون عن معارضتهم للتقاليد الإسلامية الصارمة التي فرضتها الجمهورية الإسلامية.
وكان التأثير السياسي – الثقافي لمطربي لوس أنجليس قويا للغاية حتى أن الدولة الإسلامية دعمت ظهور مطربين مشابهين لهؤلاء المطربين ورفعت رسميا الحظر على مطربي «البوب» الفرس في منتصف التسعينات خوفا من تعرضها «لهجوم ثقافي».

وقد تعرض الممثل الكوميدي والمعارض، رافي خاشاتوريان، الذي عادة ما كان يلعب دور الخميني في الأفلام الدرامية، للمطاردة والضرب في تقاطع ويستوود في عام 1986 مما أسفر عن تعرض عينه اليسرى للضرر الدائم.
على أية حال، لا يتبنى جميع المطربين الإيرانيين وجهات نظر سياسية؛ فهناك ماز جبراني، وماكس أميني، وطهران سوبارفاز الذين يعملون كممثلين كوميديين يسخرون من السياسة الأميركية والإيرانية على حد سواء وليس لديهم مثل تلك الأجندات السياسية.

التيارات الدينية والسياسية

سعى العديد من السجناء السياسيين الإيرانيين في الفترة من التسعينات وحتى الألفينات إلى اللجوء إلى الولايات المتحدة. وكذلك يقيم أقارب الشاه والمتصلون به، بما في ذلك الإمبراطورة السابقة فرح بهلوي، والأميرة أشرف بهلوي أخت الشاه، ووزير خارجية الشاه أردشير زاهدي، حاليا في الولايات المتحدة.

ومن أبرز الإصلاحيين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة كان سيد حسين موسوي، الرئيس السابق لفريق المفاوضين النوويين الإيرانيين الذي هاجر إلى الولايات المتحدة ويعمل حاليا كمحاضر بجامعة برنستون، بنيوجيرسي. وعادة ما يكتب المقالات في الصحف الأميركية مثل «واشنطن بوست» فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني.

وكانت واشنطن هي مأوى أولى حركات المعارضة لنظام الخميني وهي «مؤسسة الحرية الإيرانية» التي أسسها علي أكبر طباطبائي، الملحق الإعلامي السابق بالسفارة الإيرانية. وبعد كشفه عن عدد من العلاقات السرية مثل إحياء جهاز السافاك بنفس بنيته الهيكلية تحت إشراف النظام الإسلامي الجديد، قتل الطباطبائي رميا بالرصاص في منزله بماريلاند في يوليو (تموز) 1980. ووقعت عملية اغتياله قبل عدة أيام من مظاهرة مزمعة لمعارضة الخميني.
جدير بالذكر أن معظم الإيرانيين الأميركيين لا يؤمنون بدين محدد، حيث إنهم إما متشككون أو ملحدون. ووفقا لاستطلاع رأي أجراه زغبي – تحالف الشؤون العاملة للإيرانيين الأميركيين، ما زال نحو 30 في المائة من الإيرانيين يمارسون شعائر الشريعة الإسلامية، فيما يأتي نحو 21 في المائة منهم من خلفيات بهائية، أو آشورية، أو أرمينية، أو يهودية.
وتنتمي نسبة كبيرة من الإيرانيين الأميركيين في بيفرلي هيلز إلى اليهود الفرس الذين هاجروا في أعقاب الثورة، وجاءوا إلى الولايات المتحدة ضمن أقوى موجات الهجرة التي تشهدها البلاد على الإطلاق.

أول إيراني يصبح مواطنا أميركيا

كان الحاج صياح هو أول إيراني يصبح مواطنا أميركيا. ولد صياح في عام 1836 ثم انتقل إلى الولايات المتحدة في أواخر الستينات من القرن التاسع عشر. وخلال إقامته التي استمرت لعشر سنوات بالولايات المتحدة، التقى بالعديد من الشخصيات المرموقة مثل الرئيس يوليسيس غرانت (الرئيس الأميركي الثامن عشر) في أكثر من مناسبة.
وعند عودته لإيران في يوليو 1877، أصبح صياح ناشطا سياسيا ولعب دورا محوريا في الثورة الدستورية التي اندلعت في عام 1906 في إيران وظل ناشطا حتى وفاته في عام 1925 عن عمر يناهز 89 عاما.

درس دكتور علي الفردوسي حياة صياح واكتشف عبر وثائق الخارجية الأميركية أن الحاج صياح أصبح مواطنا أميركيا في 26 مايو (أيار) 1875 مما يجعله أول إيراني يصبح مواطنا أميركيا. واحتفظ صياح بهذا الأمر سرا ولم يفصح عنه سوى إلى عدد محدود من الأشخاص.

Share: