بقلم :
on : الثلاثاء, 8 Apr, 2014
1

في ذكرى رحيله: ماذا بقي من عباس العقاد؟

المثقف الموسوعي

مرت قبل اسابيع قليلة، الذكرى الخمسون لرحيل الأديب والناثر الكبير عباس محمود العقاد الذي توفي في 12 مارس(آذار) 1964. اسم هذا الرجل، يكاد يطغى على أي محاولة أو نيّة تسعى لمقارنته بأي أحد آخر، أو أن تنال بعض الشيء من هذا البحر الذي لن ينقصه غرْف غارفٍ أو شرب شارب. إلا أن زمنا طويلا وعميقا قد مر، ما بين قلم العقاد ونثره، وزمننا هذا. تغيرت مفاهيم وسقطت نظريات، وتشكلت أخرى. لا، بل إن بعضا من الذين عاصروه، كانوا قد نحوا في شكل مختلف وجذري عما نحاه ذلك القلم القارئ المعروف بالعقاد، ونعني طه حسين، الذي حمل من التفكير وأدوات المنهج، ما لم يقم به العقاد، الذي كان في الأصل، يريد اقتحام نموذج المثقف الموسوعي التاسع عشري.
عباس محمود العقاد

عباس محمود العقاد

حقا، ظفر العقاد بنموذج المثقف الموسوعي، الكاتب عن كل شيء، والقارئ عن كل شيء. لكن، إن ترك طه حسين نتوءا في العقل العربي، يتجلى بالقدرة على طرح الأسئلة والتشكك بالصورة المثالية للماضي، عبر آليات ممنهجة ونظام تفكير، فما الذي، في المقابل، تركه العقاد، وهو المقتحم للنموذج الموسوعي، والذي يليق به في شكل لا ينطبق على سواه؟! هل ترك العقاد شيئا يتعلق بنظام التفكير، أم ترك لنا نموذج المثقف الموسوعي، فقط، والذي لا يعنى كثيرا بالأدوات والمنهج ونظام التفكير، بقدر ما يعنيه الموسوعية، والاطلاع، والتبحر، والتعرف على كل شيء؟!

الموسوعية أم نظام التفكير!

ليس من السهل، الآن، إعادة قراءة العقاد. فقد تغيرت اللغة ومناهج التأليف، وكذلك تغير المزاج العام للقارئ. وأيضا، فإن إعادة قراءة العقاد، لن تساهم في حل عقد ثقافية ماثلة الآن، في نظرية المعرفة، أو مستقبل التفكير الفلسفي. فالعقاد، في الأصل، جاء من أساس دفاعي عامل على تثبيت الهوية ومنح الماضي المزيد من الوثوقية والتمجيد. وهذه المناورة الدفاعية انعكست على لغته وقناعاته ومجمل أفكاره التي طرحها وشرحها بأكثر من طريقة وأكثر من مكان. فأفاد من اطلاعه الثري على التاريخ العربي، الديني منه والدنيوي، والإفادة ذاتها مع التاريخ الأوروبي. ومثلها مختلف العلوم والتفريعات التي لم تفته ولم يتشاغل عنها، فتجرّأ على استعمالها، على نحو غير مسبوق، مثلما تحدث عن الحسن بن هانئ، والمعروف بأبي نواس، واستخدم معرفته بالتشريح ليستخدم علم الغدد في إطار شرحه لحالة أبي نواس الجنسية والنفسية والشخصية! هذا مع العلم أن النقد الأدبي، لا يمكن له بحال من الأحوال أن يطوّر أدواته وتقنياته عبر هذه العلوم التشريحية. وكان يمكن الاكتفاء بالأدوات النقدية المتاحة، أو الجمالية السائدة. وإن كانت محاولة من العقاد، لإعادة تأريخ التراجم، فهو لم يزد شيئا عمّا تناوله المصنّفون الأوائل، في هذا الباب، خاصة، والمتعلق بأبي نواس. إلا أن ما يتكشف في أدب العقاد، والموغل في الشخصية، أحيانا، إلى درجة الكتابة العيادية، سيكون سببه تأثر العقاد أيما تأثير، بفرويد، أو مذهب التحليل النفسي بصفة عامة. ولا غرابة في الأمر، ولسبب يتعلق أصلا بتقنيات الكتابة، وهي أن لغة التحليل النفسي، عميقا، هي لغة كتابة وتأليف، ولا يتقن التحليل النفسي من لا يتقن الاستخدام الخلاّق للكتابة والتعبير. وهنا لا بد أن نذكر، أن فرويد نفسه، سبق وفاز بجائزة في الكتابة!
وبالعودة إلى موسوعية الرجل الأشهر فيها، فستظهر شوائبها، حيث غزارة المصادر والمعلومات لم تمكّن نظام التفكير من أدوات جديدة. بل عملت الموسوعية على التفتح والاتساع بكل اتجاه. وهي على غزارتها وأهميتها، فقد خدمت صاحبها، ولم تخدم تاريخ الأفكار، لجهة نظام التفكير، الذي هو مقدّم على أي نتائج معرفية ممكنة. على غير ما أفاد منه معاصره طه حسين، الذي سيطر على لذة الموسوعية في مقابل الظفر بمنهج وأدوات. مع الإشارة إلى غزارة مصادر حسين، في كل الأحوال. لقد كان التناقض بين حسين والعقاد هاما وعميقا وحاسما: الموسوعية تنسحب أمام المنهج، ونظام التفكير يُقصي المصادر.

أثر العرب في الحضارة الأوروبية

لا شك فإن اطلاع العقاد على مجمل مصنفات المصنفين المعنية بالتاريخ والتراجم والعلوم، تركت أثرا باذخا على نصه الغني بالمصادر والمفتوح على المعارف. ولم يكن عرض المعلومات عرضا أو تباهيا، بل في القدر الذي يتطلبه السياق، ويزيد عليه أحيانا. وقراءتنا لدراسته المعروفة بأثر العرب في الحضارة الأوروبية، ستختصر غنى القلم الذي خطها وبراعته في دمج كثير من المعارف في هدف دلالي واحد، وهي ميزة النثر الفني التي يتقنها العقاد كما لم يتقنها أي أحد آخر، اللهم إلا زكي مبارك، الذي كان طوفانا أسلوبيا ومعرفيا في آن واحد معا. وسيظهر لنا في «الأثر.». نزعة تثبيت الهوية التي تحكمت بوعي العقاد في التاريخ والنقد الأدبي، وكذلك المصدر غير القابل للتنقيح الذي يستلهم منه العقاد نموذج الماضي، النقي والمثالي.

تمثال العقاد في مجمع اللغة العربية - القاهرة

تمثال العقاد في مجمع اللغة العربية – القاهرة

في معرض إشارته إلى تلقي الأوروبيين «عقائدهم عن الأسبوع وأرباب الأيام وسلطانها على الأحياء أو على الأحداث والزروع والضروع» وأن الأوروبيين تلقوها عن العرب، سنجده ينتقل فورا إلى الاقتباس من كتاب «إخوان الصفا» حول تقسيم الأيام والليالي وساعات اليوم. في الوقت الذي لا يشكل فيه «إخوان الصفا» مرجعا قاطعا لجهة المصدر الذي يسعى العقاد إلى تمجيده بصفته الأصل العربي للعلوم الوقتية والساعات الذي أخذه الأوروبيون عن العرب. هذا فضلا، عن أن «إخوان الصفا» هو مصنّف مجهّل المصدر على طريقة «ألف ليلة وليلة»، لا بل إن مادة إخوان الصفا، تنسف ما سيذهب إليه العقاد في تمجيد الأصل العربي لهذا العلم أو ذاك، بسبب أن إخوان الصفا، بزمن رواجه ومضمونه وسياقه الأندلسي، يجعل منه كتابا غنوصيا باطنيا في كثير من جوانبه، كما أنه يعتمد المصادر الآسيوية والفارسية والهندية في شكل حاسم، فكيف يمكن الاعتماد عليه لإثبات الأصل العربي لعلم الأيام؟!

تتظهّر نزعة تثبيت الهوية، لدى العقاد، آخذة في الظهور أكثر فأكثر وهو في معرض الكشف عن الأصل العربي للفلسفة الأوروبية. وهنا، يستخدم الرواقية نموذجا، بدءا من مؤسسها زينون الرواقي، وانتهاء بتلامذتها أو أثرها في الحضارات القديمة. فيقفز إلى استنتاج سريع، ومن دون أي معطى تاريخي قطعي، إلى أن الرواقية «فلسفة عربية قديمة». في الوقت الذي يتصارع الأوروبيون، والقوميون المشرقيون، على نسب هذا الفيلسوف، الذي في النهاية بقي في حدوده الإغريقية. مع أنه هو نفسه يتحدث عن مولده في «الشاطئ الشرقي من جزيرة قبرص». وآخر الأمر، أن زينون الرواقي إيلي الأصل، كما ينظر إليه المثقفون الغربيون، وكما أورد الشاعر الفرنسي بول فاليري في قصيدته المقبرة البحرية إذ يقول: «يا زينون القاسي، يا زينون الإيلي، أنفذت في قلبي ذلك السهم».

وللتعبير، أكثر، عن نزعة تثبيت الهوية، والمصدر غير القابل للتنقيح، كونه يأتي من جهة مكتملة، يقينية البنية، فإن العقاد يعاود المصادرة التي ستخدمه في المناورة الدفاعية التي يجيدها بمهارة منقطعة النظير، فيقول: «وقد كان طابع الذهن السامي، ونكاد نقول طابع الجزيرة العربية، ملحوظا في كل ما علمته المدرسة الرواقية في باب الغيبيات أو باب العلم الطبيعي أو باب الأخلاق». مع أن منشأ الرواقية يعود إلى نحو القرن الرابع والخامس قبل الميلاد، فكيف كشف العقاد عن «التربيطات» التي استنتجها، إيمانا واعتقادا، أكثر منها منهجا، في مناورة دفاعية ميزته عن قرينه طه حسين، الذي كان على عكسه، يتعامل مع مصدر قابل للتنقيح، غير مكتمل، ويمكن طرح الأسئلة عليه. هذا الأمر سهّل على العقاد أن ينتقل من بديهية إلى أخرى، مختتما بالقول: «خلاصة ما تقدم أن الأوروبيين تتلمذوا على أبناء الجزيرة العربية في مسائل الحضارة والمعيشة اليومية». هذا دون أن يمرّ على السومريين إلا بصفتهم «من شعوب العنصر الآري»، وبذلك منح الفرس والإيرانيين أرض العراق وبلاد ما بين النهرين! ولا نعلم كيف فاته التمييز ما بين آريين قاطنين أرض الفرس، وسومريين، هم أهل العراق وشامة الهلال الخصيب، وكما كان يسميهم البغدادي في كتابه العظيم «تاريخ بغداد»: «جمجمة العرب».. ولربما غض العقاد الطرف عن تفاصيل كهذه، هو يعرفها أكثر من غيره، بطبيعة الحال، لسبب واحد فقط، لاستكمال التعامل مع المصدر غير القابل للتنقيح. فكون أرض سومر من الشعوب الآرية، ستنقذ العقاد من بديهيته القابلة للنقض عند أول فحص. ذلك أن السومريين والبابليين، يشكلون «إشكالية» في علم التاريخ، كونهم ينقضون نظرية «الأصل البؤري» للحضارة، أي كلما سعى المؤرخ للتعامل مع التاريخ من نقطة محددة متعارف عليها، يأتيك السومريون والبابليون وينقضون البؤرة، ذلك أن الحضارة هناك مغرقة في القدم، ومتعددة المجالات. وليس البحث عن الخلود، المتمثل بأثر جلجامش الشهير، إلا جزءا من عمق الأثر السومري في الحضارة البشرية.

سنلاحظ هذا الأمر يتجلى بكل قوة، عندما اصطدم العقاد بحقيقة امتياز الإغريق بالفلسفة. فهذه الحقيقة ستنقض تثبيت الهوية والمصدر غير القابل للتنقيح. وعندما لم يكن هناك من مبرر يمكن أن يخدمه في قناعته الإيمانية أكثر منها منهجية، سنراه يكتشف سببا لامتياز الإغريق بالفلسفة، ألا وهو «لأن بلادهم نشأت وتطورت دون أن ينشأ فيها ملك قوي وكهانة قوية. ولو قامت عندهم الدول القوية والكهانة القوية كما قامت في مصر وبابل لكان شأنهم في أسرار الدين والمسائل الإلهية كشأن البابليين والمصريين». وكذلك استبق القول بامتياز الإغريق بالفلسفة إنه بسبب «أن هذه البحوث كانت مباحة عندهم حيث كانت تمتنع على غيرهم من أبناء الدول الشرقية العريقة». ولربما يتساءل سائلٌ، كيف لموسوعي بحجم العقاد، أن يتجنب الحقيقي المؤكد، ويلجأ للوهمي المركّب؟ لا لسبب في نقص اطلاعه، فهو الأكثر اطلاعا من غيره. إنما لسبب وحيد سيرافقه في كل تدويناته، وهي نزعة تثبيت الهوية، والتحرك من جغرافيا النقاء والنموذج المثالي. لهذا السبب تجاهل وجود «دولة قوية» عند الإغريق، وهو العارف أن بعض حكامهم كانوا يطلبون التعامل معهم بصفتهم آلهة لا بشرا.. ومنهم الإسكندر المقدوني الذي طلبها علنا حتى من الفلاسفة. فكيف لم تكن هناك دولة قوية وهي تلك الدولة التي اشتهرت بتأسيس الجيوش واحتلال أرض الغير قرونا وراء قرون؟! أإلى هذه الدرجة يؤثر المصدر غير القابل للتنقيح على التفكير المنهجي!

ديكارت والغزالي وبطولة الشكّ!

«إمام الفلسفة الأوروبية الحديثة»، هو اللقب الذي أطلقه العقاد على الفيلسوف ديكارت. وهو رغم إشادته به والتذكير بموقعه في تاريخ الفلسفة الأوروبية، فإن العقاد، وانطلاقا من تثبيت الهوية، لا يتوقف كثيرا عند نظام ديكارت المعرفي، وينتقل فورا إلى استنتاج مفاده أن الإمام الغزالي سبق إمام الفلسفة الأوروبية الحديثة، بثلاث قضايا، حددها تباعا وهي «فإن الغزالي يقول إن الشك أول مراتب اليقين، والشك هو مقدمة الفلسفة الديكارتية إلى البراهين اليقينية». إلى آخر المطابقات.

مجموعة العبقريات للعقاد

مجموعة العبقريات للعقاد

وهنا، سنتذكر ذلك الفارق، ما بين معالجتين مختلفتين، في نموذج ديكارتي واحد، وهي معالجة طه حسين ومعالجة العقاد. الأولى أثمرت نظاما معرفيا يعتمد المقارنات التاريخية وفحص الوثائق وسياقها التاريخي واللغوي. والثانية، العقّادية، أثمرت تثبيتا للهوية عبر مصادرة الفحص للوثيقة، واستخدام مبدأ الإظهار والإخفاء لإمرار نظرية أو فكرة، دون حتى أن تترك أثرا في قاموس المصطلحات.

من المعروف أن الماركسية، وتحديدا في زمن العقاد، كانت على أشدها، إعلاميا، وسياسيا، وعسكريا، وتنظيرا. وكان الصراع حول الماركسية لا يمكن أن يخاض دون أن يتسلح الطرفان، بأدوات معرفية محددة تنقل حجم الفارق ما بين التفكير الشيوعي، والتفكير الرأسمالي، سواء في الفلسفة أو في الاقتصاد أو في العلوم الطبيعية. إلا أن العقاد لم يتحكم بمدى إفراط كراهيته لماركس، فكتب عن الرجل بطريقة التجريح والإهانة. فأصبح مؤلف رأس المال «شهوة تخريب وعدوان». وصراع الطبقات، الماركسي، مرادفٌ لـ«شهوة التخريب والعدوان». ولهذا يصر العقاد على أولوية دراسة شخص ماركس على دراسة الماركسية نفسها. كونه، أي ماركس، هو «نبي السوء في زمانه» وصورته هي «مفتاح مذهبه ومذهب الحقد والسوء في نفوس أمثاله»! ويفيد من كتاب «كارل ماركس حياته وعمله» لينقل عنه أن ماركس «يعاني من اعتلال روحي وكان دائما حقودا ومتقلبا ويخضع لتأثير سوء الهضم والانتفاخ وهياج الصفراء» وأنه كان «موسوسا يعتمد في الطعام على الاستعانة بالتوابل والمخللات وبيض السمك المملح»! وبعد أن يستثمر كل ما ورد في الكتاب، ينطلق إلى القول: «على هذه الصورة يتمثل كارل ماركس كاتب يدين بالمادية الثنائية وبالتفسير الاقتصادي للتاريخ».
وأن هذه النشأة الجسدية «تضاف إلى نشأته النفسية والأخلاقية فلا تنم عن فطرة سوية ولا تهيئ الناشئ للخير والفلاح في حياته الخاصة أو العامة». كذلك فإنه كان «قذرا يهمل الاغتسال والنظافة وكان منظر القروح والثآليل التي تملأ وجهه وعينيه وما ظهر من جلده يزيده قذارة على قذارة». لينتهي إلى أن هذه «هي صورة إمام الاشتراكية والعلمية والاشتراكية المادية».

ولقد كان العقاد من الذكاء أنه عندما بدأ بشرح المادية والماركسية، كان قد ضمن وجود هذه الصورة المقززة لماركس في ذهن القارئ، فلم يقلق من تأثر القارئ بالشيوعية، فهي جاءت، بعد كل هذه الصورة القبيحة لمؤلفها المريض والذي كان غاية في القذارة!

أبو نواس والأمراض الجنسية!

إن كان التناول الشخصي لكارل ماركس، من قبل العقاد، مفهوما بصفته نشاطا ضد الماركسية نفسها، عبر التركيز على الصفات الشخصية والجسدية والصحية لمؤلفها، فكيف يمكن فهم الأمر إن كان الهدف، هذه المرة، شاعرا؟ ومن الطبقة الأولى لشعراء العربية، وهو الحسن بن هانئ، المعروف بأبي نواس!
في تراجم وسير الشعراء التي اشتهرت عن العقاد، سنجد ترجمة جديدة له، هذه المرة. خصوصا أن العقاد كان يسم بعض الرواة الذين يتناولون أخبار أبي نواس بأنهم «أمّيون» كونهم يتناولون «أخبارا مزعومة». فسنجد أن العقاد لم يهمل روايات الرواة ولا أخبار الإخباريين الذين حذر منهم، بل سيتجه إليهم بكل ما يحمله من معرفة موسوعية لا مثيل لها في تاريخ العرب الحديث، وربما القديم، بل إن الظن بأن العقاد هو الأغزر معرفة، في تاريخ العرب كله، قد يكون في مكانه، خصوصا إذا ما قورن بالمصنّفين ومؤلفي الموسوعات. ذلك أنه يزيد عليهم بأنه لم يقتصر على فئة معينة دون غيرها، بل في كل الفئات. لهذا السبب فإن العقاد هو الأغزر معرفة واطلاعا مع كل من حمل القلم أو قرأ الكتاب أو دوّن على ورقة.

من ماركس، إلى أبي نواس، سنجد الشخصي يتفوق على النقدي، لدى العقاد، ويركز العقاد على أن الشاعر كان «ألثغ الصوت نحيفا مضطرب الأعصاب». ويقارنه بأوسكار وايلد لجهة «الملامح الأنثوية وخصل الشعر المرسلة والصوت الذي تمازجه الرخامة». منتقلا إلى الحديث عن الغدد ودورها في الاضطراب السلوكي (مع أن العقاد، قطعا، لم يتسن له إخضاع أبي نواس لتحليل الغدة!) وكذلك يخصص بابا للحديث عن التفاصيل التشريحية لأعضاء الجسم (!) ومن ثم دور الغدة الرخامية، كذا، والدرقية، ومن ثم الغدة الكظرية، كذا!، ثم الغدة الصنوبرية (على ألا ينسى القارئ أن الكتاب ينتمي إلى النقد الأدبي أو التراجم في حد أدنى!). وبعد تمهيد طويل عن الشذوذ الجنسي وأعراض الأمراض الجنسية، يدخل إلى التكوين الجسدي لأبي نواس. فيقول: «كان حسن الوجه رقيق اللون أبيض حلو الشمائل ناعم الجسم وكان ألثغ بالراء يجعلها غينا وفي حلقه بحة لا تفارقه»!! ثم إن أبا نواس كان جسمه يخلو من الشّعر.. وباقي الروايات المتواترة عن أبي نواس في كتب التراجم.

العقّاد فرويدي متخفّ

كان العقاد، ولا شك، من أشهر المثقفين العرب المتأثرين بالفرويدية. فلا تخلو لديه فكرة من إشارة أو استدارة إلى منهج التحليل النفسي، وهي لا تحصى في مؤلفاته، وفي كل مصادرها. فإن عدنا إلى تصعيده الشخصي على النقدي، في تناوله أصحاب الأفكار أكثر من الأفكار نفسها، أو إصراره على الجمع ما بين الصفات الجسدية والفكرة، كأولوية لفهمها، تؤكد تأثره الطاغي بالفرويدية. العقاد كان فرويديا بالكامل، إلا أن ما أخفى هذا التأثر لديه هو غزارة معلوماته التي قد تحرف الانتباه عن تلك النقطة. بل إن الفرويدية هي سبب تشتته النسبي الذي نلحظه هنا أو هناك، في الاستطراد الذي يلجأ إليه لتأسيس خلفية إكلينيكية لموضوعه، كما فعل مع أبي نواس حيث أسهب في الحديث عن الغدد بكل أنواعها، وأيضا شروحاته التفصيلية عن النرجسية والشذوذ الجنسي وكل الأمراض النفسية ذات الصلة.

إن لم نخرج من عند العقاد، بمنهجية واضحة، تتعلق بنظام التفكير، أو الأثر البعيد الذي يمكن أن يخلفه في كتاب المصطلحات التي هي الشيء الوحيد الذي يخلد الأفكار. فإننا نخرج بالإعجاب الذي لا يحد بهذا القدر الذي حصله هذا الرجل من المعرفة الموسوعية. كما لو أنه لم يضيّع دقيقة واحدة من حياته إلا وهو يقرأ. كما لو أن العقاد موسوعة تمشي على قدمين..
رحم الله هذه الموسوعة. في الذكرى الخمسين لرحيلها.

Share: