on : الثلاثاء, 8 Apr, 2014
Comments Off on أشجع امرأة “مها المنيف”.. ما معنى الشجاعة؟

أشجع امرأة “مها المنيف”.. ما معنى الشجاعة؟

الرئيس الأمريكي باراك أوباما يكرم السيدة السعودية مها المنيف

الرئيس الأمريكي باراك أوباما يكرم السيدة السعودية مها المنيف

في كلِّ مرة تفوز أي سيدة سعودية بجائزة عالمية، أو يتم تكريمها من جهات خارجية تنهمر مجموعة من الأسئلة المتكررة: ما المغزى من وراء الجائزة، لماذا هذا التوقيت، كيف استحقت هذه السيدة هذا التكريم؟! وعندما فازت قبل أسابيع الدكتورة مها المنيف بجائزة أشجع نساء العالم، عادت البوصلة إلى فوز السيدة سمر بدوي بها قبل عامين، وعن هذه الجائزة تحديدًا ظهرت أسئلة ومزايدات رديئة تشير إلى أن التعصب ضد المرأة والعنصرية تجاهها مستمر في كل المجالات، تمامًا كما أشارت بعض الأسئلة إلى فداحة ثقافة لا تدرك للشجاعة معنى خارج ميدان المعركة الحربية، ولا تدرك الميادين الأخرى في الحياة، ولا تفهم معنى الإرادة النفسية في مواجهة السلطات الرمزية.

في فوز السيدتين سمر بدوي ومها المنيف الكثير من المعاني التي أراد البعض استنقاصها، وقصد الكثيرون التشويه عليها، هنالك أيضًا من لا يقبل أن نقيس فوز السيدتين على بعضهما؛ لأن قضية بدوي التي استحقت بها لقب الشجاعة كانت قضية فردية وشخصية خاصة بها، واجهت فيها النظام الأبوي الوصائي جميعه من خلال قصتها الطويلة في المعاناة مع والدها الذي عضلها وعنفها جسديًّا سنين طويلة، وسعى إلى حبسها بتهمة العقوق عامًا كاملاً، بينما كانت قضية الدكتورة قضية جماعية سخرت فيها نفسها لحماية الأطفال من الإيذاء عبر البرنامج الوطني الأمان الأسري، وواجهت من خلاله الكثير من الضغوط والمشاكل؛ لأنها أرادت تسليط الضوء داخل بيوتنا وحول ما تم إخفاؤه سنين طويلة بدعوى أنه من أسرار البيوت.

البعض الذي انتقص من شجاعة السيدتين، كان يقدّم صورًا لأمهات فلسطينيات يحمين أطفالهن من الجنود الإسرائيليين، في إشارة إلى أنها هي الشجاعة الحقيقية، حيث تصدت للعدو دون خوف، بينما لم يرَ هؤلاء في الدكتورة -التي سخّرت عمرها لحماية أطفالنا من الضرب والتعنيف الجسدي والنفسي من قبل آبائهم وأمهاتهم- أي شجاعة؛ لأن العدو لم يكن عسكريًّا يهوديًّا، بل كان أباه المسلم السعودي، هؤلاء الذين زايدوا على معنى الشجاعة أرادوا أن يرسلوا رسالة واضحة أن التعنيف والإيذاء من الأقارب هو حالة طبيعية لا يجوز التصدي لها، بل إن مواجهتها هو نوع من النشوز والخروج عن الطاعة، هو تقديس لقيمة الأب المعنِّف لابنته وتأكيد لحقه في إيذائها، فسمر بدوي -التي سعت لتحرير نفسها من سجن والدها المستبد والظالم- أصبحت برأي البقية فتاة عاقة لوالدها، لم تبدو لهم امرأة شجاعة لم تستسلم للظلم المنظم تجاهها كامرأة، لم يثنِها هوس والدها وأمراضه الرجولية، لم تضعف وتخضع لهذا النظام المحكم القانوني والاجتماعي الذي حرمها أبناءها ووضعها قيد الحبس شهورًا عديدة، بل خرجت على كل هذا واستمرت في سبيل حريتها، لتصبح مثالاً للكثيرات اللاتي يعانين مثل ما تعانيه بقصص مهما اختلفت تظل متشابهة.

لقد تحول لقب الشجاعة الذي نالته سمر بدوي إلى بصمة خيانة في رأي ثقافة ذكورية تهين المرأة وتدني من قيمتها كإنسانة، لقد قصد الكثيرون التشويه على هذه الجائزة، فلم يعترفوا بحجم الشجاعة التي تحلَّت بها الدكتورة مها سنوات طويلة تصارع على كل المستويات القانونية والاجتماعية، تسعى لتأسيس نظام يحمي أطفالنا من العنف الجسدي والنفسي، لقد بذلت الدكتورة ما استطاعته في سبيل أن تفتح أبواب البيوت التي تخبئ الألم والظلم والقهر والتعذيب تحت ذريعة السر، لقد تصدت الدكتورة لأصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان في هذه الثقافة المنغلقة الرافضة، لقد آمنت بالمكاشفة والوضوح؛ فكسرت رقبة النعامة التي عجزت عن إخراج رأسها، لقد انحازت السيدة مها المنيف إلى أطفالنا وتجاهلت كل ما طالها من إيذاء وتهديد من قبل المعتدين المتوحشين، هي لم تستسلم لثقافتنا السلبية التي ترفض التدخل في شؤون الآخرين باسم احترام الخصوصية، بل خرقت هذه الأسوار والحصون؛ لأنها لم تقبل الصمت المهين، ولم ترضَ إغفال الحقيقة.

فلماذا يلتف البعض حول معنى الشجاعة فيصورها مجرد سيفا، هل يجهلهم معنى السلطة الرمزية التي واجهتها سمر بدوي عندما كسرت نظام الوصاية التاريخي، أم يجهلهم معنى العدو الحقيقي الذي عرفته لهم الدكتورة فكشفت لهم وللجميع من هم الأعداء الحقيقيين في بيوتنا، لقد توجت سمر بدوي قبل عامين ونالت الدكتورة مها المنيف الجائزة هذا العام، لأن كلاهما آمن بالحقوق، الحق الشخصي والحق العام، فالفاصل بين ذواتنا والآخرين ليس كبيرا، ومن لم يذق المعاناة لا يعني أنه لا يحسها ولا يؤمن بوجوب إنهائها .

Share: