بقلم :
on : الإثنين, 7 Apr, 2014
Comments Off on واشنطن وطهران.. تحالفات قائمة وخصومة عنيدة

واشنطن وطهران.. تحالفات قائمة وخصومة عنيدة

المحصلة صفر!

في لقاءات أجريت معه على مدار العام الماضي، كشف الرئيس أوباما شيئا فشيئا عن رؤيته تجاه الشرق الأوسط، ورؤيته لعلاقات أميركا في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بالسياسة التي تحمل توقيعه: التقارب مع إيران.

في سبيل استيعاب رؤية أوباما للأطراف في الشرق الأوسط، يجب أن ندرك أولا أنها لا تستند إلى تصنيفات مُعرفة جيدا. في تصور أوباما، لا يوجد وضع راهن تسيطر عليه الولايات المتحدة، ويقف فيه المعسكر الموالي لأميركا في المعارضة أمام معسكر متنافس رجعي يسعى إلى عرقلة النظام الأميركي وأخيرا ليحل محله. بالإضافة إلى الاتحاد السوفياتي وحلفائه أثناء الحرب الباردة، منذ ثورة عام 1979، كانت إيران، وما زالت، وسوف تستمر دولة رجعية تقف ضد النظام الذي تقوده أميركا. ولكن انتهى اعتقاد أوباما بهذا النموذج. بعيدا عن رفضه المتكرر لعقلية «المحصلة صفر» التي سادت في فترة الحرب الباردة، أوضح الرئيس الأميركي هذه النقطة في حوار أجرته معه مؤخرا وكالة «بلومبيرغ».

صرح أوباما قائلا: «أعتقد أنه كان هناك ارتياح في ظل استقرار الولايات المتحدة مع نظام قائم وتحالفات قائمة وخصومة عنيدة مع إيران». ولكن انتهى ذلك في الوقت الحالي، حيث أضاف: «ما أقوله لشركائنا في المنطقة هو أننا يجب أن نستجيب ونتأقلم على التغيير».

بين التطرف السني والشيعي

ولكن بدلا من ذلك يبدو أن إدارة أوباما تتعامل مع المنطقة بتصنيف مختلف. يستند منهج الإدارة، أولا وقبل كل شيء، إلى التظاهر بتساوي المسافات تجاه المجموعات التقليدية من الأصدقاء والأعداء. أوضح أوباما في لقاء مع برنامج «تشارلي روز» في يونيو (حزيران) الماضي، مشيرا إلى سياساته في قضية سوريا، قائلا: «نحن لا نقف مع أي طرف في حرب دينية بين الشيعة والسنة». يعني ذلك أن الخط الفاصل الرئيس بالنسبة لأوباما لا يتعلق بالأصدقاء والأعداء التقليديين، بل بالتصنيفات المبهمة لـ«المتطرفين» و«المعتدلين».

ولكن حتى داخل هذا الإطار، لا يصمد مبدأ أوباما المفترض بتساوي المسافات. في الواقع، أعلن البيت الأبيض أن الجماعات السنية المتطرفة هي المشكلة الحقيقية والتهديد الرئيس أمام الولايات المتحدة. فأصبحت السياسة الأميركية تواجه ظاهرة المتطرفين السنة بمحاربتهم ماليا وعسكريا. وفي المقابل، عندما يتعلق الأمر بإيران، يجد «المتطرفون» و«المعتدلون» المفترضون بها معاملة مختلفة تماما.

لي سمبث: يعد التطرف الذي تدعمه إيران مؤشرا على قوة وتماسك النظام الحاكم الذي يستخدم الإرهاب لتحقيق مصالحه

عندما سئل أوباما في حواره مع «بلومبيرغ» عن التطرف السني والشيعي، كانت إجابته كاشفة، إذ قال: «إذا نظرت إلى السلوك الإيراني، ستجد أنه إستراتيجي وليس متهورا؛ لديهم رؤية عالمية ويرون مصالحهم ويستجيبون للتكاليف والمنافع». المعنى الواضح هنا هو أن المتطرفين الإسلاميين الذين لا يشكلون دولة، مثل «القاعدة»، لا يستجيبون للأدوات الدبلوماسية والسياسية مثل تلك التي تسمح لأميركا بالتعاون والتعامل مع دول مثل إيران. في المقابل، يتسم السلوك المتطرف الإيراني بالعقلانية والتخطيط الإستراتيجي، ولذلك لا يعد مشكلة مستعصية.

يقول لي سميث الخبير في شؤون الشرق الأوسط إن «السبب في ذلك هو أن إيران دولة ذات سيادة وحدود ومؤسسات وطنية مثل الجيش والاستخبارات وتملك موارد طاقة هائلة تشكل تهديدا إستراتيجيا». في الواقع، لا يوجد في أي مكان في الدول العربية السنية كيان يشبه فيلق القدس. تُشكل هذه القوات، الخاضعة لقيادة ثاني أكثر المسؤولين نفوذا في إيران، كيانا رسميا تابعا للدولة مكلفا بتأسيس ودعم الجماعات العسكرية والإرهابية في الخارج وهدفه الصريح هو ممارسة نفوذ مباشر في الدول الأخرى.

نفوذ إيران الإقليمي

ولكن أوباما لا ينظر إلى الأمر بهذه الطريقة، ولا يبدو أنه يشعر بالقلق البالغ من توسع نفوذ إيران الإقليمي. ولكن، كما قال، إذا كان من الممكن منع إيران من الحصول على سلاح نووي، سيكون «من الممكن السيطرة على أي تصرف سيئ آخر يحدث من جانبها». وهكذا في حين تجب محاربة المتطرفين من السنة، يمكن التقارب مع حكام إيران الثوريين وتقديم الحوافز لهم ليتعاونوا مع المجتمع الدولي، «حتى وإن استغرق ذلك 15 أو 20 عاما»، على حد قول أوباما.
وهكذا يلاقي كل من «المعتدلين» المفترضين و«المتطرفين» في إيران معاملة تفضيلية. ويُعد «المعتدلون»، من وجهة نظر أوباما، دليلا على أن الإيرانيين «قادرون على التغيير». ويدفع أوباما بأن الاتفاق الذي يتفاوض بشأنه البيت الأبيض مع الإيرانيين سوف يعزز قوة «تلك التيارات والأصوات داخل إيران». ولكن في الوقت ذاته، يعارض أوباما الضغط على إيران أو تبني موقف المواجهة معها، لأن من يقال عنهم «معتدلين» في طهران سيكون عليهم «الاستجابة للمتشددين بينهم»، وهم أصحاب السلطة. بمعنى أن إيران مستفيدة في الحالتين. في الحقيقة، يستطيع «المعتدلون» في إيران أن يفخروا بعلاقات النظام بالإرهاب وما زال في الإمكان عدهم أصوات التغيير.

في مثال جيد على ذلك، في يناير (كانون الثاني) الماضي، قام وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي من المفترض أنه «معتدل» بزيارة إلى لبنان ووضع إكليلا من الزهور على قبر قائد حزب الله الراحل عماد مغنية. كان مغنية مسؤولا عن مجموعة من الهجمات التي نالت من أهداف أميركية من بينها تفجيرات السفارة الأميركية وثكنات المارينز عام 1983 في بيروت، بالإضافة إلى اختطاف وقتل رهائن أميركيين. في ذلك الوقت وضع تصرف ظريف حكومة أوباما في موقف حرج، نظرا لأنه حدث بينما كان الرئيس الأميركي يعمل جاهدا على إقناع الكونغرس المتشكك بأن ظريف والرئيس الإيراني حسن روحاني يمثلان إيران المعتدلة الحريصة على فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة.
لذلك شعر البيت الأبيض بالحاجة إلى إصدار بيان إدانة. ولكن أبرز البيان الفارق بين إيران ومغنية، متغافلا عن حقيقة أن الهجمات الإرهابية التي ارتكبها كانت تحت وصاية إيران. وكان تفجير ثكنات المارينز، الذي نظمه مغنية، بالتنسيق مع
زميل ظريف، وزير الدفاع حسين دهقان، الذي كان قائدا لقوات الحرس الجمهوري في لبنان في تلك الفترة.

اوباما: يمكن التقارب مع حكام إيران الثوريين وتقديم الحوافز لهم ليتعاونوا مع المجتمع الدولي، «حتى وإن استغرق ذلك 15 أو 20 عاما»

عندما وضع ظريف إكليل الزهور على قبر مغنية، كان يشير إلى استمرارية هيكل السلطة في إيران وإجماع النظام على سياساتها الإقليمية. وكما قال سميث: «يعد التطرف الذي تدعمه إيران مؤشرا على قوة وتماسك النظام الحاكم الذي يستخدم الإرهاب لتحقيق مصالحه». في المقابل، يأتي التطرف السني إما تعبيرا عن ضعف الدول ذات الأغلبية السنية أو معارضة لحكوماتها والسعي إلى الإطاحة بها. وهذا تحديدا هو سبب عمل إيران المنتظم مع الجماعات المتطرفة السنية. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد كشفت مؤخرا عن أن بعضا من هذه الجماعات الإرهابية التي تعمل في سوريا تحصل في الحقيقة على تمويل من شبكة مقرها في إيران.

خرافة الاعتدال الإيراني

ولكن يحتاج أوباما إلى تقديم دليل على خرافة الاعتدال الإيراني نظرا لأنه جعل الوصول إلى اتفاق مع طهران خطة رئيسة في سياسته الخارجية. وهكذا سوف يتغاضى عن أي شيء تقوله إيران أو تفعله للتأكيد على أن سياساته لم تخرج عما هو مخطط لها. أحدث مثال على ذلك ما وقع في مارس (آذار) الماضي عندما صادرت إسرائيل سفينة كلوس سي، التي كانت تحمل شحنة أسلحة إلى عملاء إيران في غزة. سعت إسرائيل إلى الإشارة إلى هذه الخطوة الإيرانية لتذكرة واشنطن بطبيعة طهران الحقيقية. ولكن كل ما وجدته كان عدم الاهتمام من البيت الأبيض. وعلى أي حال، تندرج هذه الأفعال تحت ما يعتبره أوباما «تصرفا سيئا يمكن السيطرة عليه».
إذا لم تشعر الإدارة الأميركية الحالية بالضيق جراء هذا «التصرف السيئ»، فالسبب هو أن أوباما قصر المسألة على امتلاك إيران للسلاح النووي. وتكشف تصريحاته إلى «بلومبيرغ» عن هذا الأمر: «إذا كنا نستطيع أن نضمن عدم امتلاكهم للسلاح النووي، فعلى الأقل سيمنعهم ذلك من مضايقة دول الجوار». ولكن هذا مضلل. تقوم إيران بـ«مضايقات» تجاه جيرانها، يمكن القول إنها تخريبية عنيفة، منذ عقود، قبل أن تندفع نحو الحصول على سلاح نووي. وهذه على وجه التحديد هي مهمة فيلق القدس.

ولكن بدلا من مواجهة مخالب فيلق القدس في المنطقة، في حالات محددة، أقام أوباما شراكة فعالة مع عملائه «المتطرفين». على سبيل المثال في لبنان، تشاركت الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة معلومات استخباراتية مع حزب الله من خلال أصدقاء الجماعة في إدارة الاستخبارات في الجيش اللبناني، والتي تعمل عن قرب مع الميليشيا الشيعية. تقدم هذه الحالة مثالا على كيف وضع البيت الأبيض تهديد التطرف السني في الأولوية، وتحول إلى العمل مع متطرفي إيران، بل واعتبارهم قوات استقرار.
على الرغم من أن أوباما يدعي معارضة المتطرفين من كلا الجانبين، فإن رؤيته للتطرف السني تختلف كثيرا عن رؤيته للتطرف الإيراني. يعتبر أوباما الثاني ذا فكر «إستراتيجي» وعقلاني، ليبرر سياسته في التقارب مع طهران. ونتيجة لذلك، أصبح معتدلو إيران المفترضون بالإضافة إلى متطرفيها رابحين في الحالتين.

Share: