on : الإثنين, 7 Apr, 2014
1

دور حوكمة الشركات في مواجهة التحديات بالسعودية

تطوير البيئة الاقتصادية

ظهر في الحقبة الزمنية الماضية مصطلح لغوي جديد على الثقافة الاقتصادية، يطلق على الآليات والمناهج العملية في ممارسة الإدارة الفاعلة للمنظمات والشركات تحت مسمى «الحوكمة»، والمعنى اللغوي لهذا المصطلح هو الحكم والعدل، ويذهب البعض إلى أن استخدامه ظهر مجازا في كتابات الفيلسوف اليوناني أفلاطون، حيث استند إلى عنصر المثاليات مقتبسا ذلك من دراسة المنطق العلمي لعالم الرياضيات فيثاغورث.

الحوكمة تشريعيا هي الآلية التي تتفاعل فيها مركبات الهيكل التنظيمي للمؤسسات العامة والمنظمات والشركات، وتشتمل على عنصرين أساسيين هما:
أ‌ – عنصر موثق يستند إلى الأنظمة والمعايير التي تربط بين التنظيم الإداري «الجهاز التنفيذي» والمجتمع المرتبط بالمنافع المتبادلة بين المستفيدين من خدمات تلك المؤسسات العامة والمنظمات والشركات.

ب‌ – يأتي العنصر الثاني في إطار البوصلة لمجموعة من الاعتقادات المكتسبة «ميتا العقائدية»، التي تنظر إلى الإدراك الحسي للخطأ والصحيح في التفاعلات التي تتحكم في تصرفاتنا سواء تجاه الذات أو تجاه الغير.
ولقد دخل مفهوم الحوكمة في الأعمال الاقتصادية في إدارة الأنشطة الحكومية والأهلية سواء كانت شركات مساهمة أو ذات مسؤولية محدودة من خلال إيجاد منظومة من البنود التي يتم من خلالها زراعة مفهوم الانضباط والتحكم في سير العمل بما يحقق مصلحة الشركة بوصفها كيانا طبيعيا، وتحقيق المنفعة العامة للمساهمين بمنظور عملي، وتعبر «الحوكمة» وأنظمتها على أنها الأسس التي تنبني عليها إدارة المنظمة في إطار مفاهيم تستند على قوة الرقابة العملية الذاتية، والوعي الحسي للأفراد والعاملين داخل المنظمة، ولم يكن المجتمع السعودي يعطي أهمية للحوكمة لتغلب المفهوم العقائدي.

مفهوم «الحوكمة»

وجاءت الحاجة لتفعيل وتطبيق مفهوم «الحوكمة» على المؤسسات والشركات الوطنية والوافدة من خلال تحسين البيئة الاقتصادية، تجنبا لإحداث الأزمة المالية التي حدثت خلال عامي 2008 و2009م، «والحوكمة» في إطار مجتمع مثل المملكة العربية السعودية، التي على الرغم من التطور الكبير والملحوظ على الأنظمة المالية والاقتصادية، فإن مفهوم «الحوكمة» يأتي في تضارب مع التركيبة الاجتماعية، التي مازالت تلعب دورا مهما في ممرات الشركات السعودية المعلنة والواردة في هيئة سوق المال، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، والعائلية، ذلك أن المجتمع لا يزال يلقي بظلاله على الإدارة الداخلية، وتسيير أمور الشركات بما يؤثر على مسيرة الشركات، وجاء التوجه العام سواء لتبني نظم «الحوكمة» كدافع مهم لتجنب الأزمات، وخلق منظور ومنهج تطبيقي لحوكمة الشركات في البحث عن وسيلة استقطاب والمحافظة على الاستثمارات وحقوق المواطنين المساهمين، والحد من الحس الاجتماعي «القبلي» المتعمق في إدارات الشركات المساهمة ومجالس الإدارات، الذي أحدث ربكة لا تزال كثير من الشركات تتعافى من تخييم العرف الاجتماعي.

والمراجعة الأولية لأداء الشركات المدرجة في هيئة سوق المال، وباستثناء البنوك والمصارف، نجد أن ملامح التأثير الاجتماعي يغلب على الأجهزة التنفيذية أو مجالس الإدارة لدى بعض الشركات، واستمرار هذا النهج قد يؤدي إلى خسائر يضطر بعدها المساهمون للتدخل من أجل إنقاذ الشركة من خلال عمليات رفع رؤوس الأموال أو الخروج من السوق تحت تأثير سوء الإدارة، الأمر الذي يعطي مؤشرا لأهمية تفعيل دور «الحوكمة»، وفي هذا الإطار جاءت خطوات جيده في مهمة الاستحواذ وتنظيم التوجهات المرتبطة بآلية تنفيذ برامج «الحوكمة» في المملكة العربية السعودية، ومن أهمها تطوير مؤشرات التطبيق، وباستشراف من هيئة سوق المال السعودية صدرت لائحة الحوكمة في عام 2006م، التي ألزمت الشركات، ووضعت شروطا ونصوصا ساعدت في تهيئة البيئة التنظيمية للحوكمة داخل الشركات المدرجة في هيئة سوق المال، ومن أهم البنود والحيثيات لتطبيق اللائحة؛ تفعيل عدد من الآليات لإحداث نقلة نوعية في إدارة الشركات وتطوير مفاهيم أكدت على مصلحة المساهمين، ولقد اشتملت اللائحة على عدد من المواد التي أكدت أهمية سياسات الإفصاح، والشفافية، وتوثيق الإجراءات التنفيذية، والوظائف الأساسية للجهاز التنفيذي، ومجالس الإدارة، وذلك للتأكيد على أنظمة الحوكمة، وضوابط الرقابة الداخلية في منهجية جعلت الرؤية واضحة من خلال الفصل بين الملكية والإدارة، كما وضعت خطوات تطبيقية لإدارة المجالس والرقابة المالية، ويُتوقع أن نتائج التزام الشركات بلائحة الحوكمة ستؤدي إلى تنامي القدرات الإدارية للشركات.

سوق المال السعودي

وقد أدرجت نظام التصويت لمجلس الإدارة بجواز التجزئة لحق التصويت التراكمي بعدد الأسهم من دون تكرار وذلك لمنع الاحتكار، وإن كان بعض الملاك قد يستطيعون التأثير على تشكيل المجالس من خلال التكتلات، التي تكون في إطار «سوق الظل» خلال حركة تداول الأسهم، وتتميز الحوكمة في أنظمة سوق المال السعودي بصلاحيات قوية لهيئة سوق المال السعودي، التي تعدّ حديثة عهد في إطار الحركات التجارية مما يجعلها أقل خبرة ودراية في ممارسة الحق العام في تطبيق أنظمة ولوائح الحوكمة التي تجعل رؤوس الأموال الاستثمارية تتعامل في تفاعلها مع السوق بمنهج لسعة النحل، أي أن الكثير منها يأتي من خلال قراءة سريعة للسوق بالدخول وانتظار مرحلة جني الأرباح ومن ثم الخروج من السوق، هذا التفاعل من المستثمرين أدى إلى سلوك سلبي في مرحلتين؛ الأولى منها الاستفادة من الطرح الأول «علاوات الإصدار» وبيع الأسهم في سوق الظل، والثانية تظهر عند رغبة أحد الأطراف في تسييل مساهمته والخروج من الشركة.
ولقد استفاد من هذه المرحلة الكثير من أصحاب رؤوس الأموال من المؤسسين، حيث استفادوا من غياب لوائح تنظيم الحوكمة وغياب المسؤولية مما أثر على السوق المالية في مرحلتين؛ الأولى حركة انهيار السوق في عام 2006م، والثانية في عام 2008م، ويستطيع القارئ من خلال مراجعة بيانات السوق الاطلاع على حركة الانتقال بين الملاك الرئيسين للشركات المدرجة ليجد أن التغيير الكثير في الملاك سارع في تفاعل هيئة سوق المال باستصدار لوائح الحوكمة، وعلى الرغم من منح فرص لتفعيل وتنفيذ مواد اللائحة حتى بداية عام 2011م، وإن أهمية الحوكمة في إدارة الأنشطة التجارية، وكذلك الإدارات التنفيذية الحكومية، تأتي في الأولوية والأهمية للمساهمة في استقطاب الاستثمارات؛ سواء الوطنية أو الوافدة، حيث إن فعالية الحوكمة تؤدي إلى الاستقرار الاقتصادي، مما يساعد على استقطاب الاستثمارات الوطنية أو الوافدة.

إن القناعة في أهمية الحوكمة تفاعلت معها الهيئة العامة للاستثمار، وفي تنمية القدرات التنافسية للشركات السعودية أطلقت مؤشر حوكمة الشركات في إطار إعطاء قرائن ورؤية لكيفية تقييم الشركات المدرجة في هيئة سوق المال، ويعتبر مؤشر حوكمة الشركات السعودي الذي يهدف إلى قياس مدى كفاءة وفعالية ومهنية مجالس إدارة الشركات، ولقد شارك في تطوير هذا المؤشر كل من جامعة الفيصل، وكذلك معهد أعضاء مجلس الإدارة في دول مجلس التعاون الخليجي، ويأتي دور الجامعة في إطار توثيق فعالية المؤشر في توثيق وترجمة النتائج، وعلى الرغم من أهمية هذا المؤشر الذي قد لا يلقى قبولا واسعا من قبل الشركات والمؤسسات لارتباطه بعدد من العناصر التي تؤثر سلبا على نتائج الشركات ما لم تقم هيئة سوق المال بإجراء تجارب مسوحية على عدد من الشركات وإدراج المؤشر في اللوائح التنفيذية لبرامج الحوكمة.

استشراف أداء الشركات

إن أهمية توافر آليات ومؤشرات لاستطلاع الأنشطة الاقتصادية لاستشراف أداء الشركات المدرجة في السوق يعطي الاستثمارات الوافدة قدرة على قراءة نمط البيئة الاقتصادية وعمق الحركة الاستثمارية، التي تمثل مدى التفاعل بين قدرة الفرد «المواطن» الاستثمارية وحجم الاستثمار، والقراءة الأولية للوائح الحوكمة تجد أنها ترجمة واقعية أعطت أهمية للأعراف الاجتماعية، ولم تغفل ضرورة توفر الانضباط والشفافية في الدور الرقابي لسوق المال، كما أن استقطاب الهيئة للمؤشر الذي جرى تطويره من قبل الهيئة العامة للاستثمار قد يؤدي إلى ثقافة اقتصادية ونوعية، سواء للمستثمر أو للمتعامل العادي في السوق المالية السعودية، وبنظرة سريعة عما تحمله آليات تطبيق الحوكمة من تأثيرات على النمط الاستثماري نجد أن اللوائح بحد ذاتها لا تؤثر على مسيرة الاستثمارات بشكل مباشر، سواء تلك المحلية أو الخارجية، وهي تتعلق بالسوق السعودية، التي اكتسبت خاصية جذب قوية لتجنبه ظواهر الحركات الاجتماعية، أو ما يُطلق عليه «الربيع العربي»، إن صح التعبير، التي أثرت بشكل لافت على الدول العربية، ذلك أن الاقتصاد السعودي يستند إلى قوة السوق المالية، والتنوع الاقتصادي المتميز، بالإضافة إلى المنظور السياحي كناتج محلي جديد سيسهم في تنامي الحركة الاقتصادية من خلال دعم حركة السياحة الدينية إن جاز التعبير، التي تعادل أكبر الاقتصادات العربية، والمتصفح لأداء الاقتصاد السعودي يلحظ أن الحوكمة، وكذلك أنظمة التصحيح لسوق المال، ساهمت في المرونة الإدارية والتفاعل الاجتماعي مع المتغيرات المحيطة بالمنطقة، التي جعلت من البيئة الاقتصادية عنصر جذب فعالا ساهم في تحسين استقرار القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي.

Share: