بقلم :
on : الإثنين, 7 Apr, 2014
Comments Off on «المجلة» تكشف خطط الجماعات الدينية السرية للاستيلاء علی الحكم في مصر

«المجلة» تكشف خطط الجماعات الدينية السرية للاستيلاء علی الحكم في مصر

انقسام جماعة الإخوان

هذه الحلقة من سلسلة التحقيقات التي أعدها أمير طاهري لـ«المجلة» تتناول الوضع الراهن في مصر من جوانبه المختلفة. وقد أمضی أمير طاهري عدة أسابيع في مصر اجتمع خلالها إلی عشرات الأشخاص٬ من مسؤولين ودبلوماسيين وسياسيين بارزين. اكتسب طاهري شهرة عالمية٬ إذ يكتب حاليا في صحيفة «الصنداي تايمز» اللندنية الأسبوعية وصحيفة «الهيرالد تريبيون» الأميركية الصادرة في أوروبا، إضافة إلی بعض الصحف الأميركية، كما يكتب لـ«المجلة». وفي هذه الحلقة، يتحدث طاهري عن نفوذ الجماعات الإسلامية٬ ويكشف خططهم السرية، في ما يلي:
قوات الامن تعتقل احد افراد الجماعة السرية(المجلة - العدد 92 نوفمبر 1981)

قوات الامن تعتقل احد افراد الجماعة السرية(المجلة – العدد 92 نوفمبر 1981)

«لا دين مع السياسة٬ ولا سياسة مع الدين». هذا هو الشعار الذي لا يزال يصرخ بصمت من اللافتات الحكومية المعلقة علی جدران القاهرة. وتبدو هذه اللافتات رثة مهلهلة كأنها تنتمي إلی عصر آخر تم نسيانه منذ زمن بعيد. ومع ذلك، صدرت الأوامر بتعليق هذه اللافتات قبل أشهر قليلة فقط٬ وكان الرئيس السادات لا يزال علی قيد الحياة ويأمل تحقيق «فصل بين الدين والدولة».

ولم يعد هناك اليوم من يردد هذا القول: فالسياسة والدين تشكلان كيانا غير قابل للانقسام في مصر ذات التاريخ التليد٬ إن كل من يشترك في الصراع من أجل السلطة في مصر يدرك جيدا أن المشاعر الدينية وحدها هي التي يمكن تحريكها بفعالية كوسيلة لتعبئة «الجماهير الصامتة» في محاولة للوصول إلی السلطة.

قبل أعوام٬ في الفترة التي تلت حرب أكتوبر (تشرين الأول)٬ كان أي شخص يحتل مكانة مرموقة في مصر «مصريا مخلصا»، أما الآن فقد أصبح الجميع «مسلمين متدينين»، وهذا يجعل من الصعب معرفة من يعني ذلك حقيقة ومن يقتصر تدينه علی المظاهر وحدها٬ وقد أصبح من الصعب حاليا التمييز بين الغث والسمين٬ بعد أن أصبحت الأحزاب والجماعات السياسية المصرية كلها حريصة علی أن يكون لها «لون» إسلامي٬ بنسب متفاوتة.
ويمكن القول بصفة عامة، إن هناك «مزاجا إسلاميا» يسود مصر في الوقت الحالي٬ والتحدي الحقيقي لنظام الحكم يتمثل في هذا المزاج٬ وليس في المنظمات السرية الدينية التي يبلغ عددها نحو عشر٬ والتي تبدي استعدادا لممارسة أعمال العنف ضد نظام الحكم. ولا يمكن للشرطة السرية أن تتغلغل في «أوساط هذا المزاج»٬ كما لا يمكن تحطيمه عن طريق قوات الأمن والنظام.

غلاف العدد 92- نوفمبر 1981

غلاف العدد 92- نوفمبر 1981

وتضطر السلطات٬ في سعيها لتحطيم تنظيم صغير٬ إلی ضرب عدد كبير من الأشخاص الذين ليست لهم علاقة بالسياسة٬ وهذا هو ما يجعل التحدي الإسلامي قوة لها شأنها في مصر اليوم.
ونستطيع التمييز بين فئتين متميزتين في إطار هذا المزاج أو الشعور السائد في مصر حاليا٬ وتتمثل الفئة الأولی في جماعة الإخوان المسلمين التي يمكن وصفها بأنها الفئة الممثلة لاتجاه اليمين.

ومن المؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين نفسها منقسمة إلی عدد كبير من الجماعات الفرعية٬ وأنها تعاني خلافات داخلية لا نهاية لها بشأن المبادئ والتطبيق. مع ذلك، لم تفكر جماعة الإخوان المسلمين علی وجه العموم في أي أسلوب محدد للاستيلاء علی السلطة وتشكيل حكومة خاصة بها. وبدلا من ذلك، يری البارزون من مفكري الإخوان المسلمين – مثل عمر التلمساني – أن الجماعة يجب أن تكون بمثابة رقيب يضمن عدم خروج «الحكام» علی «أحكام كتاب الله ومبادئ السنة السمحة».
ولهذا السبب، لا تسعی الجماعة إلی ممارسة السلطة بنفسها٬ بل تفضل إملاء إرادتها علی الحكومة٬ وبتعبير آخر تسعی الجماعة إلی السلطة من دون المسؤولية. وتری الجماعة أن علاج «الحكام الذين يرتكبون المعاصي» يتمثل في طريقة الاغتيال التقليدية٬ وربما أيضا في أعمال العنف والشغب، إذا اقتضی الأمر ذلك. ولا تخطط الجماعة للسيطرة علی جهاز الدولة بأكمله٬ وإنما تكتفي بفرض الرقابة علی أولئك الذين «يخرجون علی تعاليم الإسلام» وقتلهم٬ وحتى الشيخ عبد الحميد كشك٬ المسجون حاليا بعدما وصفه السادات بأنه «خائن للإسلام»، لم يدع في أي وقت من الأوقات إلی حكم مباشر من قبل رجال الدين.

الجماعات السرية

قال لنا أستاذ في جامعة القاهرة: «إن جماعة الإخوان المسلمين مثل محطة للسكك الحديدية – إذا جاز التشبيه – يدخلها كثيرون للذهاب إلی شتی الاتجاهات».
ورغم ما يقوله أعضاء جماعة الإخوان المسلمين٬ لم تتقدم الجماعة علی مدی تاريخها الذي يبلغ خمسين عاما ببرنامج شامل «لحكومتها المثالية». وهذا هو السبب في أن أي شخص كان يستطيع في وقت من الأوقات أن يصف نفسه بأنه «أخ» أو «أخ غير شقيق» علی الأقل. وكان السادات نفسه «في منزلة الأخ» لعدد من السنوات.

والفئة الثانية٬ في إطار الشعور الإسلامي السائد في مصر حاليا٬ هي التي تشكل الخطر الأكبر علی نظام الحكم٬ رغم قلة عدد أعضائها وبعدها عن الأضواء حتى الآن٬ وتشمل هذه الفئة عددا كبيرا من الجماعات التي تلتف عادة حول نشرة شبه سرية٬ أو علی وجه الخصوص حول زعيم محلي يتمتع بقوة الشخصية. ومن هذه الجماعات؛ جماعة التكفير والهجرة٬ التي قد تكون كبرى هذه الجماعات٬ وقد تكون منقسمة أيضا إلی عدة جماعات فرعية. وهناك أيضا جماعات الدعوة٬ والهدف٬ وجند الله٬ والقدس٬ والجهاد. وفي معظم الأحيان، يطلق علی الجماعات الفعالة اسم بسيط هو «جماعات تحفيظ وتفسير القرآن الكريم»٬ ومثل هذه الجماعات موجودة في كل حارة من حواري القاهرة والمدن المصرية الكبيرة الأخرى.

وهناك أيضا تنظيمات لتقديم المساعدات المتبادلة وجماعات لتقديم «قروض من دون فوائد». وهناك جماعات لرعاية الأرامل واليتامى٬ وللإنفاق علی تعليم الأذكياء من أولاد الفقراء. وهناك أيضا جماعات للتأهيل الإسلامي٬ وجماعات من الطلبة الذين يعرضون دروسا مجانية علی أولاد الفقراء.

وقد تغلغل «المتطرفون» في صفوف كل واحدة من هذه الجماعات تقريبا سعيا وراء السلطة وتحت شعار إنشاء «الدولة الإسلامية النموذجية».
ومن الأمور اللافتة للانتباه، أن تغلغل «المتطرفين» إلی هذه الجماعات تم بتشجيع الحكومة ومساندتها عندما أراد السادات خلق «قلعة دينية» ضد الشيوعية. وفي الوقت الحالي، شابه «المتطرفون» في مصر السمك في الماء٬ فهم يستطيعون الاختباء ببساطة حتى تهدأ العاصفة٬ ثم يعودون إلی الظهور عندما تهدأ الأمور. وليس من المعروف إذا كان بينهم ماركسيون يبدون في صورة المسلمين المخلصين لاكتساب ثقة الجماهير المتدينة. ولكن من الغريب حقا أن الجامعات المصرية التي كانت في وقت من الأوقات قلعة لليسار العربي٬ قد أصبحت فجأة مركزا للنشاط الإسلامي تستبعد من صفوفه أي اتجاهات أخری.

ولأن السائد في مصر الآن شعور ومزاج وليس تنظيما مركزيا، فإن من الصعب معرفة المدرسة المحددة٬ من بين المدارس الكثيرة للفكر الإسلامي المنتشرة في مصر٬ التي تعكس أفكار محمد باقر الصدر رجل الدين العراقي الذي تم إعدامه قبل عامين. وتنتشر في مؤلفاته، وخصوصا كتابه عن الاقتصاد الإسلامي وعنوانه «اقتصادنا»، كما تنتشر في مصر حاليا مصطلحات خمينية مثل «المستضعفين» و«المستكبرين»، وهي مصطلحات لم تكن معروفة في العالم العربي – باستثناء لبنان -ـ قبل الثورة الإيرانية. وتنتشر في مصر أيضا منشورات أخری بتوقيع مستعار مثل «معلم» أو «موحد».

ويقول البحاثة٬ الذين كان لهم اتصال مباشر بالزعماء الدينيين المسجونين حاليا٬ إن هذه الجماعات في معظمها يديرها شبان، مستوی ذكائهم أعلی من المستوی العادي. وتجتذب جماعة الإخوان المسلمين أصحاب المتاجر وصغار الموظفين الحكوميين٬ أما الجماعات الدينية الجديدة فتجتذب طلبة الجامعات والعمال المهرة.
وقد تأكد في القاهرة أن أعضاء الجماعات الدينية تغلغلوا في صفوف عمال مجالات حساسة مثل المياه٬ والكهرباء٬ وصناعات الأسلحة٬ والنفط٬ والمطابع٬ كما أن لهم وجودا في صفوف عمال النقل٬ ويعتقد الكثيرون أيضا أنهم ممثلون في صفوف الكوادر الفنية بالقوات المسلحة. وتحظى الجماعات الجديدة بشعبية في الأوساط العلمية والتقنية٬ علی عكس جماعة الإخوان المسلمين التي اجتذبت في أغلب الأحيان أشخاصا من أوساط غير مثقفة.
وهذه الفئة الثانية هي التي تسعی بصفة عامة إلی الاستيلاء علی السلطة في مصر. وقد أعدت بالفعل مسودة دستور جديد. ضبطت السلطات المصرية نسخا منها.

خطط الاستيلاء علی السلطة

وقد حرصنا علی جمع الأفكار المتفرقة التي ضمتها المنشورات والمقالات وأشرطة الكاسيت التي توزعها الجماعات السرية الدينية لتحديد الاستراتيجية والخطط التي وضعتها للاستيلاء علی السلطة في مصر.

ويبدو واضحا أن هذه الخطط السرية تتضمن أربع مراحل: في المرحلة الأولی تثبت الحركة «عدم شرعية» نظام الحكم عن طريق إقناع غالبية الشعب بأن «الحكام» يعملون «ضد الإسلام ومصالح المسلمين». ويمكن لجماعة الإخوان المسلمين أن تلعب دورا حاسما في هذه المرحلة بفضل شبكتها المستقرة والمنتشرة في أنحاء البلاد. ويبدو أن الذين وضعوا الخطة اعتقدوا أيضا أنه يمكن تنفيذ هذه المرحلة قبل نهاية 1981. وقبل حملة الاعتقالات التي شنها السادات٬ كان الوعاظ ورجال الدين يوجهون حملة منظمة ضد نظام الحكم يركزون فيها علی «عدم شرعيته»٬ ويقولون إن نظام الحكم يجب أن يسقط لأنه «لا يتبع الشريعة الإسلامية». وكان من المقرر أن تركز المرحلة الثانية علی إنشاء سلطات موازية للحكومة وتتمتع بصلاحياتها. وفي هذا الإطار، نفذت جماعة التكفير والهجرة جزءا كبيرا من الأعمال النظرية والعملية المطلوبة٬ وكان من المفروض أن «تخرج الجماهير من تحت سيطرة النظام» عن طريق مقاطعة «الفساد المتمثل في المكاتب الحكومية والمحاكم والبنوك.. إلخ».

فوضى في مطار القاهرة اثر انفجار طائرة مدنية

فوضى في مطار القاهرة اثر انفجار طائرة مدنية

وكان من المفروض أيضا أن يتم تشكيل «لجنة إسلامية» غير معلنة في كل مؤسسة أو مصلحة حكومية لممارسة السلطة إلی جانب الرؤساء المعينين لهذه المؤسسة أو المصلحة. ومن المؤكد تقريبا أنه كانت هناك خطط لاغتيال عشرات من القيادات المحلية٬ بهدف تصفية المسؤولين الحكوميين وقادة الحزب الحاكم. وكانت هناك بين الحين والآخر إشارات تدل علی النية في «إعدام» كبار الزعماء. ولكن، يبدو من المؤكد أن اغتيال السادات كان عملا قام به «متطرفون متسرعون»٬ فقد كانت الجماعات الإسلامية تهدف إلی أن تصبح السلطة الحقيقية في البلاد٬ من وراء الستار قبل أن تضرب «كبار الخونة».
وفي المرحلة الثالثة، كانت الحركة تهدف إلی تحييد القوی التي يعتمد عليها النظام أو إلی كسب تأييدها٬ وهذه القوی هي الجيش والشرطة وأجهزة الأمن المختلفة التي تغلغلت الحركة في صفوفها كلها.

وتدعی الحكومة أن هذه الجماعات كانت لديها خطط لاغتيال عدد كبير من ضباط الجيش٬ ولكن الذين درسوا نشاط هذه الجماعات يصفون ادعاءات الحكومة في هذا الصدد بأنها مجرد «دعابة». فقد كانت هذه الجماعات تهدف إلی السيطرة علی الجيش من داخله٬ ثم «التحرك به للانضمام إلی الجماهير» في اللحظة المناسبة.

شلل البلاد

وفي المرحلة الرابعة، كان من المفروض أن يتم شل البلاد بالإضرابات والمسيرات والاغتيالات علی مستوی عال٬ وبعد ذلك تظهر «قيادة إسلامية» قادرة علی توحيد صفوف الجيش والشعب وإنهاء حالة الفوضى والاضطراب. وفي هذا الوقت، سيظهر نظام الحكم في صورة «القناع الذي تختفي وراءه إسرائيل وأميركا». وهذا هو الشعار السائد في المنشورات السرية.
وبينما يقال إن بعض المنشورات مكتوب بأسلوب الجدل المقبول٬ فإن من الواضح أن أعضاء المجتمعات الدينية في مصر يؤمنون باستعمال كل وسيلة لديهم لتبرير غاياتهم. وبث هؤلاء أخبارا ومعلومات ضد السادات٬ وأفراد أسرته وأصدقائه والمقربين إليه. ويبدو أن فرص التصديق تزداد كلما ازدادت بشاعة التهمة.

وروجت المنشورات لاغتيال السادات بوصفه «واجبا مقدسا»٬ كما وزعوا ما قالوا إنها «مستندات» تثبت «الخيانات» التي ارتكبها نظام الحكم. وهناك أيضا صور فوتوغرافية أجريت عليها عمليات «مونتاج» لإظهار عدد من المسؤولين في أوضاع مخجلة. وبذلت هذه الجماعات كل ما في استطاعتها لإلهاب العواطف، وتستخدم الإشاعات كسلاح قوي في «الحرب الداخلية» المصرية. والحكومة غير قادرة – بعد استفاقتها لتوها من سبات نزعة «التحرر» – علی مواجهة أعدائها في هذه الحرب التي تبدو كأنها حرب حتى النهاية.

ولا يمكن للحكومة المصرية أن تكسب هذه الحرب بأسلوب القمع٬ بل يجب عليها أن تعمل لتغيير المزاج السائد الذي يغذي هذه الموجة المتطرفة، ولا يمكن القضاء علی المزاج والنزعات السائدة بوضعها في السجون أو إطلاق النار عليها٬ ولكن يمكن مواجهتها سياسيا.

إن الاستخدام العشوائي لوسائل العنف والإرهاب لا يمكن أن يؤدي إلا إلی زيادة تدهور الموقف٬ والمتطرفون يستخدمون فعلا كل الأساليب لإسكات معارضيهم ولكسب تأييد المترددين، ويتطلب «الاختلاف في الرأي» في بعض الكليات الجامعية قدرا كبيرا من الشجاعة٬ وفي بعض الوحدات الصناعية يتعرض العمال الذين يرفضون سلوك سبيل المتطرفين للضرب أو للمقاطعة٬ كما يتعرض الأشخاص الذين يعلنون تحفظاتهم تجاه هذه الموجة إلی حرق سياراتهم أو متاجرهم. وإلی جانب ذلك، تعرض رجال الدين المؤيدون للحكومة لخطف أبنائهم ولتعرض آبائهم لطعنات في مناسبات كثيرة٬ وربما هذه الموجة جعلت فتيات كثيرات يرتدين الحجاب في الجامعة٬ وانتشرت شائعات تقول إن الفتيات اللاتي لا يرتدين الحجاب يمكن أن يتعرضن للهجوم.

وحتى إذا خرج حكام مصر في الغد يقسمون أغلظ الأيمان بأنهم «متدينون» سيستمر خصومهم في محاولة الإطاحة بهم٬ ولن تؤدي تنازلات في هذا النطاق إلی تغيير موقفهم. إن مصر تعيش اليوم حربا شديدة علی الجبهة الداخلية٬ وكلما أسرع قادة البلاد في إدراك هذه الحقيقة٬ كان ذلك أفضل لهم وللشعب المصري.

Share: