on : الجمعة, 4 Apr, 2014
Comments Off on الموروث الثقافي في التعامل مع “النساء”.. التهميش التاريخي!

الموروث الثقافي في التعامل مع “النساء”.. التهميش التاريخي!

امرأة الإجماع

الدراسة بعنوان "امرأة الإجماع"، والصورة التي وصلت إليها الباحثة من آليات الإجماع عند كل من أبي الضياف ورشيد رضا وابن الجوزي هي: "صورة تتلخص في أن المرأة عقل ضعيف، وأداة جنس، ومصدر ارتياب، وهي أوجه ثلاثة منسجمة ومتجانسة ومتناسقة، ولها فيما بينها علاقة منطقية، إلا أن الوجه الأساسي الذي يتفرع عن الآخرَين هو أن المرأة جسد جنسي جعل (ليشبع به الرجل شهوته)".

كثيرًا ما يشغل المجتمع السعودي العلاقة بين الجنسين، مدى الظلم الذي تتعرض له المرأة، وطبيعة العلاقة الإنسانية بمستوياتها المختلفة، البعض ينظر للعلاقة بأنها محكومة فقط بالشروط الدينية، وأن ما تواجهه النساء من قيود وحرمان للحقوق هو ليس ظلمًا بل تكريمًا، البعض الآخر يعزو المسألة لمجرد التشدد في تطبيق التنظيمات الشرعية للعلاقة، هنالك أيضًا من يعزو إنزال المرأة في رتبة القاصر دائمًا هي تعود إلى البيئة الاجتماعية المحافظة، والتي تختلف من منطقة إلى أخرى، العلاقة بين الجنسين هي علاقة إنسانية يؤثر فيها كل ما سبق، الدين والبيئة التاريخية للمجتمع والثقافة والعلم، هي علاقة يمكن تتبعها كمشترك في جميع التاريخ الإنساني.

تقول الباحثة التونسية “لطيفة الأخضر” في كتابها (امرأة الإجماع): “إن ما يمثل هواجسي هو العلاقة بين الجنسين، لا كمجرد شعور بوجوب اهتمام نسوي بتاريخ النساء، وإن هو شعور مشروع خاصة أمام استقالة تلك العقول الذكية أمام المسألة، بل كهاجس في تتبع تاريخ المظالم… إن أخطر أنواع الظلم وأعمقها جذورًا داخل المجتمعات هي تلك التي تندس داخل المعرفة؛ فيتضخم هولها باندماجها داخل هذه السلطة الضروس، وهو بالذات ما تتعرض له العلاقة بين الجنسين في التاريخ الديني للإسلام”.

ترى الباحثة أن الثقافة الإسلامية لا تزال مشدودة بحاضرها إلى الماضي في علاقة أشبه ما تكون تعبدية، كما لو أن المسلمين اليوم يتعبدون مسلمي الأمس في كل شؤونهم، بينما استمر العقل الأوروبي في نقد ذاته وثقافاته السابقة بكل مرحلة من مراحله ولم يزل، النقد الأوروبي هو العين التي لا تنظر إلى الماضي سوى لاستيعابه ودمجه في عملية متواصلة لتحسين الحاضر.

نفهم من الأخضر أن العلاقة التعبدية من الحاضر للماضي الإسلامي جعلت من المرأة أحد الرموز القوية لترسيخ فكرة التواصل التاريخي، إن الأريحية التي تواجه الأحكام الظالمة للمرأة هي بسبب عملية إعادة إنتاج نفس المعاني القديمة، وبتكرار لا يتوقف؛ لأن هذا التكرار هو ما يوفر هذه الأريحية والقبول للظلم، واعتباره طبيعيًّا بل شرعيًّا أيضًا.

في قضية المرأة يتمثل انتفاء الجدلية بين القديم والحديث من خلال ثلاث شخصيات دينية وتآليفهم الشرعية، تتناولهم الدراسة تحت عنوان: تعبيرات الإجماع وإجماع المعبرين، تعود كل من هذه الشخصيات إلى زمان وتاريخ مختلف ومناطق جغرافية وثقافية مختلفة أيضًا، هي ابن الجوزي، وكتابه: (أحكام النساء)، وابن أبي الضياف ورسالته الشهيرة (في المرأة)، ورشيد رضا في (تفسير المنار).

هنالك عامل خطير نفهمه من هذه الشخصيات الثلاث، هو هيمنة النفوذ الرجالي في إطار تسيير العلاقة بين الجنسين، فابن أبي الضياف (مواليد 1802) لم يختلف في رسالته عن كتاب أحكام النساء لابن الجوزي في القرن الخامس للهجرة، وما ذهب إليه رشيد رضا في تفسير المنار ظل أيضًا على نفس الانغلاق الفكري فيما يخص قضية المرأة، الضياف الذي عاصر التجديدات الدستورية والقانونية، وتفاعل مع التأثيرات الليبرالية الغربية إذ كان يؤيد الملكية الدستورية، عوض ذلك برسالته المتشددة في المرأة، بشكل يعبر عن الانفصام في الوعي الإصلاحي الإسلامي حينها، وفي الحقيقة هو تمامًا ما يمكن أن يسقط اليوم على المشهد السعودي، حيث المطالب الإصلاحية السياسية التي تدعو إلى تقدمية في الحكم السياسي تذهب إلى رجعية واضحة في الحكم الاجتماعي، وهو حكم الرجال على النساء، فالعلاقة الديمقراطية المنشودة لا تراد إلا في مجال واحد، يحكم تداول السلطة السياسية، بينما لا يراد لأحد أن ينشدها ضمن الفضاء الاجتماعي؛ لأن أحدًا لا يريد تعديل أوضاع النساء بما يسلب الرجل الكثير من سلطاته، ويشذب من قوته غير الشرعية.

كتاب "إمرأة الإجماع" للباحثة التونسية لطيفة الأخضر

كتاب “إمرأة الإجماع” للباحثة التونسية لطيفة الأخضر

التهميش التاريخي الذي تعرضت له المرأة،احتد خاصة بحكم المرور من الصفة القبلية البدوية، إلى الصفة الإمبراطورية التي أصبح عليها المجتمع الإسلامي

الدراسة بعنوان “امرأة الإجماع”، والصورة التي وصلت إليها الباحثة من آليات الإجماع عند كل من أبي الضياف ورشيد رضا وابن الجوزي هي: “صورة تتلخص في أن المرأة عقل ضعيف، وأداة جنس، ومصدر ارتياب، وهي أوجه ثلاثة منسجمة ومتجانسة ومتناسقة، ولها فيما بينها علاقة منطقية، إلا أن الوجه الأساسي الذي يتفرع عن الآخرَين هو أن المرأة جسد جنسي جعل (ليشبع به الرجل شهوته)”.

فالضياف الرجل المكلف بتحرير القانون في بلده، يقول: إن الله لما أمر الزوجة بطاعة زوجها ناسب أن يدفع لها من المال ما تعرف به أنه ملك عصمتها لترى نفسها كالمملوكة له، بينما ابن الجوزي الحنبلي العالم في مذهبه، والمكلف من الخليفة العباسي بالمجالس الوعظية، والتفتيش عن صفاء العقيدة بين الناس، يقول: إنه ينبغي على المرأة أن تعرف أنها كالمملوك للزوج، فلا تتصرف في نفسها ولا في ماله إلا بإذنه، وتقدم حقه على حق نفسها.
هذه الاقتباسات ليست إلا جزءًا من كتب ضخمة لا تزال تتداول وتدرس ويتربى عليها أجيال عديدة، فليس من المستغرب أن يكبر الأولاد ويصبحوا رجالاً يرون في علاقتهم بالمرأة مثلما يرى ابن الجوزي، دون أن يكون للعشرة قرون أي أثر في تغيير الفكر، فتداول معرفة من القرن الخامس دون أي تمحيص أو نقد يعني تمامًا العيش بنفس منطق وثقافة تلك السنوات بكل ظروفها.

في فترة قريبة أصبحت بعض النساء على وعي بمعنى الفقه الذكوري، والباحثة التونسية تشير في كتابها أن الحديث هو عضد هذا الفقه، أي أنه سلطته في الحجة، وبينما وقف الصحابة الأوائل؛ أبو بكر وعمر ضد تدوين الأحاديث النبوية؛ لعلمهم بالكذب الذي بدأ يلحق النبي عليه الصلاة والسلام، لم تقف كتب الصحاح لما وقفوا عنده، والمفارقة التي تظهر بشدة هنا هي أن الكتب الكبيرة للأحاديث الموضوعة تكاد تخلو إلا من عدد ضئيل من الأحاديث التي تخص المرأة، وكأن الاحتياط لصحة الحديث يضعف عندما يصبح الأمر يهم النساء، أو كما تقول الأخضر كأن -الوضع/ الكذب- في شأن المرأة يصبح حقيقة.

ومن ذلك خدمة القرآن الكريم وطباعته بأفضل الطرق وأدقها، وحماية النص الديني من التحريف والتشويه، لكن التحريف لن يكون حرفيًّا فقط، فإن أهم ما يجب دفعه عن القرآن الكريم هو استغلال خطابه كبرنامج سياسي وتشريعي، يلوح به البعض تمامًا كما فعل الخوارج، والخوارج اليوم ليسوا حركة سياسية فقط، بل حركة اجتماعية تمارس ابتزازها للنساء المسلمات بالخطاب القرآني، وكأن المرأة قاصرة عن قراءته وفهمه، هذا الابتزاز الذي يريد أن يحجم المرأة ككائن جنسي لا كإنسان مكلف وكامل الحقوق والواجبات، الدينية والاجتماعية.

تختم لطيفة الأخضر دراستها أنه “يتبين تضخيم الجنسي وتقلص الاجتماعي بالنسبة للمرأة وهو ما يفسر -في جزء كبير- التهميش التاريخي الذي تعرضت له، والذي احتد خاصة بحكم المرور من الصفة القبلية البدوية، إلى الصفة الإمبراطورية التي أصبح عليها المجتمع الإسلامي في العهود التي تلت إلى حدود القرن العشرين مع الإمبراطورية العثمانية، وهو مرور وطّد في الحقيقة، قبضة الرجل على السلطة، ودعم توظيف أقلام العلماء والفقهاء لوضع كل الضمانات الشرعية لدوامها على أساس توازن يسجن المرأة ويضعها في دائرة التهميش، وعلى أساس تطوير عقلية السرايا تجاهها، وقد غذى انزواؤها هذا في عالم الحريم مثلما غذت الأحكام الشرعية التي خصت بها، مخيالاً اجتماعيًّا يحمل صورة شيطانية عنها، ويخدم عملية تهميشها، ويلعب موضوعيًّا دور الحجة التي تبرر وضعها الدوني، ويساهم في تكبيلها بالمراقبة والكبح”.

Share: