on : الثلاثاء, 25 Mar, 2014
Comments Off on علي الوردي.. عالم الاجتماع الذي أصبح صديقًا للعامة

علي الوردي.. عالم الاجتماع الذي أصبح صديقًا للعامة

زمن البحث والتروي

في ذكرى مرور مئة سنة على مولده، لا بد لنا من وقفه نستذكر فيها عالم الاجتماع العراقي "علي الوردي" هذا العالم من أبرز الأسماء التي تركت بصمة مهمة في "علم الاجتماع". هو الذي ورث عن ابن خلدون حبّه لعلم الاجتماع، وكان تأثره به جليًّا وواضحًا في التركة التي خلفها وراءه من المؤلفات، والتي هي كنز لا يجب إغفاله خصوصًا في عالمنا العربي. هذا العالم الذي يحتاج إلى وقفة جادة ليفهم نفسه أولاً، وليعي الطريقة الصحيحة التي يجب أن يسير عليها ليتخلص بشكل حقيقي ونهائي من كل القشور التي تعيق تقدمه الفعلي.
العالم العراقي علي الوردي

العالم العراقي علي الوردي

لم تكن مؤلفات علي الوردي -على اختلافها- تخص المجتمع العراقي وحده فحسب، بل هي تصلح لأن تقاس على جميع المجتمعات العربية، خصوصًا إذا ما أبحرنا في كتابه “شخصية الفرد العراقي”، “ووعاظ السلاطين” و”مهزلة العقل البشري”. وهنا أرفق مقطعًا من مقاله المطول بعنوان “طبيعة المدنية” والذي تناول فيه طبيعة المجتمع البشري ككل، ومما جاء فيه: “إن المجتمع البشري لا يستطيع أن يعيش بالاتفاق وحده، فلا بد أن يكون فيه شيء من التنازع أيضًا لكي يتحرك إلى الأمام. والقدماء حين ركزوا انتباههم على الاتفاق وحده، إنما نظروا إلى الحقيقة من وجهة واحدة، وأهملوا الوجه الآخر، فهم بعبارة أخرى: قد أدركوا نصف الحقيقة، أما النصف الآخر منها فبقي مكتومًا لا يجرأ أحد على بحثه.
إن الاتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضًا؛ فاتحاد الأفراد يخلق منهم قوة لا يستهان بها تجاه الجماعات الأخرى، وهو في عين الوقت يجعلهم عاجزين عن التطور أو التكيف للظروف المستجدة، وقد أثبتت الأبحاث الاجتماعية أن المجتمعات البدائية التي تؤمن بتقاليد الآباء والأجداد إيمانًا قاطعًا فلا تتحول عنها تبقى في ركود وهدوء، ولا تستطيع أن تخطو إلى الأمام إلا قليلاً”.

صديق العامة

ولعل أهم ما يميز الوردي عن غيره من علماء الاجتماع هو قربه من العامة حين يخاطبهم، خصوصًا وأنه يخوض في أحد أبرز وأصعب الحقول التي يمكن أن تناقشها مع العامة، فنراه يضع مفاهيم التحليل النفسي بأسلوب قريب ومبسط للشخص العادي، الأمر الذي فاجأ الكثير من المثقفين، وكيف أنه نجح في تبسيط هذه المصطلحات إلى هذا الحد.

الوردي الذي اشتهر بتقربه من عامة الناس، كان يختلط بهم، ويستمع إلى حكاياتهم، حتى إنه اتهم من قبل بعض المثقفين والنقاد بعدم الموضوعية، وجاء ردُّه في أحد حواراته المتلفزة على هذا القول: “الموضوعية أن لا تكون متحيزًا لأي مبدأ من المبادئ.. علم الاجتماع الحديث هو أن تذهب إلى الناس، وتجلس معهم، العلم لا يُؤخذ من الكتب فقط وإنما أن تذهب إلى الناس وتكتشف ما في ميولهم وأفكارهم وعقائدهم وخرافاتهم، وتسجلها بعد تصنيفها ووضعها في الموقع اللائق بها”.

وليس غريبًا بعدها أن نعرف كيف بسط الوردي علم الاجتماع لعامة الناس، وكيف نجح في ذلك، فبدون كل هذا القرب لم يكن لينجح في فهم طبيعة الفرد العراقي. لم يجلس الوردي في برج عالٍ ولم يكتفِ بملء المكتبات بإصداراته كما يفعل الكثيرون، فكان اندماجه وقربه من الناس من أهم عوامل نجاحه، وهذا ما أورده في كتابه “وعاظ السلاطين”، حين قال: “إن المفكرين العرب قد حلّقوا في سماء الوعظ كثيرًا، فلم يقربوا أسلوب وعظهم من أسلوب الواقع الذي يعيش الناس فيه، وبهذا أصبحت هناك فجوة واسعة بين واقعية الحياة ومثالية الفكر عندهم”. ولعل من أطرف ما يمكن الإشاره له حين نتذكر الوردي هو إهداؤه الذي خطه على كتابه “مهزلة العقل البشري” بعنوان: “إهداء وحذر” وفيه يقول: “أهدي هذا الكتاب إلى القرّاء الذين يفهمون ما يقرأون، أما أولئك الذين يقرأون في الكتاب ما هو مسطور في أدمغتهم فالعياذ بالله منهم. إني أخشى أن يفعلوا بهذا الكتاب ما فعلوه بأخيه في (وعاظ السلاطين) من قبل؛ إذ اقتطفوا منه فقرات معينة وفسروها حسب أهوائهم، ثم ساروا في الأسواق صارخين.. لقد آن لهم أن يعلموا أن زمان الصراخ قد ولَّى، وحلَّ محله زمان التروي والبحث الدقيق”.

ومن أمثلة الأسلوب المبسَّط الذي اتبعه الوردي نورد هذه القصة التي ذكرها في كتابه “مهزلة العقل البشري” : “قيل إن شخصًا علَّم القطط أن تحمل الشموع له على مائدة الطعام، فجاء أحد ضيوفه وهو يحمل في جيبه فأرًا ثم أطلقه على المائدة، وسرعان ما انطلقت القطط وراءه، ورمت الشموع على المائدة لتحرقها وتحرق من كان يأكل منها. إن الذي يريد أن يغيّر طبيعة الإنسان بواسطة الموعظة والكلام المجرد لا يختلف عن هذا الذي علّم القطط حمل الشموع، فالناس يستمعون له ويتأدبون أمامه ويسيرون بين يديه بوقار كأنهم أنبياء، ولا تكاد ترمي إليهم بشيء ثمين حتى ينطلقوا وراءه متكالبين، إذ ينسون ماذا قال لهم الواعظ وبماذا أجابوه”.


كتاب "مهزلة العقل البشري" لعلي الوردي

كتاب “مهزلة العقل البشري” لعلي الوردي


من أقوال علي الوردي الشهيرة:
– ” كلما اشتد اعتقاد إنسان بأنه حر في تفكيره زاد اعتقادي بعبوديته الفكرية”.
– “إن قولك للظالم أن يكون عادلاً كقولك للمجنون أن يكون عاقلاً، فالمجنون يعتقد أنه العاقل الوحيد بين جميع الناس”.
– “لقد دأب الناس على الاستهانة بكل أمر جديد، إذا كان مخالفًا لتقاليدهم ومعتقداتهم القديمة. ولكنهم لا يكادون يعتادون عليه حتى يتعصبون له مثلما كانوا يتعصبون ضده قديمًا”.

ولم يخلُ أسلوب الوردي في مؤلفاته من الطرافة، ومن خلالها كان يمرر الرسائل التي يريدها فيما يكتبه، ومنها بعض الحكايات الطريفة التي جاءت في كتابه “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي”، حيث يقول: “عندما كنت في الولايات المتحدة لاحظت أن الناس هنالك يفعلون عكس ما نفعله نحن تجاه الهدية؛ فالفرد منهم إذا أهديت إليه هدية، مهما كانت تافهة، وجب عليه أن يبدي فرحه بها، ويذكر مبلغ أهميتها له أنه يقول ذلك من باب المجاملة، وربما رمى الهدية بعدئذ في سلة المهملات، وهو عندما يدعى إلى طعام لا يتوقع من صاحب الدعوة أن يلح عليه في تناوله، حدث لي ذات مرة، في بداية عهدي بالحياة الأمريكية، أني زرت بيتًا، وكان صاحب البيت يتناول عشاءه، فدعاني إلى مشاركته في الطعام، والواقع أنني كنت آنذاك راغبًا بالطعام، ولكنني كنت أتوقع من صاحب البيت إلحاحًا وإصرارًا حسبما اعتدت عليه في العراق، فأخذت أتمنع وأتعزز من غير جدوى، ولم أحصل منه إلاّ على السكوت، وقد فاتني من جراء ذلك طعام لذيذ”!

من كاظمية بغداد أبصر النور

عالم الاجتماع والمؤرخ علي الوردي أبصر النور في حي الكاظمية في بغداد عام 1913 حيث كان مولده، اسمه علي حسين محسن عبد الجليل الوردي. لقب بالوردي نسبة إلى طبيعة عمل جده، والذي كان يعمل في مهنة تقطير ماء الورد. انشغل بالقراءة والبحث والمطالعة منذ نعومة أظفاره، الأمر الذي كان يميزه عن بقية زملائه من الطلاب، وعيه المبكر جعله يترك ما يسمى حينذاك “بالكُتّاب” ويبدأ العمل في أحد محال العطارة، ولكن العلم والشغف به كان سببًا في فقدانه لوظيفته بسبب انشغاله الدائم بالقراءة، وبعد هذه التجربة العملية عاد إلى مقاعد الدراسة، ولكن هذه المرة لم يعد للكُتاب وإنما التحق بإحدى المدارس المنتظمة، ونجح في إكمال دراسته الثانوية لينخرط بعدها في سلك التعليم، وبسبب تفوقه في تحصيله العلمي حصل على منحه مكنته من مواصلة تعليمه في الجامعة الأمريكية في بيروت، ومن هناك حصل على منحة أخرى حصل من خلالها على درجة الماجستير ثم الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية، وشهد له رئيس الجامعة حينها بالقول : “أيها الدكتور الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع”… وهكذا كان.

عاد الوردي بعد هذا النجاح إلى العراق وانخرط في العمل الأكاديمي، وانصبت جهوده بعد ذلك في البحث والتأليف. أكاديميًّا عُيِّن في وزارة المعارف كأستاذ في الإعدادية المركزية في بغداد، ومن ثم أستاذًا لعلم الاجتماع في كلية الآداب في جامعة بغداد عام 1950، ومن بعدها طلب أن يحال على التقاعد، وتم له ما أراد، وبعدها حصل على لقب أستاذ متمرس من جامعة بغداد.

ترك علي الوردي خلفه إرثًا قيمًا من الإصدارات وهي: (مهزلة العقل البشري)، (وعاظ السلاطين)، (خوارق اللاشعور – أو أسرار الشخصية الناجحة)، (هكذا قتلوا قرة العين)، (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)، (الأحلام بين العلم والعقيدة)، (منطق ابن خلدون)، (قصة الأشراف وابن سعود)، (أسطورة الأدب الرفيع)، (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي)، (شخصية الفرد العراقي)، هذا بالإضافة إلى أكثر من 150 بحثًا مودعة في مكتبة قسم علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة بغداد.

غاب العالم علي الوردي عن الحياة عام 1995 بعد صراع طويل مع مرض السرطان، وفي ذكراه نتساءل: ماذا لو كان لا يزال على قيد الحياة، وشهد ما نشهده في عالمنا العربي من تشتت وضياع؟! ماذا سيكون موقفه، وما الحل الذي سيقترحه لانتشال العالم العربي من خريفه بعد أن ظنّ كل الظن أنه عاش ربيعًا؟!

Share: