on : الجمعة, 21 Mar, 2014
1

إيران وعُمان: لقاء بين عمامتين

لقاء يجمع بين الرئيس الإيراني روحاني سلطان عمان

لقاء يجمع بين الرئيس الإيراني روحاني سلطان عمان

لا أكتب في هذه المدونة عن العلاقات بين جمهوريَّة إيران وسلطنة عُمان، خلال زيارة الرَّئيس الإيراني إلى عُمان الأخيرة، أو زيارة سُلطان عمان إلى إيران السَّابقة، مع تفاؤل في أن يسود المنطقة نوع من التفاهم، على اختلاف الأنظمة سياسيًّا ومذهبيًّا. إنما أكتب ما خطر على ذهني مِن التَّاريخ، أقصد تاريخ الملل والنِّحل، وأنا أرى العمامتين تتعانقان، ولو كانت الأزياء غير ذلك ما جذبني المشهد للكتابة.

كيف تمكنت العمامة العُمانيَّة مِن الصُّمود مقابل زحف العِقال والكوفية، وكيف أنها لم تُهزم أمام التَّاج، الذي وضعه الملك فيصل الأول (ت 1933)، ملك سورية أولاً ثم العِراق، على رأسه محل عمامته. بينما احتفظ أخوه الملك عبد الله الأول (اغتيل 1951) بعمامته مقابل تاج أخيه، المتأثر بأوروبا! وكيف ظل السُّلطان العثماني محتفظًا بعمامة الخلافة، وقيل كانت كفنه في ساحات الحرب، أو عندما يموت يُكفن بها.

كيف غاب التَّاج الإيراني وحلت محله العمامة، وهي بحاجة إلى أجواء التَّواضع، ومنها الجلوس على الأرض، لأنها عند علماء الدِّين غير السِّياسيين رمز للدِّين لا للحكم والقيادة السِّياسية، فلابد لمعتمرها وهو في الحكم التقيد بطباعها، إلا أن آية الله علي خامنئي خرج عن هذا الطبع وأخذ يقعد على الكرسي، ولا أدري ربَّما لسبب صحي ما.

العقال في العراق القديم

العقال في العراق القديم

كنت قد استغربت مِما حدثني به الشَّاعر والأديب العراقي محمد جواد الغبان (ت 2012)، وحرص أن يكون الحديث همسًا بيننا وكأنه سرٌّ مِن الأسرارِ، وأوصاني ألا أذيعه بالأسماء، عندما كان يزور أحد مراجع الدِّين بالنَّجف، وقد شعر الأخير أن الشّاعر عنده مشكلة صحية في الجلوس على الأرض، مثلما هي حياة المرجع، فأمر بكرسيين وقعدا متقابلين. قال لي كان ذلك تعبيرًا عن تقديره الخاص له، وهذا ما لا يفعله المرجع نفسه مع الآخرين.
على أية حال، حاولت -مِن قَبل- تتبع انتشار العِقال والكوفيَّة وتاريخهما، فلم أجدهما بين الأزياء العباسيَّة مثلاً، ولا بين أزياء أهل بغداد في القرون التي تلت العباسيين، وقد قرأت للباحث العراقي محمد رجب السَّامرائي كتيب “غطاء الرَّأس في التُّراث الشَّعبي العربي”، ومنه فهمت تبدله من مجتمع إلى آخر.

لكن لماذا اشتركت إيران، غير العربية، مع العرب في العمامة، ولم تتأثر بالعِقال والكوفيَّة؟ وهل الأخيران كانا رمزًا العروبة، أم أن تاريخ رمزها في العمامة؟ فقد قرأت لابن هشام (ت 213 هـ): «إن علي بن أبي طالب قال: العمائم تيجان العرب. وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائمَ بيضًا قد أرخوها على ظهورهم إلا جبرائيل فإنه كانت عليه عمامة صفراء»(السِّيرة النَّبوية). أتينا بهذا لدلالة على قيمة العمامة عند العرب وليس بالضرورة أن تكون ضمن ثياب الدِّين، وهو من الأساس ليس هناك في الإسلام الأول ثياب دينية.

هنا تأتي وحدة الدِّين، وليس لي عِلم ماذا كانت الأقوام الإيرانية تعتمر على الرؤوس قبل الإسلام؟ قد نفهم أن العِقال صار عربيًّا فوقف على تخوم المناطق غير العربية بإيران، فعشائر الأحواز مازالت تعتمر العِقال، لكن كيف وقف العِقال على حدود سلطنة عُمان ولم يدخلها! بينما أن أهل الإمارات تحولوا عن اعتمار العمائم وكانوا قديمًا لا يعتمرون سواها، مع أنهم مازالوا يعتمرونها، لكنها في الطَّريق إلى الانحسار أمام العِقال.

أرى أن العقال والكوفيَّة أقدم مِن العمامة، وبدايتهما كانت عراقيَّة، ذلك إذا نظرنا في تمثال سومري أو أكدي، يعود لرجل من ذلك الزَّمان، يعتمر على رأسه العقال والكوفيَّة، ويغلب على الظَّن أنهما استخدما لمواجهة الأجواء المشمسة بجنوب العراق، وعادة يحتاج الغطاء إلى مُثبت على الرأس، فكان الخيط الذي تحول إلى عِقال، ومثلما صارت العِمامة رمزًا للوجاهة والرتبة الدِّينية صار العِقال رمزًا للشرف والكرم. هكذا تبدأ الأشياء لسد حاجة، ثم تتحول مع الزَّمن والتَّعود إلى رموز. أرى العِقال السُّومري مثل العجلة غابت لقرون وقرون ثم ظهرت في الاختراعات الأوروبية، وهو الآخر ظهر على الرؤوس ولا ندري كيف؟ لكن العمامة التي هي الأخرى تظهر في تمثال سومري ظهرت على الرُّؤوس، وتحولت إلى رمز ديني ليس للمسلمين إنما لبقية الأديان، يعمرها الخامات والقساوسة، شيوخ الصابئة المندائيين وتسمى بلغتهم الدِّينية “برزنقا”، كجزء مِن اللباس الدِّيني “الرستا”.

كيف تمكنت العمامة العُمانيَّة مِن الصُّمود مقابل زحف العِقال والكوفية، وكيف أنها لم تُهزم أمام التَّاج؟! كيف غاب التَّاج الإيراني وحلت محله العمامة، وهي بحاجة إلى أجواء التَّواضع، ومنها الجلوس على الأرض، لأنها عند علماء الدِّين غير السِّياسيين رمز للدِّين لا للحكم والقيادة السِّياسية

لم أقرأ كتابًا عن تاريخ العِقال والكوفية، أو الغترة، التي انحسرت أمام اللباس الأوروبي، بالعراق منذ الأربعينيات، ثم عادت بقوة. أما العمامة فمن غير ما أجده في كتب التراث قرأت “دفع الملامة في استخراج أحكام العمامة” لأبي المحاسن جمال الدِّين المعروف بابن المُبرد (ت 909 هـ)، و”العمامة” من إعداد سعود بن عبد الله الرُّومي (نشر المهرجان الوطني للتراث والثّقافة- الرياض).

العمامة في العراق القديم

العمامة في العراق القديم

لمحمد مهدي الجواهري (1997) في العِقال، وهو الذي خلع العمامة ولم يضع العِقال على رأسه، مثلما فعل معروف الرَّصافي (ت 1945) في أواخر حياته. قال الجواهري في “المقصورة” (1947) منتقدًا بعض نواب البرلمان من معتمري العِقال والكوفية: “وتلك الشَّراشيفُ كالياسميـ/ ن تاهَ العِقالُ بها وازدهى/ تدلتُ عناقيدُ مثل الكروم/ على كتفيْ يابس كالصَّوى/ يودُّ مِن التَّيه لو أنه/ يشدُّ بها جرسًا إن مشى”(الدِّيوان).

تلك الفكرة الأولى، أما الفكرة الثَّانيَّة التي استوحيتها مِن اللقاء الإيراني العُماني، واستهللت بها المدونة، فهي بداية التّأسيس المذهبي، ويعود وجود الإباضيَّة إلى القرن الأول الهجري، وجاء الاسم نسبة إلى عبد الله بن إباض (ت 86 هـ)، والبداية كانت في معركة صفين، وهم عدوا في كُتب الملل والنِّحل مِن فرق الشُّراة، لكنهم اختلفوا عن الأزارقة والنَّجدات، ويقولون هم الأصل في ذلك الموقف، وكانت نشأتهم الفكرية والمليَّة بالبصرة، وصار ذلك جزءًا من العلاقة بين شواطئ عُمان وشواطئ البصرة عبر الماء. فابن إباض كان بصريًّا، والعديد مِن وجهاء الأزد، ومنهم إمامها الأول جابر بن زيد الأزدي المشهور بأبي الشَّعثاء (ت 96 هـ)، وأصل الأزد عُمان، ولعب الأزديون أدوارًا في ثقافة البصرة وسياستها، وأخذوا منها وأخذت منهم، ومالت الإباضية إلى مقالات عقلية، وفي الفروع أخذ مسائل الإمام العراقي أبي حنيفة النُّعمان (ت 150 هـ)، وهنا يلتقي بالزيدية، مِن ناحية مقالات الاعتزال ومسائل الفقه.

بهذا كم يكون الزَّمن فاعلاً في نسيان الفروق القديمة، فإذا عدنا إلى صفين (37 هـ) وما حصل بين الشُّراة والإمام علي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ)، ثم كيف تبنى الشيعة الإماميَّة الجعفريَّة التي عليها إيران، فكرة الأئمة الاثني عشر، والأول علي بن أبي طالب، نجد اللقاء، على تلك الأسس مستحيلاً، لكن أن يُجفف التَّاريخ إلى حدٍّ لا يُستغل في علائق الحاضر، هو الطَّريق القويم. أقول: كم مِن المعارك والمذابح حصلت بدواعي الماضي السَّحيق، فعند الطائفيين قد يُفسر شجار طفلين مِن أسرتين مختلفتين مذهبياً، بأنه بين الحسين ويزيد؟ هذه مجرد خاطرة، وأنا أحدق بين العمامتين الإيرانيَّة والعُمانيَّة، والأولى دينية والثَّانية تراث وتقليد متوارث.

غير أن إيران التي عادت إلى العمامة عن طريق الجمع بين الدِّين والسِّياسة، جعلت تقدم هذه البلاد، في المجال الفني والاجتماعي التحرري، خلفها، وهي العريقة به، بينما لم تخلع عُمان عمامتها، وبدأت نهضتها منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، وأخذت تفتح آفاقها على عصر جديد ملحوظ في مدنها مضاهاة لمدن راقية التَّنظيم وظاهرة التَّحضر، لم أرها لكني قرأت وسمعتُ عنها. بالمعادلة نفسها ظل العِقال والكوفية عندنا -نحن أهل العِراق- مقترنَين بالعشائريَّة وأعرافها وترييف المدن، بينما بلدان أُخر اعتمر رجالها العِقال والكوفية وانطلقوا إلى الأمام، إلى درجة خططت ونفذت ما عُرف بالمدن الذكية. أقول: لا أظن العِلة في غطاء الرأس إنما في الرَّأس نفسه.

Share: