Written By :
on : الخميس, 6 Mar, 2014
Comments Off on مستقبل كوكب الأرض

مستقبل كوكب الأرض

يطلق أستاذ علم الاجتماع في جامعتي ميونخ ولندن “أولريش بك” (ألماني) وصف مجتمع المخاطرة العالمي بناءً على العلاقات والقيم والأفكار العالمية التي بدأت تتشكَّل في مواجهة الأخطار العالمية غير المرتبطة بدولة، والتي لا يمكن السيطرة عليها أو إدارتها من خلال الحكومات وإدارات الحدود، ولا يمكن التعويض عن الأضرار الناتجة عنها، ومن أمثلة هذه المخاطر: التغير المناخي الناتج عن أنشطة إنسانية، وبخاصة الصناعات والنقل التي تطلق كميات كبيرة من الغازات تؤدي إلى رفع حرارة الأرض، أو الإضرار بطبقة الأوزون في الجو، والإرهاب العالمي غير المرتبط بدولة أو مكان والذي يستخدم وسائل وأساليب يصعب معرفتها أو توقعها مثل العمليات الانتحارية، وبالطبع فقد كان أهم مثال على ذلك تدمير برجي مركز التجارة العالمي في 11 أيلول سبتمير/2001، والأزمة المالية العالمية التي تشمل معظم إن لم يكن جميع الأسواق والأنشطة المالية والاقتصادية في العالم.

[review]

ارتبط المفهوم السوسيولوجي للمخاطرة بأولريش بيك بسبب كتابه الذي ظهر بعنوان “مجتمع المخاطرة” عام 1986 ثم أصدر المؤلف عام 2006 كتاب “مجتمع المخاطر العالمي: بحثا عن الأمان المفقود”، مشيرًا في المقدمة إلى أن ما كان يبدو مبالغًا فيه قبل عشرين عامًا أصبح أمرًا واقعًا ومحسوسًا، ولحسن الحظ فإن الكتاب ترجم إلى العربية (2013) ضمن أعمال ومنشورات المركز القومي للترجمة في مصر، وبالتعاون مع المركز الثقافي الألماني.

يقول “أولريش بك”: إن المجتمع الصناعي بدأ بالاندثار مفسحًا المجال لمجتمع جديدة تسوده الفوضى، وتغيب فيه أنماط الحياة المستقرة ومعايير السلوك الإرشادية، وأصبحت دلالة المخاطرة اليوم شديدة الآنية والأهمية في لغات التقنية والاقتصاد والعلوم الطبيعية، وكذلك في لغة السياسة، وتنطبق هذه المبالغة العلنية والتهويل من شأن المخاطر على تلك العلوم الطبيعية في المقام الأول مثل علم الجينات البشرية، وطب الإخصاب، وتكنولوجيا النانو، والتي حتى الخيال الثقافي نفسه قد تم تجاوزه من خلال سرعة تطور هذه العلوم، وبناء عليه تصبح المخاطرة موضوع تعريف ووساطة يجب في ظله إخضاع تقسيم العلم في المجتمعات المتقدمة إلى المساومة والمفاضلة مجددًا بين العلم والسياسة والاقتصاد.

ينشأ الاستهتار والمبالغة بشأن المخاطرة بسبب فشل وشروط حسابها ومعالجتها مؤسسيًّا إلى حد ما، وينشأ مناخ أخلاقي جديد تلعب فيه القيم الثقافية التي تختلف من بلد إلى آخر دورًا محوريًّا، وكلما زاد تغلغل القيم في العلوم والتكنولوجيا قلَّ سريان سلطة الخبراء، وتكتسب البرلمانات ووسائل الإعلام والحركات الاجتماعية والحكومات والفلاسفة ورجال القانون والأدباء حق المشاركة في إبداء الراي.

وتستند ديناميكية مجتمع المخاطرة إلى الافتراض الذي يجعلنا نضطر اليوم وفي المستقبل للعيش في عالم مخاطر لم تكن موجودة من قبل، إلا أننا نعيش في عالم يجب أن يتخذ قرارًا بشأن مستقبله وفقًا لشروط عدم الأمان المصطنع والمصنع ذاتيًا.

القوة المدمرة للخطر

يتمتع الخطر بنفس القوة المدمرة للحرب، وسنصبح أعضاء في جماعة مخاطر عالمية، ولم تعد شأنا داخليًّا لدولة ما كما أن أية دولة لا يمكنها أن تحارب الأخطار وحدها، والعلم لا يقلل بالضرورة من حجم المخاطرة بل يزيد حدة الوعي بها، ويجعل المخاطر تبدو واضحة للعيان بشكل جماعي ومنظم.

وفي مواجهة وتوقع المخاطر العالمية (مثل البيئة والتغير المناخي والإرهاب والأزمة المالية) يتغير مفهوم المجتمع في القرن الحادي والعشرين، يمكن وصف هذا التغير بـ “عدم اليقين” واللحظة اللاقومية، وهما مفهومان يشيران إلى تحول هائل وشامل في المجتمع، وهناك تحول ثقافي عام يحدث؛ إذ ينشأ فهم آخر للطبيعة وعلاقتها بالمجتمع، وكذلك فهم أنفسنا نحو الآخرين والعقلانية والمجتمعية والحرية والديمقراطية والتشريع، والفردية، ويكون مطلوبًا (وينشأ بالفعل) أخلاقيات مسؤولية على مستوى كوكب الأرض جديدة موجهة بحسب المستقبل، وتخلق هويات جديية وقوانين ومؤسسات دولية في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وقد بدأن بالفعل (يقول أولريش بك) في بداية القرن الحادي والعشرين نرى المجتمع الحديث بعيون أخرى، بفعل النظرة المستمدة مما هو غير متوقع، والمنبثق عنها مجتمع مخاطرة عالمي غير محدد، ولكن أصبح القلق بشأن الكل مهمة الجميع، إذ لم يعد ممكنًا التفكير في المجتمع والسياسة والتاريخ بشكل محدد قوميًّا ومرتبط بمناطق اختصاص.

4

مجتمع المخاطر العالمي: بحثًا عن الأمان المفقود
تأليف: أولريش بيك
ترجمة: علا عادل، وهند إبراهيم، وبسنت حسن
المركز القومي للترجمة (القاهرة) ط1، 2013
436 صفحة
لا يحاول “أولريش بك” حصر المخاطر الممكنة للمجتمع العالمي نمطيًّا وتحديد أماكنها، ولكنه يتوسع في نظرية المخاطرة من خلال منظور العولمة وإجراء عمليات سيناريو وتصوير وإخراج لهذه المخاطر، والمقارنة المنطقية للمخاطرة وبخاصة المخاطر الإيكولوجية والاقتصادية والارهاب.

وفي الحديث عن مجتمع المخاطر العالمي تدور أسئلة من قبيل: أليست المخاطر قديمة قدم البشرية؟ ألم تكن المجتمعات في الماضي والحاضر مجتمعات مخاطرة؟ ألا تبدو المخاطر العالمية أقل تهديدًا من مخاطر ألفها العالم أو تجاوزها مثل حوادث المرور والأوبئة والمجاعات، أليست المخاطر قوة دفع أساسية لاكتشاف عوالم وأسواق جديدة؟ يقول “أولريش بك” مجيبًا: إنه من الممكن توضيح علاقات سلطة تفسير المخاطرة في أربع نقاط: من الذي يقرر خطورة أو عدم خطورة المنتجات والأخطار والمخاطر؟ ومن المسؤول ومن المتضرر؟ وما نوع المعرفة أو عدم المعرفة بالأسباب والأبعاد المرتبطة بالمخاطر؟ وما الذي يعد بمثابة إثبات في عالم تذوب بداخله المعرفة وعدم المعرفة بالمخاطر، وكل المعارف تعد محلاً للشك والاحتمال؟، ومن الذي يقرر تعويض المتضررين داخل دولة أو أكثر من دولة إقليمية؟

ومن الواضح أن موضوع الاحتباس الحراري قد سيطر على وعي البريطانيين اعتبار الغازات الدفيئة أكثر خطورة على مستقبل كوكب الأرض من الإرهاب والحروب، وتمثل عمليات الإرهاب الانتحارية والعنف المعولم واحدة من أنماط المخاطر المتوقعة، وقد أدى هذا التوقع إلى تداعيات خطيرة على القانون والجيش والحرية وحياة الناس اليومية واستقرار النظام السياسي في كل مكان في العالم؛ لأنها متعلقة بكل ضمانات الأمن التي تعهدت بها المؤسسات الأساسية للدولة القومية.

ماذا تعني الحياة في مجتمع المخاطر العالمي؟

تمثل قضايا مثل الإضرار بطبقة الأوزون وأنفلونزا الطيور مخاطر متعولمة تقوي من عولمة المخاطرة، ويقابل الادعاء بأن المجتمع الحديث هو مجتمع مخاطرة لأنه دائمًا ما يثير النقاشات بقوة أكثر حول المخاطر التي تنشأ منه بالذات، والهدف من ذلك محاول التغلب عليها يقابل باعتراض يتمثل في أن الوضع الراهن ما هو إلا نتاج للهستيريا ولسياسة الخوف التي تؤججها وتزكيها وسائل الإعلام باستمرار.

ولكن ما الذي يميز المخاطرة العالمية؟ تميز المخاطرة العالمية بعدم التمركز ولا تقتصر آثارها وأسبابها على مكان أو نطاق جغرافي محدد، ولا يمكن حساب نتائجها، وغير قابلة للتعويض، إذا يفقد منطق التعويض مفعوله ويحل محله الحماية عن طريق الوقاية.
ويلاحظ في الحياة اليومية لمجتمع المخاطر العالمي أن هناك نزعة جديدة إلى الفردية، حيث يتعين على الفرد أن يتخذ قراراته الخاصة بنفسه في مواجهة عدم يقين المجتمع الدولي، وقد أصبح الفرد مجبرًا على أن يفقد الثقة بالوعود العقلانية للإعلام والدولة والجيش؛ ونتيجة لذلك ارتد الإنسان إلى نفسه.

وهناك أيضا نزعة أو اتجاهات جديدة لإعادة مسؤولية الدولة، ففي ظل ما يمكن اعتباره فشلاً لليبرالية الجديدة، وإعادة صياغة المخاطر الكونية تشكلت أفكار واقعية لعالم مهدد بالمخاطر يكون دور الدولة وشرعنة هذا الدور حلاً أو فكرة للحماية من المخاطر!
وقد يبدو أن المخاطر العالمية وبخاصة الإرهاب هي عدو جديد مرغوب فيه ليحل محل الشيوعية، ويلبي احتياجات لدول تبحث عن عدو، ويمكن أن يوحد الغرب!

إن مجتمع المخاطر العالمي يشجع على منطق تاريخي مفتاحي، فليس هناك أمة واحدة يمكن أن تتغلب على تلك المشاكل، كما أن إيجاد بديل سياسي واقعي أمر ممكن في عصر العولمة، وذلك البديل يواجه خسارة سلطة سياسة الدولة بالنظر إلى رأس المال المتعولم، إلا أن الشرط اللازم لذلك هو ألا تفسر العولمة باعتبارها قدرًا اقتصاديًّا، ولكن باعتبارها لعبة استراتيجية للسيطرة على العالم!

Share: