بقلم :
on : السبت, 4 Jan, 2014
Comments Off on تونس 2013-2014 :توافق على التهدئة وإعلاء مصلحة البلاد

تونس 2013-2014 :توافق على التهدئة وإعلاء مصلحة البلاد

ذكرى ثورة 14 يناير

يستعد التونسيون هذه الأيام للاحتفال بالذكرى الثالثة لثورتهم والتي تعرف بثورة الحرية والكرامة أو ثورة 14 جانفي(يناير). وتتزامن هذه الذكرى مع ختم الدستور وحلول حكومة جديدة ودخول مرحلة انتقالية ثالثة وأخيرة سيتركز فيها الاهتمام على إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية كخطوة نهائية نحو إرساء الجمهورية الثانية.
ثورة 14يناير -صورة ارشيفية

ثورة 14يناير -صورة ارشيفية

بعيدا عن منطق التشاؤم أو التفاؤل يبدو من المنطقي التساؤل عن الطريقة التي تمكن بها التونسيون أخيرا من التغلب على الصعوبات والعقبات التي اعترضتهم قبل أن يجدوا الطريق الأمثل لإخراج البلاد من النفق المظلم والأزمة السياسية التي ظلت تتخبط فيها على مدى نحو سنة إلى أن جرى التوافق والاتفاق على الحل.

كانت انطلاقة سنة 2013 صعبة على حكومة الائتلاف الثلاثي ورئيسها حمادي الجبالي؛ حيث عرفت البلاد قبل بداية العام بأشهر قليلة أزمة سياسية واجتماعية خانقة، فقد أعلنت المعارضة المواجهة عبر تعبئة الشارع، خاصة في المناطق الداخلية على غرار محافظات سليانة وقفصة والقصرين، فيما بدت حكومة الجبالي مرتبكة وهي تدفع باتجاه حل توافقي مع المعارضة والأطراف الاجتماعية، إلا أن الفشل ظل يلاحق كل محاولات الحوار المثمر ولم يجد حمادي الجبالي من حل سوى إدخال بعض التعديلات على فريقه الحكومي في مطلع السنة أي في شهر يناير (كانون الثاني) إلا أن مفاجأة بحجم الزلزال حدثت صبيحة 6 فبراير (شباط) 2013 حيث استفاق التونسيون على خبر اغتيال أحد أبرز وجوه المعارضة اليسارية شكري بلعيد، فكان حدثا مفزعا بأتم معنى الكلمة، لأن التونسيين ولأكثر من نصف قرن من عمر دولتهم المستقلة لم يألفوا مثل هذا الحدث، وخرج الكثير منهم للشارع تنديدا وتألما، وكادت الأمور تفلت من سيطرة أجهزة الدولة، وغمرت الأحزاب حالة من الذهول والارتباك، وبدأت المعارضة تنادي بإسقاط الحكومة محملة إياها مسؤولية اغتيال بلعيد، وعمل حمادي الجبالي لأكثر من أسبوعين على التهدئة وبعث الرسائل الإيجابية وفتح الباب أمام إمكانية توسيع الائتلاف الحاكم ليشمل أحزابا وقوى أخرى، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لينتهي به الأمر إلى تقديم استقالته وإعلان فشل حكومته في 19 فبراير 2013 فكانت الخطوة الأكثر جرأة والحل الأنسب لتجاوز الأزمة. وهنا طالبت المعارضة بحكومة كفاءات مستقلة عن التجاذبات الحزبية، فيما أصرت حكومة الترويكا على عدم التنازل عن حقها في قيادة المرحلة الانتقالية مقابل فتح المجال لمشاركة المعارضة وأخذ نصيبها في تركيبة الحكومة، وعينت النهضة علي العريض رئيسا للحكومة الجديدة مع الالتزام بتحييد وزارات السيادة (الدفاع والخارجية والعدل والداخلية).

أحداث جبل الشعانبي

وبعد أداء اليمين من قبل حكومة علي العريض بأيام شهدت المنطقة الغربية للبلاد وأساسا مرتفعات جبل الشعانبي المتاخمة للجزائر سلسلة انفجارات أدت إلى استشهاد عدد من الجنود والضباط فكانت إيذانا بحلول شبح الإرهاب، في الأثناء استمرت علاقة الحكومة بالمعارضة متراوحة بين القطيعة والتجاذب، وظلت أشغال المجلس التأسيسي متعثرة. وحتى إصدار النسخة النهائية من مسودة الدستور في شهر يونيو (حزيران) لم يكف لفتح أبواب الأمل للخروج من المؤقت بقدر ما زاد في انقسام الطبقة السياسية. إلى أن جاء اغتيال عضو المجلس التأسيسي والأمين العام لحركة الشعب محمد البراهمي يوم 25 يوليو (تموز) 2013 بمثابة صب الزيت على النار. ودخلت المعارضة في تحالف جبهوي عرف بجبهة الإنقاذ، وأعلنت تنظيمها لاعتصام الرحيل أمام مدخل المجلس التأسيسي ورفعت من سقف مطالبها بالدعوة إلى حل هذا المجلس ورحيل حكومة علي العريض. وأعلن نواب أحزاب المعارضة في المجلس التأسيسي انسحابهم، مما أدى برئيسه مصطفى بن جعفر إلى تعليق نشاط هذا المجلس إلى حين إيجاد حل للأزمة السياسية.

وأمام فشل كل دعوات الحوار الصادرة عن الحكومة ورئيس الجمهورية منصف المرزوقي، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد رجال الأعمال ورابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين عن تشكيلهم لرباعي الإشراف على الحوار الوطني من أجل تجاوز الأزمة السياسية وإنهاء المرحلة الانتقالية بأسرع وقت، وهي مهمة لخصتها «خارطة الطريق» التي وقعت عليها الأحزاب الفاعلة في الساحة يوم 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2013، ومع حالة الانفراج والتفاؤل التي سادت الشارع التونسي صعد الإرهاب من نسق أعماله الدامية وسقط عدد من رجال الشرطة والحرس في جبل الشعانبي، فكان إصرار المنظمات الأربع الراعية للحوار والأحزاب السياسية الفاعلة كبيرا؛ لشعورها بخطورة اللحظة وأهمية تخطي المأزق السياسي الذي تعيشه البلاد، وهو ما دفعهم إلى القبول بتقديم التنازلات خدمة لمصلحة البلاد.

خارطة الطريق

وبقبول شركاء الحكم بخارطة الطريق والتزامهم بها، وجد هؤلاء أنفسهم متساوين مع أحزاب المعارضة بما في ذلك التي لم يكن لها أي نصيب في انتخابات أكتوبر 2011 مع ما يقتضيه ذلك من استقالة حكومة علي العريض ومراجعة التعيينات التي قامت بها طيلة فترة حكمها بما يضمن لجميع القوى تحييد الإدارة ونجاح الانتخابات المزمع إجراؤها في المستقبل، أما المعارضة فإنها وبالتزامها بخارطة الطريق تعيد نوابها إلى المجلس التأسيسي لتسريع نسق أشغال إعداد الدستور وقانون الانتخابات، ولبلوغ هذا الهدف كان عمل الرباعي الراعي للحوار مضنيا وشاقا بعد أن ظلّ أمل الوصول إلى التوافق قبل أشهر مفقودا تقريبا، خاصة أن المعارضة كانت تستعجل إعلان رئيس الحكومة علي العريض الاستقالة وتلح على ذلك إلى أن انتهى الأمر يوم 25 أكتوبر بإعلان هذا الأخير التزامه بالاستقالة عندما يتم الانتهاء من إعداد الدستور وقانون الانتخابات والاتفاق على موعدها وتشكيل الهيئة المشرفة عليها.

انتهت إذن سنة 2013 وذهبت معها كل هواجس ومخاوف التونسيين وتوافق الفرقاء السياسيون على أن يكون يوم 14 يناير تاريخا فاصلا بين المرحلة الانتقالية الثانية والمرحلة الانتقالية الأخيرة والتي سيديرها رئيس الحكومة الجديد المهدي جمعة وكل ما يأمله التونسيون اليوم هو أن يروا نخبهم وقادتهم متفقين ومتوافقين بشأن مصلحة بلادهم والتي تكمن في استكمال المصادقة على الدستور وإرساء أسس الديمقراطية وإنجاح الانتخابات وإحداث التنمية المتوازنة بين الجهات وتحقيق النهوض الاقتصادي وهو توافق بدا في لحظات كثيرة بمثابة حلم.

حكومة المهدي جمعة

إن قراءة موضوعية لاختيار المهدي جمعة رئيسا للحكومة الجديدة تنتهي إلى أن هذا الرجل الذي لم يتخط الخمسين من العمر وصاحب التجربة في التسيير الإداري والمالي في أكبر المؤسسات الفرنسية في ميدان الطاقة وصاحب الكفاءة العلمية هو الاختيار الصائب، لأنه لم يعرف عنه انتماء أو نشاط حزبي، وأن وجوده في حكومة علي العريض النهضاوية لا يعني أنه إسلامي التوجه بل إن تجربته في وزارة الصناعة تقول عكس ذلك؛ إذ قام في مناسبتين بإعفاء مديرين عموميين عرفوا بانتمائهم لحركة النهضة كما أنه وبمجرد اختياره رئيسا للحكومة المقبلة أعلنت دول الاتحاد الأوروبي عن ارتياحها وتأييدها للتوافق الوطني في تونس ولا يخفى ما لهذه الدول من تأثير على مناخات المال والأعمال في تونس إلى جانب تدفق السياح من هذه البلدان على البلاد، كل هذه المعطيات الإيجابية كافية لتجعل من سنة 2014 في ظل حكومة المهدي جمعة سنة الإقلاع، خاصة أن الاتحاد العام التونسي للشغل تعهد بالكف عن الدعوة إلى الإضرابات، والتزمت منظمة رجال الأعمال والصناعيين ببذل الجهد ومساعدة الحكومة الجديدة عبر تنمية الإنتاج والتصدير والاستثمار والتشغيل لإنجاح عمل هذه الحكومة التي ستكون في وضع مريح بعد المصادقة على الدستور خلال أيام، علما أن أعضاء هذه الحكومة سيلتزمون بعدم الترشح للانتخابات المقبلة فضلا عن استقلاليتهم عن كل الأحزاب.

Share: